الملحق الثقافي

خلاصات علمية في صياغة الاستراتيجية

أضحى علم الاستراتيجية منذ مدة ليست بعيدة من العلوم المهمة على مستوى الجامعات ومراكز البحث الأكاديمية والسياسية، ولأهميته مؤشراً موضوعياً على تطور علم السياسة. وقد تصدى لدراسة هذا الموضوع عدد مهم من الباحثين في الاختصاصات العلمية السياسية منها والاقتصادية والعسكرية والإدارية... وتعددت الأساليب والأدوات اللازمة للصياغة الاستراتيجية غير أن من أهمها التفكير الاحتمالي والمعلومات والتنبؤ الاستراتيجي. ويبرز بين المتغيرات موضوع التفكير الاحتمالي الذي يؤرخ لظهوره في عقد السبعينيات على ايدي بعض الباحثين (رايت وفيليب) اللذين تناولاه في عدة بحوث. ويعد التفكير الاحتمالي من المواضيع المهمة والحساسة التي تقف على تماس مع إمكانيات وقدرات صانع القرار على المستوى الاستراتيجي، في الهيئات القيادية. ومن هنا تأتي أهمية هذا المتغير الذي لم يأخذ قسطاً وافياً من الدراسة الأكاديمية على الصعيد العربي.

حجر الزاوية
في كتابه “التنبؤ الاستراتيجي.. دراسة في تأثير التفكير الاحتمالي والمعلومات” تناول المؤلف د. محمد مصطفى جمعة اهم المتغيرات المؤثرة في صياغة الاستراتيجية في كافة مراحلها. بدءاً بمرحلة التحليل الاستراتيجي ومروراً بمرحلة الصياغة الاستراتيجية وانتهاء بمرحلة التنفيذ والتقييم الاستراتيجي.
يمثل التفكير الاحتمالي والمعلومات حجر الزاوية في الدراسات المستقبلية والتي أخذت حيزاً وافياً من الاهتمام والانتباه عند عدد من الباحثين، ويعد من المواضيع الأساسية في بناء الاستراتيجيات وفي اتخاذ القرار، خاصة على صعيد القيادة الاستراتيجية، كما أن هناك جملة من الحقائق التي تزيد من أهمية الموضوع؛ وانسجام متغيرات الدراسة مع بعضها من حيث أخذها في الاعتبار الأدوات الأساسية في التفكير الاستراتيجي وبناء الاستراتيجية. فالتفكير الاحتمالي أحد المفردات الأساسية في نظرية اتخاذ القرار وتزايد الاهتمام بالمعلومات في عصر غير مسبوق في حركته حيث أطلق عليه عصر الثورة المعلوماتية. أما التنبؤ، كما يصفه المؤلف، فهو أحد الأساليب المهمة لاستكشاف المجهول واستطلاع مقدمات الزمن القادم. وبالطبع، فإن امتلاك هذه الوسائل يعين صانع القرار على وضع خطة متكاملة تتعامل مع المرحلة القادمة.
ويبسط المؤلف أهداف دراسته في التالي: تعميق المعرفة في مجال التفكير الاحتمالي لما ينطوي عليه هذا الموضوع من تداخل في مجالات عديدة نفسية ورياضية وإدراكية وسياسية ومنطقية. رفد مستوى المكتبة العربية بنتاج بحثه في هذه المواضيع خاصة بعد تبين افتقار المكتبة إلى مثل هذه المواضيع. رفع مستوى اهتمام الباحثين في المواضيع والبحوث النمطية. فتح نوافذ أوسع لمجموعة من البحوث غير النمطية التي تعتمد سمة التداخل ما بين العلوم كافة. تحقيق التفاعل بين علم السياسة والعلوم العصرية المهمة مثل علم النفس والإحصاء والرياضيات والإدارة بما يخدم علم السياسة ويوسع من مداخل تطوره. تقديم مادة علمية بحثية حديثة في مواضيع مهمة مما يزيد في معرفة الآخرين ويغني المسيرة العلمية في الجامعات العربية.
يتساءل المؤلف عن العلاقة بين المتغيرات الثلاثة: التفكير الاحتمالي، المعلومات، التنبؤ وهل توجد علاقة أساساً بين هذه المتغيرات؟ فقال: “يمكن تأطير جوانب هذه المشكلة بالأسئلة التالية: كيف يرتبط التفكير الاحتمالي بالمعلومات؟ وما العلاقة بين المعلومات والتنبؤ الاستراتيجي؟ وما نوع العلاقة بين التفكير الاحتمالي وبين التنبؤ الاستراتيجي؟ وما هي مستويات هذه المتغيرات وأبعادها في مضمار المؤسسات السياسية العراقية؟
وعبر اعتماد منهجية علمية قامت على أساس منطقي سليم، حسب قوله، عمد المؤلف إلى إثارة الفكرة في العقل المفكر ومن ثم بروز مشكلة وسعيه إلى تأطير حدود المشكلة في تساؤلات، وتوضيحه ماهية المشكلة وأبعادها.
لقد استعرض المؤلف، في المراجعة النظرية، المتغيرات. وخص التفكير الاحتمالي بدراسة مستفيضة، وتناول موضوع التفكير، وموضوع الاحتمالات وتطرق فيه إلى ماهية التفكير الاحتمالي. وعرض منطلقات أساسية في المعلومات، ونظمها، وفي السياسة أيضاً.
وعرض منطلقات اساسية في التنبؤ الاستراتيجي، وأساليب ومداخل دراسة التنبؤ، والتحليل البيئي، والجانب التطبيقي، وفرضيات البحث والنموذج والمتغيرات المعتمدة وطرق قياسها بينما عرض ايضاً الأدوات المستخدمة، وتناول المقارنة بين المؤسسات السياسية في متغيرات الدراسة.

نتائج
وختم المؤلف بعرض نموذج التعميم لنتائج الدراسة بالإضافة إلى الاستنتاجات والتوصيات، حيث أكد على أهمية إدخال منهجية الدراسات الميدانية في الدراسات السياسية، واستخدام الوسائل الاحصائية فيها من قبل الباحثين، وإرساء مدخل جديد ومدرسة جديدة في علم السياسة تؤطر سباقاً علمياً مبتكراً في العراق والبلدان العربية مجتمعة.
ولفت إلى أن هناك ضرورة للاستفادة من تعميم نتائج البحث وتجارب سياسية عالمية تساعد على تحوير النموذج وليس العكس أي تكييف النماذج وفق نتائج البحث. وأهمية اعتماد الموسوعية اي الشمولية في فهم علم السياسة والاستراتيجية باعتبارهما علماً سياسياً يتغذى وتتغذى العلوم الأخرى عليه. والانفتاح على كافة الاختصاصات والمجالات بما يخدم علم السياسة وليس العكس. والسعي الى تنشيط التفكير الإحتمالي واعتماده كمادة اساسية في الجامعات العربية وذلك لغياب المصادر العربية في هذا الموضوع. واعتماد النظرية القرارية والإدارية الاستراتيجية كمواد أساسية في قسم الاستراتيجية، والتأكيد على تناول المواد ضمن الفهم العام لكافة العلوم الأساسية كالسياسة والإدارة والإحصاء وعلم النفس. وعقد دورات تعليمية أكاديمية للمدراء العامين والقيادات العليا لإيضاح مفهوم التفكير الاحتمالي والتبؤ الاستراتيجي، وتبيان خصائص هذه المتغيرات وأنواعها وأهميتها في النظرية القرارية والاستراتيجية. وأيضاً توعية الباحثين في المؤسسات والمراكز البحثية والاستشارية والتطويرية لاعتماد هذه المتغيرات لرفع طروحاتها النظرية وفق احتمالات ومشاهد مستقبلية عديدة، وانشاء مركز بحثي يعنى بالدراسات الاحتمالية وفق سياقات علمية سياسية وإحصائية لدى معظم الجامعات العربية.
وفي نهاية الكتاب، لفت المؤلف إلى أن نتائج المقارنة تؤشر على وجود نسب متفاوتة ما بين المتغيرات في المؤسسات السياسية المبحوثة، لكن بالرغم من التفاوت فإن المقارنة ما بين المؤسسات السياسية - ووفقاً لكل متغير – أظهرت عدم وجود فروق معنوية بين المؤسسات السياسية في التفكير الاحتمالي، بينما توجد فروق معنوية بين ذات المؤسسات فيما يخص المعلومات ككل. وكذلك الحال بالنسبة للتنبؤ الاستراتيجي إذ أظهرت النتائج وجود فروق معنوية بينها حيال هذا المتغير. وتستدعي هذه الاستنتاجات والتوصيات، التي جاءت وفق سياق علمي نظري يتسم بدرجة عالية من الدقة والموضوعية والوضوح، ضرورة الاهتمام واتخاذ التدابير حيال الواقع سواء من خلال رسم استراتيجية ما أو تصحيح المسار.