الملحق الثقافي

سيد حِجاب.. شاعر من تراب الوطن

رحل عن عالمنا العربي واحد من أعظم شعرائه المعاصرين. ومن المفارقات أنه رحل في الخامس والعشرين من يناير، وكأن القدر قد اختار له هذا اليوم ليكون تعبيراً عن مسيرته الطويلة التي ارتبط فيها بتراب الوطن وأحلام ناسه من البسطاء الذين يعيشون على أرضه.

عرفت سيد حجاب الشاعر الكبير على المستوى الشخصي منذ عشر سنوات تقريباً من خلال لقاءات بصحبة بعض الأصدقاء المشتركين، أو من خلال المجلس الأعلى للثقافة بمصر، ومن خلال لقاءاتنا القليلة بمجلس أمناء بيت الشعر الذي كنا معاً عضوين فيه. وحينما رشحه مجلس أمناء بيت الشعر لنيل جائزة الدولة التقديرية، كلفني المجلس بكتابة تقرير عن مبررات ترشيحه للجائزة، وقد نال الجائزة بالفعل في الفترة التي توليت فيها أمانة المجلس الأعلى للثقافة، وقد نال الجائزة مع أسماء ذات قامات كبيرة من أمثال الفنانة محسنة توفيق والمخرج داود عبد السيد والكاتب وحيد حامد وغيرهم؛ وإن كنت أرى أن هذه الجائزة قد تأخرت عنه كثيراً، وأنه كان جديراً بنيل جائزة النيل التي كانت تُسمى من قبل بجائزة مبارك. وإيماناً مني بوطنية هذا الرجل، فقد قمت بترشيحه ضمن الأسماء المرشحة لعضوية لجنة الخمسين المنوط بها وضع دستور مصر الجديد. لم أتفضل أنا أو غيري على هذا الرجل بشيء، لأن فضله واسع علينا جميعاً، سواء كنا شعراء أم مواطنين بسطاء. فما فضل هذا الشاعر على الشعر وعلينا جميعاً؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن نقترب من إبداعه الشعري.

صوت شعري خاص
يعد سيد حجاب امتداداً للموجة الأولى من شعر الحداثة في العامية لدى صلاح چاهين وفؤاد حداد. ومع ذلك، فإنه يظل شاعراً أصيلاً، له صوته الشعري الخاص الذي يميزه عن رفاقه من أبناء جيله. على أن الخصوصية في شعره لا تتجلى فحسب على المستوى الصوتي والإيقاعي للغة، وإنما أيضاً على مستوى الدلالة والمضمون: فعلى مستوى اللغة، نجد لغته إيقاعية سريعة التتابع، معبرة عن تدافع الشعور وحماسته وتلقائيته، ومفتونة بالتلاعب بحروف اللغة المصرية العامية، بحيث تبدو اللغة هنا منسوجة من هذه الحروف، بحرفية عالية، ولكن بتلقائية في الوقت ذاته. وعلى مستوى المضمون والدلالة، فإن شعر حجاب ينحاز بوضوح إلى جانب الشعب والجماهير الكادحة من الفقراء والمهمشين والمقهورين والبسطاء من الناس بوجه عام. كما يتجلى في شعره طابع التمرد الذي يحث على مناهضة كل أشكال الظلم والقهر السياسي والاجتماعي. وهو في تعبيره عن هذا المضمون لا يلجأ فحسب إلى «تيمة التمرد»، وإنما يلجأ أيضاً إلى أساليب فنية أخرى مستلهَمة من الروح الإبداعية المصرية؛ فنجد في شعره روح السخرية، ورحابة بيرم، ومربعات ابن عروس، وسير بيبرس والهلالي، كما نجد استلهاماً لدلالات رمزية مستمدة من كل طبقات التاريخ المصري.
وينبغي هنا أن نتوقف وقفة قصيرة لنبدي ملاحظة عامة وإن كانت جوهرية، فنقول: إن شعراء العامية كُثُر، ولكن سيد حجاب متفرد بين هذه الكثرة، ليس فقط من خلال التقنيات التي يبتدعها، وإنما أيضاً من خلال تلك القرابة الوثيقة التي نجدها في شعره بين الفصحى والعامية، بحيث تبدو العامية لغة بليغة تعبر عن ظلال ومعانٍ للكلمات المعيشة التي لا تستطيع الفصحى توصيلها بشكل مباشر (وإنما يمكن فقط أن تترجمها). ولكن هذا لا يكون ممكناً إلا من خلال معرفة وثيقة بالفصحى كلغة شعرية، وهذا حال كل شعراء العامية العظام. والأمر هنا شبيه عندي بموقف الفنان التشكيلي عندما يخرج على قواعد وقوانين الفن الكلاسيكي، وحينما يخرج الفنان ما بعد الحداثي على فن الحداثة؛ فالمسألة هنا ليست بمثابة فن يلغي فناً آخر، وإنما فن يستوعب ما سبقه في باطنه ويلتمس أساليب أخرى في التعبير قد لا يطولها الفن الذي يسبقه أو الذي يوازيه. ولهذا السبب ذاته يمكننا القول إن بيكاسو لم يخرج على قواعد الفن الكلاسيكي إلا بعد أن أتقنه ومارسه بالفعل. وعلى هذا النحو ذاته ينبغي أن ننظر إلى شعراء العامية العظام الذين ينتمي إليهم سيد حجاب.

من الفصحى إلى العامية
على الرغم من أن سيد حجاب درس تراث الشعر العربي ودرس علم العَروض، على نحو مكَّنه من أن يبدأ تجاربه الشعرية الأولى بقصائد من شعر الفصحى، فإنه رأى أن تجربته الأولى في شعر الفصحى لم تجد صدى في نفوس من كان يريد أن يصل إليهم من الناس البسطاء الذين عاش طفولته وشبابه بينهم. ومع أنه قد رأى أن شعر العامية هو طريقه للوصول إلى الطبقات الشعبية التي يسعى إليها، فإنه قد ابتدع آلية خاصة لتلقي هذا الشعر، بحيث يصل إلى القطاع العريض من الشعب الذي غمرته الأمية. وتمثلت تلك الآلية في الاعتماد على الشعر الشفهي الذي يخاطب الأذن والعين، والذي يمكن توصيله بالتالي من خلال الوسائط السمعية- البصرية، ومن ذلك- على سبيل المثال- الدواوين الشعرية الإذاعية.
أما الدواوين المنشورة، فيمكن أن نرصد تتابعها على النحو التالي:
1.«صياد وجنية» 1966 عن دار ابن عروس.
2.الجزء الأول من الأعمال الكاملة الذي يحوي ثلاث مجموعات شعرية سنة 1986 عن دار الفكر الجديد.
3.«مختارات من شعر سيد حجاب» عن مكتبة الأسرة، الهيئة العامة للكتاب سنة 2005.
4.«أوبرا ميرامار» عن مكتبة الإسكندرية سنة 2005.
5.«من ديوان الأغاني»، كتاب الثقافة الجديدة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة سنة 2006.
6.ديوان «قبل الطوفان الجاي» عن دار ميريت سنة 2009 (وهو الديوان الذي ينطوي على قصائد ملحمية تنبأت بالثورة المصرية).
7.«قصائد مختارة»، صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة سنة 2010.
غير أن إسهامه الشعري- في إطار هذا التوجه- لا يقف عند هذه الحدود، بل يتسع إلى كثير من القوالب الفنية، ومنها الأغاني التي كتبها لتترات أعمال تليفزيونية وسينمائية على نطاق واسع، بحيث زاد عددها على المئة، ومنها أغنيات لتترات مسلسلات ظلت محفورة في وعي الجماهير، ومرتبطة ارتباطاً لصيقاً بموضوع العمل: ويكفي أن نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر: أغاني مسلسلات «الأيام»، و«أرابيسك» و«الشهد والدموع» و«ليالي الحلمية». كما كتب أغاني للعديد من المسرحيات والأوبريتات، بل لكثير من المطربين من أمثال: علي الحجار وعفاف راضي ومحمد الحلو وغيرهم. لقد بقيت هذه الأغاني محفورة في الوجدان، بل ظلت أغانيه في بعض «تترات» الدراما التليفزيونية شاهدة على أن قيمة الأغنية في الدراما قد تضارع قيمة الدراما ذاتها، أو على الأقل يكون لها دور البطولة الذي لا يقل عن دور أبطال الدراما، وتصبح جزءاً من نسيجها. أذكر هنا كيف كان يتردد التتر الغنائي لمسلسل ليالي الحلمية في شهر رمضان في وقت معلوم يحرص المصريون عليه، حتى أن هذا التتر كانت تتردد أصداؤه في سائر ربوع مصر في الوقت ذاته.

تنظير
وفضلاً عن ذلك، فلسيد حجاب إسهام في التأليف النظري من خلال بعض الكتابات بالعربية والأجنبية، وخاصة الفرنسية التي أتقنها خلال إقامته الطويلة بفرنسا، ومن هذه الكتابات:
1.مجموعة من المقالات والدراسات بمجلات الشعر المصرية، الآداب البيروتية، المساء، صباح الخير، وروزاليوسف.
2.«A New Egyptian» سنة 1971 عن دار «Braeger» في نيويورك.
3. كتاب «Auto portrait de l›Egypt» عن دار l›Herne باسم مستعار هو مازن أبو غزالة بالاشتراك مع Anne Henault سنة 1971.
وقد كان لكل هذا الإنجاز الواسع الغزير تأثير واضح في جيل تالٍ من تلاميذه الذين يسعون لأن يكونوا امتداداً له، مثلما كان امتداداً لسابقيه.
أود أن أختم مقالي هذا بشيء عن أخلاق هذا المبدع النبيل، فحينما هاتفته قبل شهرين أو ثلاثة من وفاته لأطمئن إلى صحته، قال لي: «يبدو أن الأوان قد فات». كان يشعر أنه يموت في صمت نبيل.. لم أقو على أن أكلمه مرة أخرى. وفي ملتقى الشعر الدولي الأخير الذي انعقد في أبريل من هذا العام، كان هو أحد المرشحين بقوة لنيل جائزة هذا الملتقى كما جرت تلك العادة المرذولة في منح الجوائز للمرضى أو الموتى، ولكن الجائزة ذهبت إلى الصديق الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، فكان سيد حجاب أول المتصلين به ليهنئه، وليقول له إنه كان سيحزن كثيراً لو أن الجائزة قد ذهبت إليه هو نفسه؛ لأنه كان سيشعر أنها في غير موضعها، بل تمثل عندئذ إهانة له. نعم كان هذا الشاعر الكبير يعرف ما يليق به. ولعلنا نتعلم من هذا أن نحتفي دائماً بالمبدعين في حياتهم ونمنحهم أسمى الجوائز التي يستحقونها عن جدارة، حتى لو كانوا في ريعان شبابهم.

فرادة
إن شعراء العامية كُثُر، ولكن سيد حجاب متفرد بين هذه الكثرة، ليس فقط من خلال التقنيات التي يبتدعها، وإنما أيضاً من خلال تلك القرابة الوثيقة التي نجدها في شعره بين الفصحى والعامية، بحيث تبدو العامية لغة بليغة تعبر عن ظلال ومعانٍ للكلمات المعيشة التي لا تستطيع الفصحى توصيلها بشكل مباشر (وإنما يمكن فقط أن تترجمها). ولكن هذا لا يكون ممكناً إلا من خلال معرفة وثيقة بالفصحى كلغة شعرية، وهذا حال كل شعراء العامية العظام.