الرياضي

المراحل السنية «الهرم المقلوب» فـي الكرة الخليجية

الكويت (الاتحاد)

لسنوات طوال، ظلت شعارات «العمل القاعدي» والاهتمام بالمراحل السنية، وتطوير الأجيال مجرد شعارات ترفعها مجالس إدارات الأندية والمنتخبات، مع كل بداية فترة عمل مجلس جديد، وكأنها لافتة ترفع في المناسبات لتجميل الصورة، من دون وجود اقتناع حقيقي من مسؤولي اللعبة، بأهمية المراحل السنية في كرة القدم، ودورها الأساسي في بناء أجيال المستقبل.
والمتابع لوضع اللعبة بأغلب دول الخليج، لا يجد صعوبة في إدراك «الهرم المقلوب» الذي يميز العمل في أغلب اتحاداتنا وأنديتنا، حيث يظهر الفارق كبيراً في الاهتمام بالفريق الأول على حساب المراحل السنية، سواء من حيث الميزانيات، أو توفير الاحتياجات، والتعاقد مع أشهر المدربين العالميين، الأمر الذي يجعل العمل في الفئات السنية يفتقد للتنظيم والاستقرار، ويعاني من غياب الخطط والبرامج طويلة المدى، ويدار بفكر الهواية، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأشخاص والمسؤولين الموجودين في الإدارات، وليس بالاستراتيجيات المدروسة التي تميز منهج العمل في الدول المتطورة كروياً، سواء في القارة الآسيوية أم في بقية أنحاء العالم.
ومن خلال شهادات ميدانية لنخبة من أبرز المدربين العاملين، في مجال المراحل السنية، سواء مع الأندية أم المنتخبات بدول الخليج، نقف بوضوح على حقيقة وضع العمل القاعدي، سواء في اختيار المدربين والأجهزة الفنية، لقيادة المراحل السنية، والذي يخضع عادة لـ «الواسطة» وعلاقات الصداقة أو الولاء لمجلس الإدارة، بالإضافة إلى تذبذب البرامج والخطط في العمل، واقتصارها على أهداف قصيرة المدى، لا تساعد على بناء أجيال مترابطة، ترتقي إلى الفريق الأول في ظروف إيجابية، وأيضاً الانتقادات الموجهة إلى إدارات الأندية والاتحادات في تعاملهم «الهاوي» مع أجيال المستقبل، مقابل التركيز على النتائج الوقتية مع الفريق الأول.
وحاول خبراء اللعبة في دول الخليج المساهمة في تقديم مقترحاتهم، وتوصياتهم لتصحيح وضع العمل بالمراحل السنية، ورصد العديد من النقاط المهمة للارتقاء بالقطاع، بما يضمن تدارك السلبيات، والاستفادة مما وصلت إليه بقية الدولة المتطورة كروياً، رغبة في تقليص «الهوة»، وضمان تصعيد أجيال واعدة يتم إعدادها بطرق سليمة فنياً وفكرياً، وتكون عماد المستقبل لكرة الخليج ومصدر نجاح وتألق في التظاهرات القارية والعالمية.

فوزي إبراهيم: مدرب وزنه 150 كيلو جراماً يدرب أجيال المستقبل!
الكويت (الاتحاد)

أشار المدرب الكويتي فوزي إبراهيم، إلى أن مشكلة الكرة الخليجية، في كيفية صنع لاعب كرة قدم، وشدد على أن الكل في منطقتنا يريد أن يصبح ابنه دكتوراً أو مهندساً، وفي الوقت نفسه لاعباً مشهوراً، بينما التوفيق بين المجالين أمر في غاية الصعوبة، لأن ممارسة الكرة، تتطلب تضحيات كبيرة من تدريبات صباحية ومسائية، ومعسكرات طويلة وسفر، لذلك على لاعب الكرة أن يتفرغ لهذه اللعبة، وأن يحترفها، حتى تصبح مهنته لاعب كرة قدم.
وأضاف: إذا أردنا تطوير المراحل السنية بالمنطقة، علينا الاهتمام بدوري المدارس، وإقامة منافسات للمناطق التعليمية، بهدف اختيار المواهب الواعدة، لأن المواهب موجودة، وما علينا سوى اكتشافها وصقلها وتطويرها. وشدد على أن التخطيط في أنديتنا ومنتخباتنا يتركز على الفريق الأول فقط، في الوقت الذي تعتبر فيه المراحل السنية أساس إعداد وتجهيز اللاعبين للصعود إلى الفريق الأول.
أما فيما يتعلق بالأجهزة الفنية العاملة، في قطاع المراحل السنية، قال: معيار اختيار المدربين في قطاع الناشئين، هو الصداقة أو القرابة أو الولاء لمجالس إدارات الأندية، بينما تعتبر الكفاءة آخر المعايير التي يتم اعتمادها. وتساءل فوزي إبراهيم: كيف لمدرب وزنه 150 كيلو جراماً أن يدرب أجيال المستقبل، وأن يقنعهم بالقيام بحركات رياضية معينة، وهو عاجز حتى عن القيام بها. وأوضح أيضاً أن أغلب الأكاديميات الخاصة المنتشرة حالياً، هدفنا الربح المادي، ولا تهتم بشكل حقيقي بالتطوير والبناء، مناشداً بضرورة تطبيق الاحتراف على أسس سليمة، وذلك بداية من المراحل السنية، لأنها الأساس في بناء لاعب محترف في حياته الخاصة والرياضية.

علي إبراهيم: الأكاديميات بالأندية الكبيرة والمواهب بالفرق الصغيرة
الكويت (الاتحاد)

أكد علي إبراهيم الذي قاد «أبيض الناشئين» للتأهل إلى كأس العالم تحت 17 سنة عام 2009، وبلوغ ربع الـ16، أن وصول المنتخبات الخليجية السنية إلى كؤوس العالم، لا يقوم على أساس خطط واستراتيجيات طويلة المدى، وإنما يتوقف على خطة مجلس إدارة الاتحاد، ومدى قناعته بأهمية العمل في المراحل السنية، مشيراً إلى أن كرة الإمارات استفادت خلال فترة معالي اللواء محمد خلفان الرميثي رئيس اتحاد الكرة سابقاً، من الاهتمام الذي شهدته المراحل السنية والعمل القاعدي، في تجهيز وإعداد منتخبي الناشئين والشباب، وبالتالي تحقيق نجاحات قارية، وتسجيل الحضور المشرف في المونديال.
وأشار إلى أن خطط العمل تتأثر بالمسؤولين، بسبب عدم وجود استراتيجية فنية طويلة المدى يتم تطبيقها بشكل مستقل عن العمل الإداري، ووصف الفترة التي شهدت تألق المنتخبات السنية الإماراتية، بأنها إيجابية ومشجعة، بفضل العمل الدؤوب واستمرار التجمعات والمشاركات الخارجية، وخوض المعسكرات الصيفية، بينما تراجع ظهور كرة الإمارات خلال الفترة الأخيرة، بسبب عدم الاستمرار في سياسة العمل نفسها، وتكثيف الاستفادة من التجمعات والمباريات الودية. واستغرب علي إبراهيم من المفارقات الحادثة في أغلب الدول الخليجية، حيث تهتم الأندية الكبيرة بالمراحل السنية، من خلال الأكاديميات، بينما تفتقد الأندية الصغرى للاهتمام والعناية، على الرغم من أن أغلب المواهب الكروية تخرج من هذه الفرق، مناشداً ضرورة تقديم الدعم المادي من الاتحادات للأندية التي تملك فرقاً سنية ومواهب حقيقية، وقادرة على تفريخ النجوم وتقديم الأجيال الجديدة.

قحطان جثير: المشكلة في «النظرة الخاطئة»
الكويت (الاتحاد)

يرى قحطان جثير مدرب منتخب العراق للناشئين، الذي قاد صغار «أسود الرافدين» في كأس العالم تحت 17 سنة خلال الصيف الماضي، أن ضعف الدوري في مسابقات المراحل السنية لا يساعد على إفراز لاعبين ومواهب بمستويات عالية، وإمكانيات كبيرة، تؤهلهم للمنافسة على المستوى الخارجي، سواء قارياً أو عالمياً، لذلك يضطر مدربو المنتخبات السنية إلى عمل مضاعف، في متابعة اللاعبين، واكتشاف العناصر التي تملك بوادر موهبة، والقيام بتجمعات ومباريات أخرى للوقوف على حقيقة الإمكانيات، واختيار العناصر المؤهلة للانضمام إلى المنتخب.
وأضاف: اكتشاف المواهب في المراحل السنية، لا يكون بناءً على أداء اللاعب مع ناديه في المسابقات التي ينظمها اتحاد الكرة، بل يتوقف على خبرة ونظرة مدرب المنتخب في اكتشاف العناصر الواعدة، التي يتم الاهتمام بها بعد ذلك بشكل خاص، حتى تتطور وتتدرج عبر بقية الفئات في ظروف إيجابية. وعن الفوارق الموجودة بين دول المنطقة، وبقية الدول المتطورة كروياً، سواء في آسيا أو العالم، أكد قحطان جثير أن مشكلتنا في النظرة الخاطئة إلى المراحل السنية، التي يعتبرها الجميع مجرد ممارسة هواية للأطفال، على عكس بقية الدول المتطورة، التي تتعامل مع هذه الفئة باحتراف كامل، حيث يكون اللاعب بين 12 و13 عاماً يتدرب ويدرس، وفق نظام احترافي متكامل، يهتم باللاعب فنياً ودراسياً، ويضمن له التوفيق بينهما، على عكس ما يحدث عندنا، حيث يكون اللاعب في هذه المرحلة تحت ضغط أولياء الأمور، بضرورة الاهتمام بالدراسة، في المقام الأول، والتعامل مع الكرة على أساس أنها مجرد هواية، وممارسة نشاط رياضي.

يعقوب الصباحي: اجتهادات بدون تخطيط
الكويت (الاتحاد)

وصف يعقوب الصباحي مدرب منتخب عُمان للناشئين، العمل في المراحل السنية بدول الخليج، بأنه مجرد اجتهادات يفتقد إلى التنظيم والتخطيط والاستمرارية.
ويرى أن أغلب الاتحادات بالمنطقة لا تملك استراتيجيات طويلة المدى تطبق على هذه الفئة العمرية المهمة، وذلك بسبب ارتباط البرامج بالمسؤولين الذين يقودون اللعبة.
وأضاف، أن أغلب الاتحادات الخليجية لا تمنح المراحل السنية المكانة التي تستحق، ويتم التركيز على الفرق الأولى، سواء في الأندية أو المنتخبات، والدليل غياب المختصين في هذا المجال، سواء بالنسبة للفنيين أو الإداريين، مشيراً إلى أن العمل في الناشئين أو الشباب، يتطلب مواصفات خاصة، حتى نضمن الاهتمام الصحيح بالأجيال الصاعدة، ويتم إعدادها بشكل سليم، حتى تصل إلى الفريق الأول، في أفضل الظروف. وشدد الصباحي على أن قوة المسابقات السنية، معيار قوة المنتخبات، وكلما كانت مسابقاتنا غير منظمة وعشوائية، تصبح منتخباتنا السنية ضعيفة، وغير قادرة على منافسة القوى الكروية في القارة الآسيوية، موضحاً أن كوريا الجنوبية واليابان يطلقان نظاماً احترافياً في المراحل السنية، يعكس اهتمامهما الكبير بهذه الشريحة العمرية، التي تعد عماد المستقبل ونواة المنتخبات.
وطالب الصباحي بضرورة النسج على منوالهما، والاهتمام أكثر بالعمل القاعدي، ووضع برامج لأربع سنوات فأكثر، حتى نضمن الاستمرارية في العمل، وتطور اللاعبين في ظروف إيجابية، وإعداد منتخبات قوية قادرة على المنافسة في التظاهرات القارية والعالمية.

عبيد مبارك: عيوبنا إدارية وليست فنية
الكويت (الاتحاد)

قال عبيد مبارك نائب رئيس اللجنة الفنية بالاتحاد الآسيوي لكرة القدم، إن مشكلة المراحل السنية بالكرة الخليجية ، تتمثل في الفكر الإداري الذي يقود اللعبة، لأن عيوبنا إدارية قبل أن تكون فنية، وذلك بسبب غياب ثقافة البناء والتطوير داخل الأندية والمنتخبات، والبحث عن النتائج السريعة، وفرض ضغوطات كبيرة على الأجهزة الفنية، من أجل ذلك.
وأضاف، أن أنديتنا تفتقد إلى العديد من الأمور المهمة في المراحل السنية، والتي تعتبر مهمة في بناء اللاعب، وتصعيد جيل متميز، قادر على دعم الفريق الأول في المستقبل، مثل افتقاد الفحص الطبي والاختبارات البدنية، والعديد من الأمور التي تهم تنشئة لاعبين على أسس سليمة، حيث يقع التركيز على المسابقات والمنافسات، بدلاً من التفكير في المستقبل، وبناء لاعبين قادرين على الوصول إلى الفريق الأول.
وبشأن عدم حفاظ المنتخبات الخليجية على تواجدها في البطولات القارية والعالمية، وتذبذب الظهور من فترة إلى أخرى، أوضح عبيد مبارك أن ذلك يفسر بعدم ثبات العمل في المراحل السنية، وإفراز لاعبين مؤهلين للمنافسة، مشيراً إلى أن المنتخبات الآسيوية المتطورة تعتمد على كثافة المشاركات، والاستفادة من قوة المسابقات لإعداد أندية ومنتخبات تملك عناصر مميزة وتنافس بجدية.

المقله: البحرين تملك المواهب والأزمة في «التقطع»
الكويت (الاتحاد)

أبدى محمد المقله مدرب منتخب البحرين للشباب، تفاؤله بقدرة الكرة الخليجية على تصحيح الوضع السائد في المراحل السنية، من خلال الاستقرار في العمل الفني، وتطبيق الخطط والبرامج، لأنها السبيل الوحيد للارتقاء بالأجيال المقبلة، والاهتمام بهم بالشكل المطلوب.
وقال: المراحل السنية بالبحرين تضم نخبة من المواهب، إلا أن مشكلتها في تقطع العمل، وعدم وجود خطط منظمة تهدف إلى تطوير وبناء أجيال واعدة، والبحرين ولادة للاعبين والنجوم، إلا أن تركز الاهتمام حول الفريق الأول، سواء في الأندية أو المنتخبات، يؤثر بشكل كبير على صعود لاعبين متميزين، يدعمون الفريق الأول في المستقبل. وأبدى المقله ارتياحه للمشروع الجديد الذي بدأ الاتحاد البحريني في تطبيقه، وهو إنشاء أكاديمية للمراحل السنية من عمر البراعم، لاختيار أفضل 23 لاعباً، يتم الاهتمام بهم بالشكل المطلوب، وإخضاعهم لبرامج فنية دقيقة وفقاً لاستراتيجية طويلة المدى، بما يبشر بالبدء في خطوات تصحيح وضع المراحل السنية. أما فيما يتعلق بالأجهزة الفنية التي تعمل بالمراحل السنية، أشار إلى أن السنوات الأخيرة، شهدت نقلة نوعية في التعويل على أصحاب الشهادات والمختصين في هذه الفئات العمرية، مما سيكون له التأثير الإيجابي في المستقبل، ويسهم في إعداد لاعبين صاعدين على أسس سليمة، يدعمون الفرق والمنتخبات الأولى بفاعلية.

التوصيات
إيجاد استراتيجية طويلة المدى للعمل الفني، تعتبر بمثابة الخطة الوطنية لإعداد المراحل السنية والمنتخبات، ولا تتأثر بتغير المسؤولين في الاتحادات أو الأندية.
دعم الأندية الصغيرة وإنشاء أكاديميات في المناطق المعروفة، بتواجد المواهب الكروية وتفريخ النجوم.
الاستفادة من الخبرات الفنية والإدارية المختصة في العمل بالمراحل السنية للإشراف على فرق المراحل السنية.
تطبيق الاحتراف في الأعمار السنية بداية من الناشئين، بهدف تجهيز اللاعب للاحتراف الكامل فنياً وفكرياً للمستقبل.