الاقتصادي

الذهب.. الملاذ الآمن لتخزين الثروات

حسونة الطيب (أبوظبي)

يعتبر تعدين الذهب، واحداً من المحركات الاقتصادية الرئيسية للعديد من البلدان حول العالم. ونتيجة لما يتميز به الذهب كمصدر يمكن الاعتماد عليه، يسهم استخراجه بنسبة كبيرة في النمو الاقتصادي، حيث يساعد على توفير فرص العمل والتجارة للسكان المحليين، فضلاً عن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والعائدات الضريبية والعملات الأجنبية.
وعادة ما تعمل شركات تعدين الذهب في مواقع نائية، ما يجعلها تستثمر في البنية التحتية والمرافق. وبجانب أنها تخدم احتياجات المناجم، تشكل الطرق ومرافق المياه والكهرباء، فوائد طويلة الأجل للمجتمعات والأعمال في مناطق التعدين.
ويعتبر الذهب أكثر الأصول التي يدور حولها الجدل في الأسواق، فبينما ينظر إليه الناس كمعدن ثمين بوصفه مصدر تخزين طويل الأجل للثروة واحتياطيا ضد الأزمات المالية والاضطرابات الاقتصادية، لا يراه آخرون سوى معدن يفتقر للحيوية يمتلكه الهمجيون وغير المتحضرين.
وتكمن قيمة الذهب في ندرته، حيث لا تتجاوز تقديراته من الاحتياطي العالمي 56 ألف طن متري، يجيء معظمه من أستراليا وروسيا وجنوب أفريقيا. وبلغ الإنتاج العالمي في 2016، نحو 3100 طن متري، حيث تتربع الصين على رأس قائمة المنتجين في الوقت الحالي، تليها كل من أستراليا وأميركا.
وعادة ما يوجد الذهب في شكله الأصفر المائل إلى الحمرة، كعنصر صِرف، سواء في هيئة صخور أو حبيبات أو رواسب من الطمي. وبلغ إجمالي الذهب الكائن على سطح الأرض نحو 186.7 ألف طن، حسب تقديرات 2015، حيث يقدر استهلاك العالم من الإنتاج الجديد، 50% للزينة و40% للاستثمار ونحو 10% منها في القطاع.
ويُحدد سعر الذهب من خلال التجارة فيه وفي أسواق المشتقات، لكن يحدد الإجراء المعروف بـ «تحديد سعر الذهب» في لندن الذي بدأ العمل به في سبتمبر 1999، مؤشر سعر يومي للقطاع. كما تم إطلاق مؤشر تحديد سعر الذهب عند الظهيرة في 1968، لتحديد السعر عند فتح الأسواق أبوابها في أميركا.
وتسببت الظروف الاقتصادية في مارس 1968، في انهيار اتحاد شركات الذهب، حيث تم إنشاء برنامج تسعيري من مستويين، في الوقت الذي استمر فيه استخدام الذهب لتسوية الحسابات العالمية عند السعر القديم 35 دولاراً للأوقية، بيد أن سعر الذهب في الأسواق الخارجية تميز بالتقلبات. وتوقف العمل بنظام السعر هذا في 1975، وبقي الخيار مفتوحاً للسعر حسب مقتضيات الأسواق.
وما تزال البنوك المركزية تحتفظ باحتياطات ضخمة من الذهب، كمستودعات للقيمة، رغم انخفاض ذلك المستوى حالياً. ويحتفظ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بالحصة الأكبر في العالم التي تقدر بنحو 3% من كمية الذهب الموجودة حول العالم. وأشارت تقديرات «المجلس العالمي للذهب»، لإجمالي قدره 3859 طناً من مخزون الذهب في 2005، مقابل طلب وصل إلى 3754، ليصبح الفائض 105 أطنان.
بدأت أسعار الذهب تستعيد أنفاسها خلال العام 1970، حيث تراوح السعر بين 1968 إلى 2000 من سعر قياسي عند 850 دولاراً للأوقية في يناير 1980 لينخفض لنحو 253 للأوقية في يونيو 1999. وارتفعت الأسعار بسرعة من 2001 لكنها لم تحطم رقم 1980 حتى حلول يناير 2008، ليسجل رقماً قياسياً جديداً قدره 865.35 دولار للأوقية، مصحوباً برقم قياسي أخر في مارس من نفس العام قدره 1023,5 دولار للأوقية.
وشهدت أسعار الذهب عند نهاية 2009، حالة جديدة من الزخم، نتيجة ارتفاع الطلب وضعف الدولار الأميركي. وسجل المعدن عند نهاية العام رقماً جديداً بلغ 1217 دولاراً للأوقية، ليمضي في رحلة الارتفاع حتى مايو 2010 عندما أدت أزمة الدين الأوروبية لشراء المزيد من الذهب كأصل آمن. وفي سبتمبر 2011، سجل الذهب رقماً تاريخياً ناهز 1895 دولاراً للأوقية، نظراً لحالة الاضطراب المستمرة في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
وسجل في أكتوبر 2012، نحو 1790 دولاراً للأوقية، ليتراجع لرقم قياسي عند نهاية 2013 مسجلاً 1192 دولاراً للأوقية، ليعاود الارتفاع مرة أخرى في مارس 2014 إلى 1371 دولاراً للأوقية. وبعد ارتفاع طفيف في بداية 2015 إلى 1235.2 دولار للأوقية، عاود الانخفاض نهاية نفس العام لنحو 1065 دولاراً للأوقية. وحقق الذهب ارتفاعاً ملحوظاً في بداية يوليو 2016 لنحو 1358.4 دولار للأوقية، ليتراجع بنسبة كبيرة نهاية السنة إلى 1130 دولاراً. ويبلغ سعر الذهب في الوقت الحالي، نحو 1300 دولار للأوقية «42 دولاراً للجرام».
وتراجع إنتاج الذهب في العديد من البلدان خلال السنوات القليلة الماضية خاصة في الدول النامية، في الوقت الذي شهد فيه الاقتصاد العالمي تحسناً كبيراً منذ الأزمة المالية العالمية. وأغلقت العديد من عمليات المناجم عملياتها أو قلصت معدلات الإنتاج، إلا أن الأسعار أخذت في الارتفاع خلال 2017، في ظل توجه شراء المعدن كملاذ آمن.
وتشير توقعات الخبراء، لتراجع سعر الذهب خلال العام 2018، ليظل دون 1350 دولاراً للأوقية. ودائماً ما يعتمد سعر الذهب على سعر الدولار، في ميكانيكية عكسية ثابتة، فكلما ارتفع سعر الدولار كلما انخفض سعر الذهب والعكس صحيح.

أكبر الدول المنتجة للذهب في العالم:
الصين
تعتبر الصين أكبر دولة لإنتاج الذهب في العالم، بسعة تعدينية قدرها 455 طناً مترياً في 2016، حيث احتفظت بهذا المركز لعشر سنوات متتالية. وبجانب أنها أكبر منتج للذهب، فهي في ذات الوقت، أكبر مستهلك للمعدن الأصفر في العالم، لأربع سنوات متتالية، وفقاً للمجلس العالمي للذهب. لكن مع ذلك، تراجع استهلاك الذهب في الصين بنحو 7% في 2016، نتيجة لارتفاع سعره وتراجع معدلات إنتاجه.

أستراليا
بجانب ولايات أخرى، يجيء 60% من إنتاج أستراليا من الذهب، من غرب البلاد في منطقتي كولجرادي وكالجورلي. ويعتبر التعدين من القطاعات الهامة في أستراليا ومساهم كبير في نموها الاقتصادي. وتراجع إنتاج الذهب من 278 في 2015 إلى 270 طناً مترياً في 2016. لكن وفي ظل معاناة القطاع، تم تسريح نحو 22 ألفاً من العاملين فيه في الفترة بين 2013 إلى 2015، بالإضافة إلى ألفي وظيفة في 2016. ويقدر إنتاج أستراليا من الذهب في 2016 بنحو 270 طناً مترياً.

روسيا
استقر إنتاج روسيا من الذهب في 2016، لكن تخطط البلاد لزيادة معدل ذلك الإنتاج على مدى العقد المقبل، لنسبة سنوية قدرها 400 طن متري بحلول 2030. ووفقاً للمسح الجيولوجي الأميركي، يقدر احتياطي روسيا من الذهب بنحو 8 آلاف طن متري.

أميركا
مُني إنتاج أميركا من الذهب خلال السنة الماضية، بتراجع واضح من 214 طن متري في 2015، إلى 209 في 2016. ويُعزى ذلك التراجع في الإنتاج، لشح إنتاج المناجم في البلاد، في ظل تغيير ملكيتها وإغلاق الصغيرة منها في ولاية نيفادا. ويجيء معظم إنتاج البلاد، من 40 من مناجم العرق المعدني ومن أخرى عديدة في ألاسكا وصغيرة في غرب البلاد.

كندا
ارتفع إنتاج كندا من الذهب بصورة ملحوظة في 2016، إلى 170 طناً مترياً، بالمقارنة مع 153 في السنة التي سبقتها. ويبدو أن إنتاج الذهب في كندا ماضٍ في طريق الارتفاع ابتداء من الوقت الحالي. وأعلنت شركة «أجنيكو إيجل»، عن زيادة سعة الإنتاج في أحد المناجم القائمة وتطوير حقل آخر، من المرجح دخولهما حيز الإنتاج بحلول 2019.
ونتيجة لميزاته الفيزيائية مثل، مقاومته للتآكل وللتفاعلات الكيميائية ومرونته وليونته وموصل جيد للكهرباء، استمر استخدامه في موصلات الكهرباء المقاومة للتآكل في كافة أنواع الأجهزة التي تعمل بالكمبيوتر، حيث الاستخدام الرئيسي في القطاع الصناعي. كما يُستخدم في الحماية ضد الأشعة تحت الحمراء وإنتاج الزجاج الملون والألواح الذهبية وترميم الأسنان، في حين لا تزال أملاح الذهب تستخدم كمضادات للالتهاب في المجال الطبي. ويعتبر الذهب أكثر المعادن القابلة للتمدد، حيث يمكن مد أوقية واحدة لنحو 300 قدم مربع.
ويقاس نقاء الذهب وخلوه من الشوائب بالقيراط، حيث 24 قيراطاً الأعلى جودة.
وانتشر استخدام الذهب في الماضي كعملات، لكفاءته في عمليات التداول غير المباشرة وتخزين الثروة. ولأغراض التداول، تقوم مرافق سك العملة، بإصدار عملات موحدة من سبائك الذهب بوزن ونقاء ثابتين. وأول عملة معدنية تم سكها، كانت في إقليم ليديا في آسيا الصغرى نحو 600 قبل الميلاد.
وتستمر البنوك المركزية حول العالم، في الاحتفاظ بجزء من احتياطي السيولة ذهباً في شكل من الأشكال، حيث ما تزال «رابطة سوق السبائك» في لندن، تقوم بتخليص بعض الصفقات المقوَّمة بالذهب، بما في ذلك عقود التسليم الآجلة.

تراجع إنتاج الذهب من المناجم
في الوقت الحالي، بدأ إنتاج الذهب من المناجم في التراجع. وفي ظل وتيرة النمو القوية التي حققتها الاقتصادات العالمية خلال القرن العشرين، وزيادة النقد الأجنبي، تراجع احتياطي الذهب العالمي وتقلصت سوقه التجارية بالمقارنة مع بقية الأسواق الأخرى، في حين تم استبدال أسعار الصرف الثابتة للعملات مقابل الذهب، بتعويم الأسعار للذهب ولعقوده الآجلة. ورغم نمو الذهب بوتيرة سنوية تتراوح بين 1 إلى 2%، إلا أن معدل استهلاكه ضئيل للغاية.
وعادة ما يتم تكريم الإنجازات العظيمة بالذهب، سواء في شكل ميداليات أو جوائز أو أنواع أخرى من الزينة، مثل تلك المقدمة في المنافسات الرياضية والفنية وجائزة نوبل وغيرها. كما يرتبط اسم الذهب بالعصور ذات الإنجازات البارزة والذكرى السنوية مثل اليوبيل الذهبي.
ورغم أن بعض أنواع المعادن مثل البلاتين أعلى سعراً، إلا أن الذهب يظل المعدن المفضل من بين كافة المعادن الثمينة، حيث تستخدم قيمته كمقياس لمعظم العملات. وبما أن العديد من الناس، يقعون يومياً ضحايا شراء الذهب المغشوش حول العالم، فلا بد من القول: ليس كل ما يلمع ذهباً.