عربي ودولي

قطر «صوت الإخوان» وبرامج «الجزيرة» لخدمة الإرهابيين

أحمد مراد (القاهرة)

أوضحت ورقة بحثية أن قطر تسير نحو اتجاه مختلف، وسرب مغاير يستهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتعزيز حوافز التناحر الأهلي في المجتمعات العربية، بناء على ديمومة الدعم لأجندات غير وطنية تقوم على أفكار تتبناها جماعات متطرفة وتيارات راديكالية تصنف بمقتضى قوانين الكثير من البلدان، جماعات إرهابية.
وأشارت الورقة التي أعدها محمد عبدالقادر خليل، مدير برنامج تركيا والمشرق العربي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ونشرتها فصلية «شؤون تركية» بعنوان «استراتيجيات التمرد القطرية»، إلى أن الدوحة اعتادت التمرد والانقلاب على مقتضيات الاستقرار الذي تفرضه حساسيات وقوع الدول الصغيرة إلى جوار قوى إقليمية كبرى، فبدلاً من التعايش مع المملكة العربية السعودية ومصر وتوثيق العلاقات معهما من خلال إيجاد أطر لتعظيم المنافع المتبادلة، عملت قطر على إيجاد ما يطلق عليه «الموازن الموضوعي» الخارجي، من خلال طلب الحماية المستترة، وهي استراتيجية اتبعتها منذ عقود خلت، فقد لجأت لبريطانيا للحماية من الدولة العثمانية، ووثقت علاقتها معها بعد ذلك لموازنة الدور السعودي الذي اعتبرته مركزياً في منطقة الخليج، ثم تحولت إلى الولايات المتحدة، واستضافت قاعدة عسكرية تعد الأكبر في المنطقة.
وذكرت الورقة البحثية أن قطر عملت على تنويع استراتيجيات الحماية، ففي حين لجأت للولايات المتحدة للتعاطي مع ما تعانيه من معضلة الأمن، فإنها لم تنصرف عن توثيق علاقاتها مع حليفتها القديمة، بريطانيا، وحينما فرضت عليها دول الخليج تعديل مقارباتها الإقليمية وفق توافقات عام 2013 واتفاقيات عام 2014، اندفعت لتنويع أنماط تحالفاتها الإقليمية والدولية، عبر استثمارات تجارية تتصاعد سنوياً في روسيا، والعمل على توثيق العلاقات مع فرنسا وألمانيا، والدخول في شراكة استراتيجية مع أنقرة ذات أبعاد أمنية، أثمرت لقاء زعيمي الدولتين منذ عام 2013، نحو 15 مرة، وتأسيس قاعدة عسكرية تركية في الدوحة، ومن المقرر أن تضم ما يتجاوز نحو 5 آلاف جندي تركي، أي تقريباً نصف عدد الجنود الأميركيين الموجودين في قاعدة العديد، والذين يقدر عددهم بنحو 11 ألف جندي.
وفيما يتعلق بعلاقة قطر بجماعة «الإخوان» الإرهابية، أوضحت الورقة البحثية أن علاقة الدوحة بـ«الإخوان» وثيقة وطويلة الأمد، ويعود تاريخها إلى خمسينيات القرن الماضي، وذلك حينما قامت بمنح أعضاء الجماعة الإرهابية حق اللجوء السياسي، ومنذ ذلك الحين، تحولت الدوحة إلى مركز لعناصر جماعة الإخوان، مثل خالد مشعل، والمصري يوسف القرضاوي، وسعت إلى الاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع هؤلاء للتأثير على السياسة الإقليمية.
ولفتت إلى أن أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني كان مقرباً من يوسف القرضاوي، الذي يقيم في الدوحة، والذي سخرت له قناة الجزيرة وأخواتها منصة للترويج لآرائه واتجاهاته، بالإضافة إلى الكثير من الشخصيات التي ترتبط بالجماعة الإرهابية، بهدف تعزيز الأيديولوجيا الثيوقراطية للجماعة، وقد عكس الموقف القطري، على جانب آخر، اعتباراتها الاستراتيجية، والتي تنطلق من أن هذه الجماعة بينما تشكل تهديداً للكثير من البلدان العربية، فإنها في الوقت نفسه تمثل أداة توظيفها قطرياً بما يسهم في الاضطلاع بأدوار رئيسية على الساحة الإقليمية.
وأشارت الورقة البحثية إلى أنه بعد اندلاع أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، اضطلعت قطر بالتنسيق مع طهران، من أجل دعم ما يسمى حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان، وعلى جانب آخر، اتجهت الدوحة لدعم علاقاتها وروابطها بالدول والجماعات التي تتبنى ذات المنهج، كتركيا، التي تتمتع بعلاقات قوية مع الإخوان، انطلاقاً من تداخل مركب بين قيادة الدولتين على المستويين الأيديولوجي والسياسي.
علاوة على ذلك، اتجهت قطر لتسخير برامج شبكة الجزيرة - التي أسسها حمد بن جاسم آل ثاني في عام 1996 - وما تلاها من شبكات وصحف ومواقع إخبارية محلية وعربية وإقليمية ودولية لخدمة المشروع السياسي للإخوان. وقد سيطرت عناصر هذه الجماعة على الشبكات الإعلامية القطرية، سواء من حيث العاملين، أو الإعلاميين، أو الضيوف، بما جعل الشبكة الإعلامية القطرية تمثل «صوت الإخوان» في العالم العربي، كما سيطرت عناصر الجماعة على الشبكة الفضائية القطرية «العربي الجديد»، ولا يزال يتمتع القرضاوي بمنبر دائم في الشبكات الفضائية القطرية.
وعلى الرغم من المحاولات العربية لإثناء قطر عن الاستمرار في انتهاج هذه السياسات، لجأت القيادة القطرية إلى «شركات ضغط»، ومؤسسات علاقات عامة، وكتائب إلكترونية معروفة، من أجل تحسين صورتها على الساحة الإقليمية والدولية،لا سيما بعد توالي التقديرات الدولية التي تثبت تنامي مظاهر الارتباط، وعلى مستويات متعددة، بين قطر وجماعات العنف السياسي والتطرف الديني. وانتقدت الورقة اتجاه قطر لرفض الاستجابة للمطالب العربية عبر العمل على تدويل أزماتها مع جيرانها العرب، من خلال المنهج الأمني والاستخباراتي مع دول، مثل ألمانيا، والولايات المتحدة،لا سيما بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين القطري والأميركي بشأن محاربة الإرهاب، ويظهر ذلك أن الدوحة وصلت إلى درجة من العلاقات المتشابكة والمعقدة مع الإخوان على نحو بات يدفعها إلى تقديم تنازلات سيادية لأطراف دولية، والامتناع عن تحقيق توافقات سياسية مع جيرانها العرب والمسلمين.
وبدافع تحقيق توازن يضمن عدم الاستجابة للمطالب العربية التي قدمت للدوحة بعد 5 يونيو الماضي، بشأن إعادة النظر في نمط علاقاتها مع التيارات الراديكالية، لجأت قطر إلى الحد من أثر الموقف الفرنسي، والذي بدا أقرب إلى تبني رؤية «الرباعي»، عبر استدعاء الحضور الألماني، من خلال توظيف «اقتراب الحماية» ذاته، وانطلاقاً من الاستعداد للخضوع للوصاية الدولية، وتصوير المطالب العربية كنوع من الوصاية الإقليمية المرفوضة، أعلنت عن اتفاقها مع برلين لكشف جميع أوراقها ووثائقها السرية لأجهزة الاستخبارات الألمانية، حول الشخصيات والهياكل والجماعات المتطرفة والإرهابية المرتبطة بها. بيد أنها، وحين تحركت في هذا الإطار، أشاعت أن سياساتها قائمة على دعم الإخوان، باعتبارها بديلاً للجماعات الجهادية التي تعاني البلدان الأوروبية من تصاعد أدوارها، جراء ارتدادات تزايد مظاهر انتشارها في الشرق الأوسط. وبينما ادعت أن علاقاتها مع البلدان الغربية ترتبط بالتوجه لتعزيز استقلالية السياسة الخارجية، فإن المحصلة النهائية أوجدت واقعاً عكس ما ادعته القيادة القطرية.
وكشفت الورقة البحثية عن أن القيادة القطرية سعت لامتلاك أدوات ضغط مقابلة لعدم التخلي عن جماعة الإخوان، عبر زيادة علاقاتها مع طهران، في مسعى ابتغت منه مضاعفة هامش الحركة الخارجية، وتعزيز القدرة على المناورة في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية. وتشير تقديرات غربية إلى أن الدوحة تعزز علاقاتها السياسية والعسكرية مع طهران، في ظل التشارك في حقل غاز الشمال، والذي يعد أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، سيما أنها تعتبر استراتيجية المرور السلس من مضيق هرمز البحري قضية رئيسية في تفسير أنماط تحركاتها المكثفة حيال الدولة الإيرانية، وما يتبعها من تنظيمات، مثل حزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن.
على جانب آخر، فقد انتهجت الدوحة استراتيجية الهجوم العكسي، من خلال نفي الاتهامات واتباع سياسات الإنكار وإلصاق ذات الاتهامات الموجهة إليها بالدول الأخرى، بيد أنها حينما أقدمت على ذلك، فقد أكدت بصورة أو بأخرى صدقية التقديرات الخاصة بنمط علاقاتها الوثيقة مع تيارات العنف والتطرف، وقد اتضح ذلك من تصريح وزير الخارجية القطري في معهد «تشاتام هاوس» حين أشار إلى أن قطر تتذيل قائمة داعمي الإرهاب في الإقليم، بما يعني تأكيد دعم الدوحة للتيارات المتطرفة.