الإمارات

عندما تتخلى الصحافة الغربية عن قيمها!

أحمد مصطفى العملة

في العادة، تحاول الصحافة البريطانية القول: إنها تتحلى بالنزاهة والموضوعية والعقلانية، ولكن..
عندما يتعلق الأمر بسكان قصر باكنجهام وملحقاته، والبريطانيين في الخارج، خاصة عندما يرتكبون مخالفات أو جرائم، تتحول هذه الصحافة حادة الطبع، سليطة اللسان، المتنمرة دوما، إلى ما يشبه الأم الحنون التي تدلل وتلاطف أطفالها الصغار، مهما فعلوا أو أساؤوا للآخرين. ولا يهمها أبدا أنها في مثل تلك الحالات تبدو أكثر شبها بصحافة زيمبابوي في عهد موجابي أو كوبا في عهد كاسترو.
انظر مثلا إلى التغطية الإعلامية التقليدية في التيار الرئيسي من الميديا البريطانية لأخبار العائلة المالكة. إنها دوما في الصدارة حتى ولو كان الحدث، مجرد دخول الأمير جورج -3 أعوام، المدرسة للمرة الأولى، مثل ملايين الأطفال في سنه.
ستجد تقارير لا نهاية لها (وبالصور والفيديو) عن المدرسة وتاريخها وطعامها، ومناهجها الدراسية وزيها الرسمي، ومن الذين يدرسون فيها، ولماذا تم اختيارها، وماذا قال مديرها، وكيف بدا الأمير ووالداه، دوق ودوقة كامبريدج، عندما اصطحباه للمدرسة!
تفاصيل دقيقة لن تمل وسائل الإعلام هناك (مهما كانت درجة رصانتها) من تكرارها، بتبجيل شديد كأنها تمارس طقوساً سحرية مقدسة. ولن تسلم من ذلك مؤسسة عريقة بحجم وكالة رويترز التي بثت خبر موعد خطوبة الأمير هاري للممثلة الأميركية ميغان ماركل باعتباره نبأ «عاجلاً»، كسقوط حكومة أو صعود الإنسان للقمر.
الأمر نفسه ينطبق بدرجة ما على البريطانيين في الخارج. فما أن يرتكب أحدهم مخالفة أو جريمة في دبي أو القاهرة أو الرياض مثلا، حتى تتلبس هذه الصحافة حالة من «المس» الشوفيني تجعلها تتعامل مع هؤلاء البريطانيين كما لو أنه، لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا من خلفهم.. مهما فعلوا.
وكثيرة ومتكررة هي القضايا التي تورط فيها غربيون في دول عربية.
آخرها مثلا، شابة تم ضبطها بأحد المطارات العربية قبل أسابيع، وهي تحاول تهريب حبوب مخدرة. الصحف اللندنية تبنت قضيتها، وأفردت مساحات كبيرة لتصريحات ومقابلات مطولة مع أسرتها وأقاربها وأصدقائها وجيرانها ومحاميها. وكلهم بالطبع يدافعون عنها ويؤكدون براءتها وطيبة أخلاقها وأصالة معدنها، وأنها لا يمكن أن ترتكب حتى مخالفة مرورية.
ويتحول الأمر تدريجيا إلى ما يشبه حملة علاقات عامة مكثفة ومحمومة ومسمومة للضغط على حكومة هذا البلد العربي أو ذاك، لإحراجه أو لتليين مواقفه، بدعوى أن المتهمة لم تكن تعلم، أو أنه تم التغرير بها أو أنها حسنة النية، وأن هذه القبلة أو تلك العلاقة الجنسية على شاطئ أو ذاك العقار الذي حاولت تهريبه، أمور عادية وشائعة في بلدها. وإذا لم يفلح الأمر، تتحول الحملة إلى مرحلة التشهير بالدولة العربية التي نفذت قوانيها. حينها ستقرأ تقارير عن تردي أوضاع السجون مثلا في هذه الدولة، وستطالع تحقيقات مصورة ومقابلات مع مسجونين سابقين، تتحدث عن ظروف الحياة «المريعة» داخل هذه السجون، بما في ذلك «الوجبات التي قد تسبب بعض الحساسية للشابة المدانة».
بهذا النوع من التغطية، تتخلى الميديا الغربية عن موضوعيتها وحيادها ونزاهتها، وتتحول إلى بوق دعائي فج يقدم دعاية رخيصة، تفوح منها رائحة استعلاء مذمومة من بقايا عهد الاستعمار عندما كانت الدول الغربية امبراطوريات لا تغيب عنها الشمس، وكأنها تقول... كيف تجرؤون؟!
(ahamed.moustafa@alittihad.ae)