الملحق الثقافي

التحليل النفسي بين الولاء والبراء

لن تشهد منظومة فكرية مثل ما شهده التحليل النفسي من تعرجات صعودا وهبوطا في بورصة القيم الثقافية. فقد قدم في بعض المراحل وكأنه المجسد لقيم التنوير والعقلانية، وقدم في سياقات أخرى وكأنه ممثل الظلامية واللاعقلانية.
يعتبر فرويد نفسه سليل التراث الأنواري وامتدادا له، وينسب اكتشافاته الفكرية إلى الثورات الفكرية الكبرى التي شهدها التاريخ الثقافي للبشرية.
بل إن فرويد يضع نفسه كامتداد لحركة فكرية كونية بدأها غاليلو وكوبرنيكوس فقد حقق هؤلاء قفزة نوعية بل كونية للبشرية لأنهما أثبتا فلكياً وفيزيائياً أن الأرض التي هي مسكن النوع الإنساني، ليست هي مركز الكون ولا حتى مركز المجموعة الكوكبية التي تنتمي إليها، بل هي مجرد كويكب صغير ضمن المجموعة الشمسية، ثم جاء عالم الأحياء داروين لينسج على نفس المنوال مبينا أن الإنسان هو الدرجة الأرقى في السلم الحيواني المتدرج من الخلية الأولى إلى الفقريات والثدييات، وأن الإنسان كنوع قد تدرج عبر عشرات القرون من الإنسان القائم إلى الإنسان العارف الذي تمثل البشرية الحالية ذروته. ويأتي التحليل النفسي ليكمل عملية انتزاع الإنسان من مركز الكون ثم من مركز الخليقة ليضيف ثالثه أثاف كبرى وهي أن الإنسان ليس سيد نفسه بل هو محكوم بقوى غريزية لاواعية هي بمثابة البنية التحتية الموجهة لسلوكه.
هذا فيما يخص المكانة الفكرية (العلمية والفلسفية) لهذا العلم الإنساني الجديد الذي يمتح من التقاليد العلمية والفلسفية (شونبهاور، نيتشه.. مثلا) الكونية.
أما فيما يخص البناء النظري لهذا العلم فهو نظرية حول النفس، مكوناتها وآليات عملها الواعية وغير الواعية، ونظرية حول الأحلام معانيها ودلالاتها النفسية، وحول البنية النفسية من حيث مكوناتها الثلاثة والدوافع البيولوجية والمكون الأخلاقي (الأنا الأعلى) والأنا كجماع وخلاصة لتفاعل هذين المكونين.
ولهذا التصور للنفس - الذي هو تصور مستمد من مستوى تطور البيولوجيا وعلوم الأعصاب والدماغ آنذاك والذي هو بالتأكيد لا يأخذ النفس كهوام بل كمجموعة قوى موضعية أو طاقية متفاعلة قاطعا مع التصورات الغيبية أو الميتافيزيقية للنفس باعتبارها روحا أو كيانا هابطا غامضا مستقلا عن الجسم ومختلفا عنه.
لهذا التصور للنفس وللأحلام ولمحددات السلوك وللذاكرة، وللذكاء وللعواطف والوجدانيات تطبيقات نظرية وعملية وعلاجية طورتها مدارس التحليل النفسي المختلفة. وقد تطورت مدرسة التحليل النفسي بالتدرج من نظرية سيكوسيولوجية إلى مدرسة ثقافية حول المجتمع والحضارة والسياسة والدين والثقافة... لكن هذه السفينة تعرضت للكثير من العواصف والانتقادات جعلتها تارة ترتفع إلى أعلى وتارة تتزحلق إلى أسفل.
ومنذ عقود شهدت هذه المدرسة انتقادات عنيفة في الوسط الثقافي حيث اعتبرها متفلسف كميشيل اونفري مجرد أسطورة آن أوان طراحها، بل كاد يعتبر فرويد دجالا أزف وقته وذلك في كتاب عنوانه: «خسوف صنم» (2010).
قبل ذلك أصدر مجموعة من المشتغلين في الميدان السيكولوجي كتابا تحت عنوان: «الكتاب الأسود للتحليل النفسي» (2005)، وفيه أن نحيا ونفكر أحسن بعد فرويد وهو ما أثار زوبعة ردود فعل من طرف أتباع فرويد وعلى رأسهم إليزابيث رودنسكو متسائلة عن الأسباب العميقة لكل هذا الطوفان من الحقد والكراهية لفرويد والتحليل النفسي مما يبرز مشكلة التقاطب الثنائي الذي شهده هذا العلم بين الولاء والبراء.
المحاور الفكرية الكبرى لهذا الصراع الذي رافق الحليل النفسي منذ ولادته هي:
- النزعة الشمولية المتنامية نحو طغيان التصورات والتفسيرات والعلاجات الجنسية لمختلف مظاهر الحياة النفسية Pausexualisme.
- تضخيم دور اللاشعور واللاوعي في الحياة النفسية للأفراد فهما وتفسيرا وعلاجا. - التأكيد المستمر على الحتمية النفسية مما يذكي نوعا من التصور الآلي للإنسان ينفي عن الفرد بعض مظاهر الحرية السيكولوجية.
- التوتر الداخلي بين توجه علمي تقني داخل التحليل النفسي وتوجه ثقافي واسع يعطي للأخير صبغة موجة أو تيار ثقافي.
- نزعته الطبيعية والمادية والعقلانية الوضعية.
بل إن هذا الصراع لم يقف عند خطوط التوجهات العامة بل طال قضايا وتيمات فرعية كدوافع الحياة والموت، ومبدأ اللذة ومبدأ الواقع، والعزاء والكآبة.
ويبدو أنه من العسير تقديم تصور صارم ودقيق لهذا الصراع وللمكانة الابستمولوجية والعلمية لمثل هذا العلم، كما قد يكون من العسير على المرء التمييز في هذا الصراع الحاد بين العلمي والإيديولوجي، بين الذاتي والموضوعي، بين التخصصي والتعميمي.
لكن الإرث الفكري الضخم الذي راكمه التحليل النفسي ليس إرثا للتصفية بقدر ما هو نور فكري ما فتئ يتوهج، يخبو تارة ويتلمع تارة أخرى.