عربي ودولي

ليبيا.. من شرعية الثورة إلى سيادة الدولة (3-3)

أزمة السبع العجاف.. والتجاوز الممكن

ومن واقع صراعات ونزاعات الأزمة الليبية، طيلة السنوات السبع الماضية، بعد سقوط نظام القذافي، ظلت بعض مراحل مخاض الثورات المريرة، التي بسطنا القول في بعضها في سياق الحديث عن نظريات «لاهوت الثورة»، تستدعي نفسها في العيان وفي الأذهان، وخاصة منذ ارتماء ليبيا في أتون نزاع مليشيات، وصراع شرعيات، وفيضان بعض مخرجات قمقم فائض العنف في الداخل على بعض دول الجوار في الخارج. وقد تكيف الداخل الليبي حتى الآن، ولو مؤقتاً، مع أحوال الاضطراب والاحتراب العارمة، وخاصة أن الموجودات المالية السيادية خففت من أعباء الأزمة على مصادر معيشة الشرائح الشعبية التي عانت مع ذلك من أحوال غياب الأمن وانعدام السيولة النقدية وتردي الخدمات العامة، ولذا فقد أدت محدودية الضغط الشعبي على القوى السياسية، وانخراط شرائح سكانية واسعة، تحت يافطات القبائل أو الفصائل، كفاعلين منخرطين، بالأصالة أو بالوكالة، في الصراع العنيف، إلى استمراره واستعاره بل مفاقمته وتأجيجه.

وأما في الخارج فقد اكتفت دول جوار ليبيا (مصر وتونس والجزائر والنيجر وتشاد والسودان) مع دول أخرى إقليمية مؤثرة بالتكيف هي أيضاً مع التحدي الليبي، من خلال عملية إدارة للأزمة بالسعي لكف ضرر أي شرر أو خطر قد يمتد إليها، مع محاولات محدودة الأثر لإيجاد تسويات بين الفرقاء الليبيين أنفسهم. ولكن جهود دول الجوار في كف الضرر عنها أثبت الزمن عدم جدواها ما لم يتم إطفاء الحريق الليبي نفسه، حيث ظلت أعمال تهريب السلاح مستمرة وفائض الفوضى والعنف يتواتر الحديث عن سريان عدواه من الداخل الليبي إلى الخارج في مصر وتونس والنيجر ومالي والجزائر، في الأساس. وهو ما زاد وعي دول الجوار بضرورة الانخراط في ماراثون البحث عن حل للأزمة الليبية، وقد بذلت في هذا جهداً ملموسا، في إطار مبادرات ووساطات أحادية أو جماعية، ولكن كل ذلك الجهد الإقليمي لم يدرك أهدافه مع وجود قوى خارجية أخرى غير دول الجوار منخرطة في الصراع، وداعمة لبعض المليشيات المتطرفة، ومن هذه الدول قطر وتركيا، اللتين رفضتا الاعتراف بخسارة حلفائهما في انتخابات مجلس النواب ودعمتا أطرافاً فاقمت أحوال عدم الاستقرار بشكل عام. وقد عملت قطر بصفة خاصة منذ اندلاع ثورة فبراير على استفراغ مؤسسات الدولة الليبية من أية قوة مقاومة مؤثرة من شأنها الحد من تدخلاتها في الشأن الليبي، وفي شؤون دول الجوار الأخرى الموجودة على قائمة بنك استهداف تحالف قطر و«الإخوان» و«المقاتلة».

وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط سرعان ما اكتشفت أوروبا، وهي من دعمت عبر «الناتو» ثورة فبراير وأسقطت نظام القذافي، الذي كانت تضمر له كثيراً من الضغينة، عمق الفخ الذي وقعت فيه، بتدفق أعداد غير مسبوقة من المهاجرين السريين الأفارقة على جنوب القارة، وخاصة بعد تغول وتغلغل شبكات التهريب التي استغلت انفلات الأوضاع والفوضى العارمة في ليبيا، وغياب قبضة الدولة والسلطة وجهات إنفاذ القانون. بل إن بعض المليشيات اكتشفت هي أيضاً العائد المادي الممكن من وراء أنشطة تهريب المهاجرين، أو المساومة بها لابتزاز الأوروبيين. وقد بلغ طوفان المهاجرين، الواصلين أو الغرقي في عرض المتوسط، أرقاماً لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً وخاصة في سنتي 2014 و2015. وفي مواجهة هذا التحدي الجارف، الذي أدى لتفاقم دور وحضور الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في القارة العجوز، كان رهان الدول الأوروبية منذ بداية الأزمة الليبية الراهنة مركزاً على إيجاد نظام قوي فقط، من أي طيف سياسي، قادر على لعب دور المصد والحجاب الجاجز بين أوروبا وطوفان المهاجرين. وهنا دعم الأوروبيون بداية بعض المليشيات المسيطرة، كسلطة أمر واقع، ثم استقر رأيهم أخيراً على دعم المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، برئاسة فايز السراج، وفرعها الاستشاري التنفيذي المسمى مجلس الدولة برئاسة الزعيم القبلي التقليدي في مصراتة عبد الرحمن السويحلي.

الهجرة وأسواق الاسترقاق!

ولكن التقدم المطلوب أوروبياً في الحد من تدفق الهجرة السرية عبر الأراضي الليبية، تبين بسرعة وجود علاقة طردية بينه وبين تراجع حقوق الإنسان في ليبيا نفسها لتتكشّف أزمة الهجرة في النهاية عن أزمة أخلاقية، مع الكشف عما يكابده المهاجرون السريون الأفارقة، الذين يقدر عددهم الآن في ليبيا بما لا يقل عن 700 ألف، من تعديات جسيمة على حقوقهم الإنسانية الأساسية، وخاصة بعدما كشفت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن وجود أسواق نخاسة يباع فيها المهاجرون الأفارقة. ما أثار زوبعة إعلامية وحقوقية، على ضفتي المتوسط، في أوروبا وإفريقيا معاً.

والحال أن بعض التعديات على حقوق السود بدأت منذ بداية ثورة فبراير نفسها ضمن زخم الحملة الإعلامية ضد القذافي، حيث ركزت قناة «الجزيرة» على وصف كثير من كتائب الشعب المسلح -الاسم الرسمي للجيش الليبي في عهد القذافي- بأنها كتائب من «المرتزقة» الأفارقة، مع أن معظمها من الليبيين ذوي البشرة السمراء كقبائل الفزازنة والتبو والطوارق، والعائدين من المهجر في دول الجوار منذ عهد الاستعمار الإيطالي، المتركزين أساساً في إقليم فزان في الجنوب، كما توجد أيضاً مجموعات قليلة من ذوي البشرة السمراء في كل مناطق ليبيا الأخرى دون استثناء. وكان للسمر دور وحضور معقول في الفضاء العام في زمن القذافي، وحتى قبل نزعته الإفريقية وتنصيبه «ملك ملوك إفريقيا» من طرف بعض السلاطين التقليديين لبعض القبائل الإفريقية في حفلة -هل أقول تنكُّرية؟- لم تخلُ من مراسم كرنفالية مسلّية، فقد جاء أيضاً في الجزء الثالث (الفصل الاجتماعي) من الكتاب الأخضر أن «السُّود سيسُودون» العالم! والمهم أن خطاب القذافي المجامل، أو على الأقل غير المتحامل، كان كافياً في الغالب لاستمالة الشريحة السمراء من الليبيين. ولذلك كان لهم وجود قوي في جيشه، ولهم كتائب من قوات النخبة، ووزير الدفاع طيلة عهده كان أسمر، وهو الفريق أبوبكر يونس جابر، وقد قتل مع القذافي يوم مقتله. ومن أشهر الكتائب السمراء المؤثرة التي قاتلت مع القذافي «كتيبة المغاوير» بقيادة اللواء الطوارقي «علي كنه»، وهي بالكامل تقريباً من المجندين الطوارق في الجنوب، ومعظم مقاتليها سمر البشرة. ولكن الدعاية المحمومة في قناة «الجزيرة» -وقناة «ليبيا الأحرار» التي انطلقت من الدوحة تزامناً مع ثورة فبراير- صورت معظم المقاتلين الليبيين السمر على أنهم «مرتزقة» أفارقة وأجانب، ومن حق «الثوار» وكل الليبيين التصدي لهم والتنكيل بهم بأقصى وأقسى الوسائل ودون وازع أو رادع أخلاقي أو قانوني. كما قاتلت مع القذافي أيضاً كتائب من مدينة تاورغاء، وجميع سكان تلك البلدة -الواقعة على مسافة 40 كلم شرق مصراتة، وهي البلدة الوحيدة ذات السكان السود على شواطئ البحر المتوسط- ولذلك تعرض أهالي تلك البلدة لتنكيل واسع النطاق من قبل كتائب مصراتة، وتم تهجير جميع سكان البلدة، البالغ عددهم حوالي 60 ألف نسمة، وما زالت حتى الآن خاوية على عروشها وخالية تماماً من أي سكان، فيما أهلها يعانون الأمرّين في مخيمات النازحين في مختلف المدن الليبية. وقد اتخذت أيضاً أعمال التنكيل بالتاورغيين طابعاً عنصرياً صريحاً، في بعض الأحيان. والقصد أن ما قيل إن المهاجرين السريين قد تعرضوا له من استرقاق واستعباد وأسواق نخاسة، أوجدت الدعاية الإعلامية المحمومة خلال الثورة، والضغوط الأوروبية أيضاً على سلطات الأمر الواقع بعدها، الظروف التي أدت إليه، وإلى غيره من تعديات أخرى على حقوق الإنسان. ولن يفوتنا هنا الإشارة أيضاً إلى أن بعض المراقبين الليبيين يرون أن زوبعة الاسترقاق هذه قد تكون وراءها نوايا أوروبية بمحاولة توطين بعض المهاجرين الأفارقة في ليبيا، وخلق معازل وبانتوستانات لهم في الأراضي الليبية، لتثبيتهم فيها، كبديل عن السباحة في سراب أهوال الهجرة إلى «الفردوس الأوووبي»! وبهذه الطريقة يمكن أن تحل أوروبا مشكلتها مع الهجرة على حساب الليبيين، وهو ما يجعل الدولة الليبية هذه المرة أمام خطر وجودي استيطاني غير مسبوق، قد يمسُّ في العمق بنيتها السكانية الديموغرافية والثقافية. وكل هذا يعيد من جديد تأكيد إلحاح ضرورة الإسراع بإنجاز مهمة العبور من الثورة إلى الدولة، والمرور من دوامة وإدارة الأزمة، إلى طريق البحث عن حل جذري، غير تقليدي، لهذه الأزمة، بشكل حازم حاسم. لأن المسألة الآن بالنسبة لليبيا أصبحت مسألة وجود، فـ«إما أن تكون أو لا تكون» كما قال «هاملت» في مسرحية شكسبير. ولذا فقد توصل، أخيراً، جميع الفاعلين في الأزمة الليبية، في الداخل والخارج، إلى قناعة بأنه لابد الآن من إيجاد سلطة ليبية مركزية قوية قادرة على احتكار القوة، وممارسة وظائفها السيادية، دون منازع، لتكون طرفاً مخاطَباً وحيداً من قبل المجتمع الدولي. وهذا ما يفهم الآن من مواقف مختلف الأطراف الداخلية والإقليمية، وتحركات المبعوث الأممي غسان سلامة، ومواقف الأطراف الدولية المعنية أيضاً.

من «الأخ القائد» إلى «فخامة الرئيس»

والآن مع قرب الاستحقاق الانتخابي التشريعي والرئاسي المقبل الذي تكاد كل القوى السياسية الليبية تتفق على ضرورة تنظيمه في شهر مارس 2018، تتجه أنظار الليبيين، وكل من يهمهم شأن الأزمة، في الداخل والخارج، إلى عدد من المرشحين، المعلنين، أو المحتملين، لتصدر المشهد الليبي خلال الفترة المقبلة، وقيادة عملية العبور الصعب هذه من مخاض الثورة المستمرة -بتعبير تروتسكي- إلى استعادة الدولة المستقرة، الطبيعية، القادرة على أداء مهماتها تجاه مواطنيها، وجيرانها، ولعب دور إيجابي في المجتمع الدولي ككل.

ومثلما أثبت غزو العراق سنة 2003 فشل محاولات الفرض الخارجي للديمقراطية، من خلال نموذج ديمقراطية الإيراد والتصدير، الجاهزة المعلبة، ديمقراطية التسليم بالمفتاح من الباب إلى الباب، فقد أثبتت أيضاً الفوضى والعنف وانهيار الدول الوطنية في ثورات ما سمي «الربيع العربي» استعصاء قيام ديمقراطيات دون وجود ثقافة ديمقراطية، ودون توافر الظروف الموضوعية والاجتماعية للاستقرار والتوافق الوطني قبل كل شيء آخر. وهذا هو حال جل، إن لم يكن كل، تلك الدول بصفة عامة، وليبيا بصفة خاصة، وهو ما يجعل الحاجة إلى قيادة سياسية قوية، ورئيس ذي كاريزما وخيال سياسي واسع، ضرورة وطنية ليبية، ويتطلع كثير من الليبيين إلى أن تتكشف عنه الانتخابات المقبلة. ولكن ليس القصد من هذا أيضاً أن «ضرورة القائد» المنتظر للعبور بليبيا من وهدأتها وكبوتها الراهنة تعني بأي وجه استنساخ عقلية «القائد الضرورة» التي كانت هي عنوان الديكتاتورية والتسلطية في العهد السابق. فما يريده الليبيون هو قائد كفء، بمؤهلاته السياسية والشخصية، لأداء عمل عام، في سياق التوافق الوطني والشرعية الانتخابية، وتحت سقف الأهداف الوطنية الجامعة، لا أكثر ولا أقل. ولكن، ترى من سيكون هذا القائد؟ لنستعرض الآن فيما يلي بعض الوجوه المحتملة والمرشحة في سياق التداول السياسي والإعلامي الراهن لقيادة ليبيا الغد، والعبور بها من فوضى ما بعد الثورة إلى ترسيخ سلطة وسيادة الدولة من جديد.

1- الأمير محمد الرضا  والشرعية التاريخية؟

يرى أنصار عودة الملكية في ليبيا أن الأمير محمد بن الحسن الرضا، ولي العهد السنوسي، ينبغي أن يكون هو رجل المرحلة المقبلة للعبور بليبيا من أزمة الثورة والعنف والفوضى إلى أفق الاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار. وقد عبر محمد الرضا مرات عديدة عن استعداده للاستجابة لمطالبات الشعب الليبي بعودة الشرعية والملكية، وأنه مستعد لتحمل المسؤولية إن توافر توافق شعبي على ذلك. ولعل مما يخصم من فرص الأمير الرضا إقامته المستمرة في الخارج، وكون تنصيبه ملكاً يقتضي اجتراح ذلك دستورياً بالعودة بالبلاد بشكل رسمي إلى النظام الملكي وهو ما يستلزم التوافق على الدستور نفسه، وهذا قد لا يكون مرجحاً، في القريب العاجل. وفوق هذا فربما يفتقد الأمير السنوسي أيضاً إلى جانب من زخم سندي العصبية وتجديد الدعوة -الخلدونيين- وقد بسطنا القول في بعض خلفيات ذلك عند الحديث عن الحراك الفيدرالي البرقاوي، بما يغني هنا عن مزيد من الإطناب والاستطراد، وإن كانت غالبية قبائل شرق ليبيا، وأسرة سيف النصر في الجنوب، وكثير من القبائل الليبية الأخرى من الداعمين التاريخيين للأسرة السنوسية.

ولكن يزيد من أوراق قوة ولي العهد السنوسي أيضاً كونه المرشح الوحيد الآن المحتمل الذي يستطيع إنهاء عهد الشرعية الثورية الممتد منذ ثورة القذافي وحتى الآن، والذي أدى إلى تهميش الدولة لحساب الثورة، وتكشّف في النهاية عن كل هذا العنف وهذه الفوضى العارمة والخراب والإرهاب.

ويستند محمد الحسن الرضا أيضاً دون غيره إلى الشرعية التاريخية للأسرة الملكية كبديل لمأزق الشرعية الثورية التي يدعي الجميع وصلاً بها وصلة، عن حق أو غير ذلك. كما أن سيناريو استعادة الملكية الدستورية برمزيتها التاريخية الجامعة سبق تجريبه أيضاً بنجاح في بلد منقسم على نفسه وخارج للتو من ديكتاتورية مديدة وصراعات انفصالية. والإشارة هنا طبعاً إلى التجربة الإسبانية بعد موت الديكتاتور فرانكوفو سنة 1975 حيث مثل الملك خوان كارلوس حلاً وسطاً، واستعيدت الديمقراطية وتمت عملية الصعود الاقتصادي الباهر في ظل الملكية الدستورية. وما زالت الرمزية الملكية أساساً للشرعية السياسية والتاريخية في إسبانيا حتى الآن، وهي جدار الصد الأهم في وجه الدعوات الانفصالية في إقليمي كتالونيا والباسك، وأقاليم أخرى أيضاً. ويمكن للحالة الليبية أن تتبع هذا السناريو الإسباني الناجح كنموذج إرشادي وخريطة طريق للمستقبل، وذلك بالتحول إلى خيار الملكية الدستورية، ممثلة في ولي العهد محمد الحسن الرضا السنوسي، ومشروعه السياسي والوطني البديل.

2- خليفة حفتر وشرعية الإنجازات؟

وقد أعلن المشير خليفة حفتر أيضاً في منتصف شهر ديسمبر 2017 عن انقضاء وانتهاء اتفاق الصخيرات، لاستنفاد مواعيده المعلومة، وإخفاقه في تحقيق أهدافه المرسومة. وهو إعلان لقي اعتراضاً من بعض أطراف انفاق الصخيرات الأخرى، فضلاً عن بعض الأطراف الدولية الخارجية. كما أعلن حفتر أيضاً استعداده للاستجابة لمطالب الشعب الليبي وهو ما يعني، عملياً، الاستعداد للترشح للاستحقاق الرئاسي المقبل. وقد يعقد موقف حفتر في أي سياق مقبل على الزعامة بعض جراح الذاكرة الليبية، كونه أحد الضباط الأحرار الذين نفذوا ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 مع القذافي.كما يرتبط أيضاً في أذهان بعض الليبيين بذكريات حرب تشاد المريرة في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان قائداً للوحدات الليبية المقاتلة في شمال تشاد، وقد قتل وأسر في تلك الحرب كثير من الليبيين. كما وقع حفتر نفسه في الأسر في معركة «وادي الدوم» في 22 مارس 1987 بشمال تشاد، ومن هناك انشق وصار يقود المعارضة المسلحة ضد القذافي بتنسيق مع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ودعم من نظام صدام حسين وحلفاء آخرين، إلى سقوط نظام حسين هبري في تشاد مطلع سنة 1991، حيث جاء للسلطة إدريس ديبي حليف القذافي، ما اضطر حفتر وقوات المعارضة للانسحاب والذهاب في المنافي، حيث استقر حفتر في أميركا لمدة عشرين سنة، ليعود مع تفجر ثورة فبراير 2011 ضمن القيادة العسكرية للثورة.

ولكن تدعم موقف حفتر أيضاً، داخلياً وإقليمياً، أوراق أخرى كثيرة منها تاريخه العسكري المهني المشرّف حيث كان قائد قوة الدعم القتالية الليبية في حرب أكتوبر 1973 على جبهة قناة السويس، ونال من الحكومة المصرية نجمة العبور على أدائه القتالي الجسور. كما يقول أنصاره أيضاً إنه قد أدار بمهنية الجوانب القتالية العملياتية من حرب تشاد، دون أن يتحمل -كعسكري ينفذ الأوامر- المسؤولية عن الخيارات الاستراتيجية والسياسية الخاطئة لنظام القذافي. وفي تشاد عرف أيضاً كيف يتحول من الحصان الخاسر إلى الحصان الرايح، حين انحاز للمعارضة ووقف ضد نظام القذافي.

ويستند ملف ترسيح حفتر أيضاً إلى الشرعية الثورية حيث إنه من قادة ثورة فبراير، وقاد جيشها لفترة وجيزة، هذا فضلاً عن شرعية الإنجازات الآن بعد تطهيره لبنغازي من الجماعات المتطرفة المسلحة، وإعادة بناء الجيش الوطني وتوسيع مناطق سيطرته في أماكن عديدة من جغرافية الخريطة الليبية في الأقاليم الثلاثة. كما يخدم حفتر أيضاً كونه ينتمي إلى قبيلة الفرجان العربية الكبيرة، وأنه من برقة بشرق ليبيا، وأصوله من غرب ليبيا. مما يجعله رجل إجماع محتملاً للجانبين، وقائداً مستنداً على عصبية قوية بالمفهوم الخلدوني. كما أن علاقاته الواسعة الراسخة في المؤسسة العسكرية المهنية تجعله هو البديل الوحيد تقريباً المؤهل لاستقطاب ولاء هذه المؤسسة، وإعادة بنائها وبناء الدولة على أنقاض ركام وحطام المليشيات والمجموعات القبلية المسلحة والجماعات المتطرفة الإرهابية. وفوق هذا فحفتر، المصنف -ضمناً- غير بعيد من التيار القومي العربي، لن يحمل أيضاً معه للزعامة أعباء أي تصنيف متطرف أو توصيف إيديولوجي محل تحفظ داخلي أو خارجي. ولذا يرى أنصاره أنه هو المرشح الوحيد القوي الجاهز الآن لتولي منصب الزعامة قريباً في ليبيا، وهو حصراً بالمؤهلات والاستعدادات، من يمكن أن يملأ كرسي فخامة رئيس الجمهورية المقبل.

3- فايز السراج والشرعية التوافقية؟

وفي مقدمة المرشحين المحتملين أيضاً المهندس فايز مصطفى السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، وقد حقق خلال السنتين الماضيتين مكاسب سياسية ملموسة، من خلال تمكنه من حشد قوى مؤثرة على الأرض، وخاصة في العاصمة طرابلس، واستقطاب أطراف سياسية، ومجموعات مسلحة، قادرة على مواجهة واستهداف واستنزاف تحالف «الإخوان» و«المقاتلة» المتغول في العاصمة والغرب الليبي. ويدفع السراج الآن لتسريع الاستحقاقات الانتخابات المقبلة، وقد قال قبل أيام «ندعو إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة من الشعب في مارس 2018 تستمر ولايتهما ثلاث سنوات أو حتى انتهاء إعداد الدستور والاستفتاء عليه». وأضاف رداً على إعلان حفتر عن انقضاء صلاحية اتفاق الصخيرات أنه يتعين أن: «يستمر العمل بالاتفاق السياسي وحكومة الوفاق الوطني حتى تسمية رئيس الحكومة من قبل رئيس الدولة المنتخب واعتماد حكومته من قبل البرلمان».

ولئن لم يكن السراج، ابن الأسرة الطرابلسية العريقة، يستند إلى عمق قبلي واسع أو عصبية غالبة في عالم القبائل والدواخل، كما لم يكن أيضاً من قادة ثورة فبراير البارزين إعلامياً حينها على الأقل، إلا أن مما يخدم فرصه في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة، إن ترشح لها، أوراق قوة كثيرة، منها استناده إلى الشرعية السياسية التوافقية، وأيضاً ما يمكن تسميته بـ«الشرعية الدولية»، أي الاعتراف الدولي الخارجي بحكومته، ودعم العديد من الأطراف الأوروبية والإقليمية لها. كما تدعمه أيضاً على الأرض قوى قبلية وجهوية ذات نفوذ كبير منذ بداية عهد فبراير في مقدمتها رئيس مجلس الدولة عبدالرحمن السويحلي، كبير أسرة الزعامة التقليدية في مصراتة، والقائد الفعلي لمعظم كتائب ومليشيات تلك المدينة المؤثرة. وترتبط الأسرتان بعلاقات مصاهرة عديدة، ولذلك قيمته الدالة في أعراف التفاعل في معادلات الاجتماع والسياسة في ليبيا. وحتى إن قرر السويحلي ترشيح نفسه، أو ترشيح ابن أخته أحمد معيتيق، وهو من نواب السراج، يستطيع هذا الأخير أيضاً التعويل على كونه تكنوقراط، ورجل توافق، غير مصنف إيديولوجياً، ولا أعباء ذاكرة تثقل كاهله، هذا فضلاً عن رافعته المادية والأسرية الثرية، وكذلك بعض امتداداته الاجتماعية في العاصمة وفي جبل نفوسة أيضاً.

4- سيف الإسلام القذافي وأعباء الذاكرة؟

وقد تردد مؤخراً أن سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، يستعد هو أيضاً للترشح لأي استحقاق انتخابي مقبل. إلا أن فوزه، إن قبل ترشحه أصلاً، يبدو مستبعداً من أول وهلة، لارتباطه في الأذهان بذاكرة النظام السابق الصعبة، ولأنه أيضاً كان دعامة ونوعاً من الزعامة في الظل في سنوات حكم والده الأخيرة، في سياق ما سمي مشروع «ليبيا الغد»، وسيناريو «التوريث». وبالتالي فإن كثيراً من الليبيين يحملونه مسؤولية عن كل ارتباكات وارتكابات ذلك العهد التي أدت إلى الثورة أصلاً. ومن باب أولى وأحرى ألا يكون هو من يُفترض أن يقود عملية العبور الآمن بهذه الثورة، أو التصدي لمهمة «الثورة التصحيحية» أو ببساطة الثورة على الثورة، إن صح التعبير. وفضلاً عن عقبة أعباء الذاكرة، هنالك أيضاً العتبة الإشكالية الأخرى المرتبطة بملفه المفتوح لدى محكمة الجنايات الدولية.

ولكن مما يخدم أيضاً فرص سيف الإسلام في العودة إلى الصورة، وتصدر المشهد، من وجهة نظر مؤيديه على الأقل، أنه قد أثبت خلال سنوات تصديه للشأن العام في آخر عهد والده، كفاءة كبيرة وحنكة في التسيير والتدبير. كما تنبأ أيضاً في بداية تفجر الثورة -في «خطاب الأصابع» الشهير- بكل المآلات الفاجعة التي انتهت إليها الآن وقد أكلت أبناءها، (مع أنها نبوءة ربما كانت محققة لذاتها نظراً لعنف رده على الثورة). وفوق هذا فهنالك أيضاً زخم قبلي كبير ظل داعماً باستمرار للنظام السابق، أو على الأقل معارضاً لعهد فبراير من الأساس، وقد مثل هذا الطيف أغلبية صامتة في معظم القبائل الكبرى والعصبيات المؤثرة التي كانت مؤيدة للقذافي. كما أن سيف المتنمي قبلياً لسرت في وسط ليبيا، والممتدة قبيلته أيضاً في الجنوب في إقليم فزان، يفيده أيضاً كون أخواله من قبيلة البراعصة في برقة، مما يجعل له امتدادات قبلية وأسرية في كل أقاليم ليبيا الثلاثة. ويوجد في الخارج أيضاً أكثر من مليون من المهجّرين المحسوبين على النظام السابق، ومثلهم من المستبعدين في الداخل على خلفية خصومتهم مع عهد فبراير، وإن أتيحت لهؤلاء وأولئك فرصة التصويت يرجح انحياز أغلبيتهم الساحقة لسيف الإسلام. وهنالك قوى سياسية أخرى منظمة في الخارج، ومؤثرة في الداخل، من رموز النظام السابق، من أشهرها أحمد قذاف الدم ابن عم سيف الإسلام، ويرجح أن تصطف إلى جانبه في النهاية.

ومع هذا تبقى حظوظ سيف قليلة، وفرص نجاح «التوريث» بأثر رجعي، بعد سقوط النظام السابق ضئيلة، إن لم تكن أصلاً مستحيلة. وقد قيل إن سيف الإسلام نفسه عبّر، في السجن، عن ذلك في حديث مع صحفي إيطالي، سأله إن كان يفكر في إمكانية استعادة السلطة من جديد، فرد عليه بسكب ما في قنينة مشروبات غازية على الأرض، وقال له: هل يمكن أن يعود هذا المشروب مرة أخرى إلى القنينة؟ طبعاً لا. ومثل استحالة عودة المشروب من الأرض إلى القنينة تستعصي أيضاً عودة السلطة والغنيمة بعد كل ما جرى، وكل هذه المياه التي جرت تحت الجسر خلال السنوات السبع الماضية.

الزعيم المنتظر.. والمهمات العاجلة

وبغض النظر عمن سيتولى منصب الزعامة في ليبيا بعد استحقاق شهر مارس المقبل، إن لم يرحّل أو يؤجل هذا الاستحقاق نفسه، فإن ثمة أسئلة مسير ومصير ضاغطة وملفات لا أول لها ولا آخر ومهمات عاجلة لا تحتمل التأجيل ستكون في انتظاره. فهذا الرئيس المنتظر سيجد أمامه حزمة أولويات لابد من اجتراحها للخروج بالأزمة من نفق الانفجار إلى أفق الانفراج، وبالتالي العبور بالبلاد من فوضى الثورة إلى سيادة الدولة، ووضع حد على نحو حازم وحاسم لكل ما له علاقة بدعاوى الشرعية الثورية، فلا شرعية فوق شرعية القانون والدستور وما يجري الاتفاق عليه تحت سقف التوافق الوطني، في النهاية. وباختصار شديد، فلعل من ألحّ مهمات وأولويات الزعيم الليبي المقبل ما يلي:

1- إعادة فرض سلطة الدولة على كافة التراب الليبي، واحتكار واقتصار كل مصادر القوة الخشنة عليها ممثلة في الجيش الوطني وجهات إنفاذ القانون. وتسريح كافة أنواع المليشيات المسلحة، وجمع السلاح من أيدي المدنيين بكافة أنواعهم. والانخراط في جهد تنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية لتعزيز السيطرة المركزية للدولة بشكل كامل على الحدود والمنافذ، وضرب منظمات الإرهاب والجريمة وتهريب الهجرة السرية، وإقناع الليبيين والعالم بأن الدولة قادرة على أداء مهماتها بكفاءة وفاعلية عالية.

2- التصدي لكافة التدخلات الخارجية، والضرب على أيدي القوى التي تخوض صراعات وكالة نيابة عن أطراف أجنبية، كجماعات الإسلام السياسي من «إخوان» و«مقاتلة» وغيرها. وملء أي فراغ سياسي أو أمني كانت التدخلات وحروب الوكالة تنفذ منه. وهذه وظيفة أساسية من وظائف أية دولة ذات سيادة، لأن السياسة كالطبيعة تكره الفراغ، فحيثما وجد فراغ تتسرب التدخلات الخارجية. وبعض من كانوا يعتبرون أنفسهم شركاء في دعم ثورة فبراير، كقطر وتركيا مثلاً، ليسوا بأي حال شركاء في السياسة ولا في السيادة الليبية. ولذا فلابد من التصدي لهم كفاً لضرر وخطر دعم الجماعات المتطرفة.

3- إعادة تأكيد الوحدة الوطنية الليبية، وطي صفحة «الشرعية الثورية»، مرة احدة وإلى الأبد، فلا شرعية غير شرعية القانون والدستور وسلطة الدولة المستمدة من الإرادة الشعبية. ولابد من فتح صفحة جديدة من التسامح والمصالحة بين جميع الليبيين. وإلغاء قوانين العزل السياسي. والسماح بعودة المهجّرين في الخارج. وتشكيل لجنة إنصاف ومصالحة على الطريقة المغربية، أو الجنوب إفريقية، للنظر في جبر ضرر التعديات الجسيمة، وتصفية الإرث الإنساني الصعب في عهد النظام السابق وخلال الثورة وبعدها أيضاً. وتفعيل دور قضاء نزيه وعادل ومستقل وغير مسيّس، كما كان حال «محكمة الشعب» المسيّسة في عهد النظام السابق، أو محاكم عدالة المنتصرين في عهد فبراير.

4- الاشتغال على إنعاش الاقتصاد والرفع من الأحوال المعيشية لليبيين وتوفير كل مقومات التنمية الإنسانية، من خدمات وتعليم وجهد ثقافي، ومؤسسات ديمقراطية، وحرية إعلام -بعيداً عن إعلام التحريض والتهييج والتهريج- ونشر الثقافة الدينية الوسطية وقيم حفظ السلم الأهلي والمنظومة القيمية والأخلاقية الداعمة لروح التوافق والتعاون والتضامن والتعايش والتساكن، والانخراط بإيجابية في سويّة الحياة المدنية الطبيعية وعمارة العالم، بديلاً عن الانخراط في دوامات الصراع والنزاع والعنف والتطرف. ولابد أيضاً من توسيع هوامش الحكم المحلي وتوسيع صلاحيات عمل السلطات في الأقاليم الثلاثة. كما أن استشارة الليبيين انتخابياً حول رأيهم في عودة النظام الملكي، والخيار الفيدرالي، ستكون تدبيراً حكيماً، ومعبراً عن بداية عهد ديمقراطي جديد. ومعروف أن لعودة الملكية أنصارها، وللفيدرالية حراكها أيضاً. وأنجح دول العالم اليوم وأكثرها استقراراً وازدهاراً هي دول فيدرالية أو اتحادية كالولايات المتحدة الأميركية وألمانيا، وفي السياق العربي أيضاً دولة الإمارات العربية المتحدة. ويمكن لليبيا أن تستفيد الكثيرة في مسيرة التحول وتطلعات ترسيخ الاستقرار والإعمار والازهار من النموذج الإماراتي.

5- استعادة صورة ليبيا كدولة طبيعية، وذات دور وحضور إيجابيين في النظامين الإقليمي والدولي. واستعادة ثقة الليبيين في أنفسهم، وفي نخبهم الثقافية، وقدرتهم على الإقلاع والصعود من الركام كطائر الفينيق من جديد، وصولاً لغدٍ آخر مشرق مقبل، ووقوفاً بثقة على شرفة المستقبل، وكتابة عنوان آخر جديد سعيد للمرحلة المقبلة.