الملحق الثقافي

استبداد «الصّفر»

«الصّفر» في معرض فنان الوسائط المتعدّدة هادي سي، الفرنسي من أصل لبناني ومتحدّر من أصول سنغالية، والذي يُقام في غاليري صالح بركات في بيروت، يأتي بالتزامن مع مهرجان الصورة المتوسطي «فوتوميد - 2017» في دورته الرابعة، الذي شهدته بيروت واختتم أمس 8 فبراير، وتضمّن أعمالاً فوتوغرافيّة أوروبيّة ومحليّة متوسطيّة وعروضاً لكبار المصوّرين الفوتوغرافيين والمُخرجين.


يأتي «الصّفر» هنا، في مُساءلة نقديّة لحياتنا المعاصرة، موقفٌ تأمّلي للأخلاق في عصر الدولارات، في عصر السيولة التي تُحاصر أوجه حياتنا وتنزعُ نحو السيطرة على إنسانيتنا ومراكز عقولنا؛ «السيولة في الخوف» و«السيولة في الحب»، و«السيولة في الحداثة». إنّه قراءة في طبيعة العلاقات المعاصرة، وفي ثقافة الاستهلاك والحداثة والعولمة وما بعدها. هل للأخلاق فرصة في عالم استهلاكي؟ سؤال طرحه المفكّر البولندي زيغمونت باومان أبرز علماء الاجتماع في القرن العشرين، أعادنا إلى معرض «الصّفر»، الذي وضعنا أمام دائرة من الأسئلة الصعبة، أسئلة الصّفر بوصفه حدّاً فاصلاً ما بين السلب والإيجاب، حدّاً ما بين الأعلى والأسفل، إذ يقعُ تحته ما لا نهائيّ من احتمالات، ويحملُ فوقه ما هو لا نهائيّ أيضاً.
هذا على مستوى الاشتغال الثقافي، أمّا على مستوى التقنيات المُستخدمة في المعرض، فهي حديثة جداً، انفعالية ومليئة بالحركة، تعكسُ التحوّلات الثقافية التي طرأت على الفنّ الفوتوغرافي المعاصر، إذ يصنعُ هادي سي مُنعطفاً حادّاً في هذا الجانب، ويُظهر كيف أن علاقة الفنّان الفوتوغرافي بالكاميرا لم تعد علاقة آلة، كما لم يعد هذا الفنّ يُقَدّم بالطريقة ذاتها، وأصبح بالنسبة لسابقه شيئاً آخر، شيئاً هو مزيجٌ من المواد والعناصر المختلفة وغير المنسجمة أحياناً، من خشب وإسمنت وتبن ورمل وبلاستيك مقوّى وحديد وغيرها، شكّلت مُحرّكاً للصورة وحافزاً للموضوع والفكرة معاً.

الصفر فناً.. الفن صفراً
لقد وضعنا الفنّان أمام معادلة شائكة تتلخّص بالكيفية التي يُصبح عليها الصّفر فنّاً أو الفنّ صفراً، وعندما يصبح للّامعنى قيمة وبالعكس. هذه هي المقارنات بين الفنّ والصّفر، في كونهما لا يملكان حدوداً ثابتة ولا قواعد نهائيّة، وفي كونهما يراوحان ما بين الحقيقة واليوتوبيا؛ إذ لم يتبلور الصفر في الفراغ ولا اليوتوبيا أيضاً، جمعهما الفنّان ضمن سياقاتهما الثقافية والاجتماعية: «لقد أردتُ أن ألفُت الانتباه إلى أنّ المال يعني صفراً من دون أيّ قيمة إنسانية، وأنّ لا قيمة للصّفر إلّا بالتراكم، عندها يتغيّر معناه ويصبح مُخيفاً. المال هو صفر برأيي، يقول الفنان هادي سي، إنّه ورقٌ وحبرٌ وزخرفة، هذا ما تعمّدت أن أبرزه في أعمالي. رسمتُ قطعة النقود بتفاصيلها كافة بطريقة illustrator، أردتُ أن أضع الناس أمام سؤال مهمّ: هل لورقة النقد قيمة أخلاقية أو قيمة فيزيائية محسوسة؟ أردتُ أن أؤكد كيف يُشكّل رأس المال العالم، وخصوصاً عالم الفن، وكيف يتوسّط رأس المال العلاقات الإنسانية، ويحسم أفكارنا وسلوكيّاتنا واتّجاهات تفكيرنا. إنه الفرق كلّه بين قيمة المال بحدّ ذاته، وقيمته كوسيلة تبادلية ضرورية، وهذا ينطبقُ على الموضوعات الفكرية والثقافية أيضاً».
يعيدُ الفنّان «الصّفر» إلى سياقه التاريخي كدورٍ وعدد، يروي في أعماله قصّة الصّفر «منذ أن بدأ صفراً، ثم سيفر، وسايفر، وزافيرو، وصولاً إلى زيرو، ثم تلقّفته الماسونية التي صنعت الدولار. فالماسونيّون صمّموا أوراقاً وضعوا عليها صورهم وزيّنوها، بادلونا الورق بالخيرات التي تملكها بلداننا.
يبني الفنّان معرضه بذكاء أخلاقيّ، وبأبعاد ثُلاثية وطبقات عدّة يطغى عليها اللّونان الأسود والأبيض. يتلاعبُ بالكلمات وعناوين اللّوحات، إذ يضعُ عبارة wash in tone على صورة وجه واشنطن الذي يتوسّط الدولار، وقد أغرقها في فُقّاعات من الصابون والماء. كما أبرز لعبة الحرب والمال من خلال المبنى المُدمّر والمليئة ثقوبه وشظاياه بالدولارات، وعنونها بـ big business، فضلاً عن التجسيد الفنّي القويّ للمتراس الحربيّ المغلّف بالدولارات والأصفار البارزة، والذي يتوسّط باحة المعرض. يعتبر هادي سي «أن الحروب هي من أكبر الأعمال في العالم، فكلّ رصاصة يدفعُ ثمنها أحدٌ ما، وهي دورة كاملة من الأعمال والأرباح؛ لذلك لن تتوقّف الحرب، وسيبقى وهم الكره قائماً بيننا، نتيجة أسباب تحريضيّة ليس لها إلّا خلفيات ربحية وحسابات مالية». إنّه يعبّر عن استياء اللّبنانيين بشكل خاص من الساسة والسياسيين في لوحة أكياس النفايات الصارخة، والتي صمّمها بألوان الأحزاب اللبنانية المتعدّدة، فضلاً عن الميزان الذي يُرجّح الدولار كمقياس للعدالة في أوطانٍ فاسدة، وصولاً إلى لوحة «أصل العالم الجديد» تيمّناً بلوحة «أصل العالم» للفنان الفرنسي لو كوربيه، وقد وضع فيها بيوتاً للعصافير المولودة وفي داخلها الرمز الأساس للمعرض، أيّ «الدولار».
يقول الفنّان أنّه «اعتمد نهجاً جديداً في التصوير الفوتوغرافي، فالصورة الفوتوغرافية أصبحت مليئة بالعناصر، وقد أدخلتُ عليها مواد مختلفة لأُضفي أبعاداً واقتراحات عدّة. أعتقد أن فكرة المعرض بحدّ ذاتها هي تحدٍ كبير لعالم الفنّ والمال معاً، فمن يصنعُ الفنان هل هو المال أو الغاليري أو المتحف أو الصحافة؟ يقول أندي وارهول: أن تكون جيداً في الأعمال فهذا الأمر هو الأكثر روعة في الفنّ، أن تجني المال فهو فنّ، العمل هو فنّ أيضاً، والأعمال الجيدة هي أفضل الأعمال الفنّية».

دم وأسلحة وأخوة بشرية
اليوتوبيا في هذا المعرض نقيض الحقيقة، وهي جاءت للدلالة على الأوهام التي يغرق فيها عالمنا المعاصر. إنّها الطّوباوية أو المثالية، وهي كلمة أساسها يوناني، وتعبيرٌ عن الفلسفة المثالية التي يتخيّل فيها الكاتب الحياة في مجتمع نموذجي غير موجود. اليوتوبيا «هي أفكار مُتعالية تتجاوز نطاق الوجود المكاني». ويرجع استخدام المصطلح إلى سير توماس مور الذي أطلقه على عمله اللّاتيني utopia، وبعده أنشأ أفلاطون جمهوريته على أساس الفكرة اليوتوبية، وبنى الفارابي مدينته الفاضلة من وحيها، وهو كتاب نوعيّ في الفكر العربي القديم، بحث فيه الفارابي «المُعلّم الثاني» عند العرب، على اعتبار أنّ أرسطو هو «المعلم الأول»، عن بيئة فاضلة وأوطان مثاليّة وسعيدة.
وكان الفنّان هادي سي قد أقام معارض عدّة في نيويورك ولوس أنجلوس وباريس وبرلين وسنغافورة وروسيا ودول أخرى. ومن أبرز المعارض التي لاقت نجاحاً كبيراً، معرض «ليس للبيع» الذي ضمّ 35 نوعاً من الأسلحة التي استُخدمت منذ بداية القرن العشرين، ومن بينها الأسلحة التي استُخدمت في عمليّات اغتيال زعماء سياسيين، أبرزهم: مارتن لوثر كينغ، وغاندي، وجون لينون، والسادات، ورابين، وآخرين. وقد تبنّت المعرض أبرز مؤسّسة رسمية فرنسية للفنّ الحديث، وجعلت منه معرضاً دائماً ومفتوحاً للعموم.
المعرض الثاني للفنّان هو «نؤمن بالله» والذي تمحور حول الهوية والعرق والحرب والدين، وذلك من خلال تصوير شُعاعيّ للهيكل العظميّ الخاص بالفنّان. أمّا المعرض الثالث «دمٌ واحد» فقد ضمّ 546 بورتريهاً و493 تبرعاً بالدم و 153 نموذجاً، وذلك بهدف التأكيد على التشابه بين البشر من الداخل، على الرغم من اختلافهم في الشكل والأسلوب ولون البشرة.

عصافير الدولار
يعبّر الفنان عن استياء اللّبنانيين بشكل خاص من الساسة والسياسيين في لوحة أكياس النفايات الصارخة، والتي صمّمها بألوان الأحزاب اللبنانية المتعدّدة، فضلاً عن الميزان الذي يُرجّح الدولار كمقياس للعدالة في أوطانٍ فاسدة، وصولاً إلى لوحة «أصل العالم الجديد» تيمّناً بلوحة «أصل العالم» للفنان الفرنسي لو كوربيه، وقد وضع فيها بيوتاً للعصافير الفاقسة، وفي داخلها الرمز الأساس للمعرض، أيّ «الدولار».

من أعمال الشيطان
كان رمز الدائرة «0» يُعتبر من أعمال الشيطان في عصور أوروبا المُظلمة، الأمر الذي أخّر وصول الصّفر إلى أوروبا، وتحديداً بعد أن قام عالم الرياضيات الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي بنشر كتاب Liber Abaci الذي شرح فيه أهمّية الصفر ودوره، وذلك نقلاً عن موقع «ليرن هيلفر» الألماني.

صفر الماسونيين
يعيدُ الفنّان «الصّفر» إلى سياقه التاريخي كدورٍ وعدد، يروي في أعماله قصّة الصّفر: منذ أن بدأ صفراً، ثم سيفر، وسايفر، وزافيرو، وصولاً إلى زيرو، ثم تلقّفته الماسونية التي صنعت الدولار. فالماسونيّون صمّموا أوراقاً وضعوا عليها صورهم وزيّنوها، وبادلونا الورق بالخيرات التي تملكها بلداننا.

صفر الخوارزمي
في العام 813 استخدم الخوارزمي الأرقام الهندية، ثم نشر سنة 825 رسالته الشهيرة «الخوارزمي عن الأرقام الهندية»، شرح فيها الاستخدامات العلمية للصّفر، وعرّف من خلالها الغرب على النظام الحسابي العربي «النظام العشريّ» الذي اشتهر لاحقاً بنظام الأرقام الخوارزمية. وأوضح أنّه في عمليات الطرح إذا لم يكن هناك باقٍ، نضعُ صفراً ولا نتركُ المكان خالياً حتى لا يحدث أيّ التباسٍ بين خانة الآحاد والعشرات، وأوصى في رسالته بأن يكون الصّفر من يمين العدد، لأن الصّفر من اليسار لا يُغيّر من قيمة العدد.
واخترع الخوارزمي أيضاً مجموعة أخرى من الأرقام تُعرف اليوم باسم الأرقام العربية، لكنها لم تحظ بانتشار واسع. وفيما بعد استعملها العرب في الأندلس والمغرب العربي، ومن هناك انتشرت في أوروبا، ثم انتشرت في أنحاء العالم كافّة على الشكل المستخدم حالياً: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9.

جدل غير محسوم
لم يكن قديماً للصّفر مكانٌ أو معنى، كان عددُ الأرقام تسعة، وكان يُرمز إلى العدد صفر بمكانٍ خالٍ، قبل أن يُصبح نقطة ومن ثم دائرة فارغة، ليصبح لاحقاً مركز الثّقل في العمليات الحسابية، والقاعدة الرئيسة للنظام الثنائي المؤلّف من الآحاد والأصفار، والأساس الذي تعتمدُ عليه التكنولوجيا الحديثة وتقنيات الديجيتال. لكن الجدل التاريخي حول أسبقية اختراع الصّفر لا يزال غير محسوم، إلّا أنّ الروايات التاريخية تُرجّح أسبقية ابتكاره إلى الهنود والبابليين والعرب وقبائل المايا.