الملحق الثقافي

نحو استراتيجية للثقافة الوطنية..

تعددت الرؤى والأفكار والتصورات حول وضع إستراتيجية واضحة ومواكبة وذات عمق وقيمة وصدٍ للثقافة الوطنية خلال المرحلة الراهنة المنشغلة بمفاجآتها وتحولاتها، وخلال المرحلة المقبلة المشمولة هي الأخرى بتحدياتها وبحثها عن حيز تفاعلي ووضع متميز ومؤثر للثقافة والمثقفين في المكان. هذا المطلب الملحّ والمستشعر لحساسية المرحلة ولدور الكلمة والفكر في تجاوز هذه المرحلة نحو ما هو أزهى وأشهى وأبهى، كان حاضراً ومتوهجاً في نقاشات ومداخلات عدد كبير من الفعاليات الثقافية والكتاب والإعلاميين المحليين والمقيمين الذين أثروا فضاء المؤتمر الأول لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات للوصول إلى صيغة متوافقة بين الجميع حول إستراتيجية الثقافة الوطنية المأمولة والمرتجاة بعلاقتها التبادلية مع كافة القطاعات الرسمية والخاصة وكافة الشرائح الاجتماعية المنتمية والمكملة للهوية الوطنية ولطموحاتها المستقبلية الكبيرة والملونة والمتنوعة المطالب والغايات والمقاصد.


المؤتمر الذي نظمه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، انطلق في السادس والعشرين من شهر ديسمبر الماضي بجامعة الشارقة على مدار يومين، حمل في دورته الأولى اسم (دورة الشيخ زايد)، وافتتحه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، كي يؤكد بحضوره وبكلمته المؤثرة التي ألقاها على أهمية وقيمة هذا الحدث الثقافي والذي جاء توقيته متوائماً ومتمازجاً مع احتفالات الدولة بعيدها الوطني الحادي والأربعين.

سلطة الخبير
حاكم الشارقة والأب الروحي للمثقفين والمبدعين في الإمارات والرئيس الفخري لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات أشار خلال كلمته الافتتاحية إلى أن الكاتب المثقف هو إنسان له جذور في المجتمع، وشاهد على عصره ومرشد له، وقال: “إن مجتمعاتنا الناهضة الواقعة تحت ضغوط المتغيرات الاقتصادية والأيديولوجية تحتاج لنموذج الكاتب الملتزم صاحب الإمكانيات التي تؤهله لخوض غمار البحث والتحليل وإبداء الرأي”، وأوضح سموه أن “الكاتب الملتزم” عُرف قبل أن يوجد هذا التعبير، وهو يعلم أنه لا توجد حقيقة نهائية، ولكنها تتشكل بالاحتكاك والخبرة والمراس، مضيفا أن فقدان مركز المثقف جاء نتيجة لطغيان وسائل الاتصال الحديثة في الحياة الاجتماعية، وتنامي ظاهرة “سلطة الخبير” الذي اعتبره سموه: “المضاد للمثقف” لأنه يقيم سلطته على كفاءته في تخصص معين لا تتجاوز تطبيقاتها حدود ذلك التخصص، ولكن هذا الوضع لن يستمر طويلا لأن المثقف، وكما قال سموه: “يعرف نفسه بتعدد فروع المعرفة، ويخرج من حقل مادته ليبدي رأيه في الحياة العامة”.
بدوره أكد معالي عبدالرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع على أن الثقافة في إطار الالتزام بالهوية والقيم الوطنية والإنسانية في الإمارات تلقى دعما غير محدود من القيادات العليا في الدولة.
وأعلن حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ورئيس الأمانة العامة للمؤتمر عن اختيار الإمارات لاستضافة المؤتمر العام السادس والعشرين لاتحاد الكتاب والأدباء العرب في العام 2015. كما أعلن الصايغ عن منح اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عدداً من العضويات الشرفية لكوكبة من كبار الأدباء والمثقفين والمسؤولين المنضمين وغير المنضمين لاتحاد الكتاب، وعن استحداث فكرة العضوية الواعدة لمجموعة من طلبة المدارس والجامعات المتميزين في حقول الكتابة والتأليف والإبداع الأدبي.

شراكة مأمولة
وتضمن المؤتمر الأول لكتاب وأدباء الإمارات عقد خمس جلسات نقاشية حملت العناوين والمحاور التالية: “الثقافة الوطنية والدور المأمول من مؤسسات القطاعين العام والخاص”، و“مؤسسات الثقافة وجمعيات المجتمع المدني ودورهما في الثقافة الوطنية” و”الثقافة الوطنية والدور المأمول من المؤسسات الإعلامية”، و”الثقافة الوطنية، توصيفات أولية”، وأخيراً: “استراتيجية التنمية الثقافية”.
ففي الجلسة الأولى المتعلقة بمناقشة الدور المأمول من مؤسسات القطاعين العام والخاص في تعزيز الثقافة الوطنية، دعا بلال البدور الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع إلى ضرورة الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتعزيز دور الثقافة في المجتمع من خلال سن التشريعات والقوانين التي تحدد أطر ومعايير هذه الشراكة، وضرب مثلا بالتجربة الكويتية عندما تم إنشاء مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وفرض لها 5 بالمئة من أرباح الشركات الخاصة، حتى تجمّع لديها فائض تطلب خفض النسبة إلى 2,5 بالمئة لكثرة ما تجمع لدى المؤسسة من أموال، وقال إن هذا التعاضد والتعاون بين القطاعين العام والخاص ساهم في تطوير الحراك البحث العلمي في الكويت، وأشار البدور إلى أن ثمار التعاون المشترك بين القطاعين في الإمارات يمكن أن تقوي البنية التحتية للثقافة المحلية، وأن تساهم في وجود شبكة أوسع من المراكز الثقافية في القرى والمناطق البعيدة عن المدن الرئيسية، مؤكدا على أن الدعم الحكومي وحده لا يمكن أن يحقق كافة الطموحات والأحلام المتعلقة بتطوير ونشر الوعي الثقافي والفني والتراثي في المكان.
وحول موضوع تفريغ المبدعين وأثر ذلك في خلق مساحات وفرص جديدة أمامهم أشار البدور إلى أن التفريغ مقتصر حاليا على المهمات الثقافية الخارجية، وأضاف: “أما التفريغ الكامل فهو يحتوي على بعض الشروط والضوابط وسيتم عرض التصور النهائي لموضوع تفريغ المبدعين على مجلس الوزراء خلال الفترة القريبة القادمة”.
أما راشد الجروان من (شركة دانا غاز) وأحد ممثلي القطاع الخاص في المؤتمر فتحدث عن ضرورة وجود شراكة متبادلة بين المؤسسة الثقافية وبين مؤسسات القطاع الخاص، وقال إنه من خلال عمله الطويل في قطاع البترول وجد أن القطاع الخاص في بلدان متقدمة مثل بريطانيا وفرنسا واليابان استطاعت أن تساهم بقوة في دعم النشاط الثقافي وبدورها فإن حكومات تلك البلدان كانت تمنح القطاع الخاص المبادر في دعم النشاط الثقافي الكثير من التسهيلات المالية والإدارية.
واستشهد الجروان برجال أعمال معروفين أمثال جمعة الماجد والراحل سلطان العويس وغيرهما ممن ساهموا بأموالهم وجهودهم في تطوير الفعل الثقافي وإشاعة حب المعرفة بين الأجيال الجديدة، وأضاف بأن هذه الإسهامات الكبيرة متصلة بمبادرات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ــ طيب الله ثراه ــ والشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة ، حفظه الله، وكذلك حاكم الشارقة وإخوانهم حكام الإمارات الذين أولوا الجانب الثقافي اهتماماً رسمياً كبيراً نظراً للأهمية الحضارية والإنسانية لهذا الجانب الحيوي في حياة الشعوب.
بدوره أكد سلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بدبي على ضرورة أن يكون هناك تشريع واضح للعلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص من أجل رفد ونشر العمل الثقافي في سبيل الوصول لصيغة متكاملة واستراتيجية دائمة للثقافة الوطنية، وضرب السويدي مثالا برجل الأعمال الراحل احمد بن دلموك الذي ساهم في ظهور واحدة من أقدم المدارس في الإمارات وهي المدرسة الأحمدية التي احتفلت الأوساط التعليمية مؤخرا بمرور مئة عام على إنشائها وقال إن الحراك الثقافي والتعليمي لا يمكن أن يتسارع ويزدهر من دون الشراكة المثمرة والمتواصلة بين رجال المال ورجال الفكر.

دعم المواهب
وفي الجلسة النقاشية الثانية التي تناولت دور المؤسسات الثقافية وجمعيات المجتمع المدني في الثقافة الوطنية”، تحدثت فاطمة الجلاف، من هيئة دبي للثقافة والفنون عن مهرجان مسرح الشاب التي تقيمه الهيئة سنويا وعن دور المهرجانات الثقافية والفنية في خلق حالة من التنافس المطلوب لفرز الطاقات والمواهب الشابة ورعايتها ودعمها. أما شيخة المطيري، من مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، فأشارت إلى النشاط المتميز الذي يقوم به المركز من خلال دعمه لمكتبات المدارس وترميم المخطوطات. كما تحدث إبراهيم الخادم، من مؤسسة محمد بن راشد، عن أهداف المؤسسة في بناء الإنسان والثقافة من خلال تنمية القارئ والناشر والكاتب والكتاب.
وتحدث جمال الشحي، من جمعية الناشرين الإماراتيين، مشيراً إلى أن 65? من الكتب الصادرة والمتداولة في الدولة أجنبية، بينما تحتل الكتب العربية نسبة 35 ? فقط.
ثم تحدث حنفي جايل، من مركز سلطان بن زايد، معتبراً أن عمل المركز يعتبر مكملاً للمؤسسات الثقافية الأخرى، وليس منافساً لها. وتحدث ناصر عبدالله عن جمعية الفنون التشكيلية وتأثيرها في تنشيط ودعم الفنون التشكيلية في الدولة.

نتائج وتوصيات
وأصدرت الأمانة العامة للمؤتمر في يومه الختامي عدة توصيات كان من أبرزها: ضم الكلمة التوجيهية التي ألقاها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في افتتاح المؤتمر إلى وثائقه الرسمية، لتكون جزءاً لا يتجزأ منها، مع ما يترتب على ذلك من ضرورة الأخذ بجميع ما ورد فيها بعين الاعتبار في صياغة الإستراتيجية.
ونوهت التوصيات إلى ضرورة تأسيس مجلس ثقافي على مستوى الإمارات ليكون المؤسسة الجامعة لجميع الأطراف الفاعلة في الحركة الثقافية في الدولة، ودعت إلى الإسهام في وضع التصورات المطلوبة لإنضاج هذا المشروع، وتنظيم شراكات استراتيجية بين اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات والمؤسسات الحكومية والأهلية ومؤسسات القطاع الخاص تركز على دعم المبدع الإماراتي من خلال مشاريع ملموسة تخدم استراتيجية إنضاج الثقافة الوطنية وهذه الشراكات الإستراتيجية ستسهم ــ حسب التوصيات ــ في عملية اندماج اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالمجتمع.
كما قرر المؤتمر طباعة مسودة الإستراتيجية وتوزيعها على نطاق واسع عبر وسائل النشر التقليدية والإلكترونية لتكون في متناول الجميع مع إتاحة الفرصة للتعليق عليها وإضافة المقترحات حولها على أن يتم ذلك خلال الأشهر الثلاثة المقبلة حتى نهاية مارس المقبل وتفريغ الجلسات ورقيا وضمها إلى وثائق المؤتمر وإلحاقها بمسودة الإستراتيجية لتكون جزءا مكملا لها.
كما قرر المؤتمر العام لكتاب وأدباء الإمارات العمل على وضع خطة عمل للبحث في آليات التواصل والتنفيذ كورش العمل والاستبيانات واللقاءات المباشرة.