الملحق الثقافي

مفتاح التقدّم السحري

سواحل الإمارات جسور للتواصل الثقافي (فوتوغرافيا شانوف محمد)

سواحل الإمارات جسور للتواصل الثقافي (فوتوغرافيا شانوف محمد)

«أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي»
لقد أبدع الشاعر حافظ إبراهيم عندما اختزل ماهية البحر وثرائه في هذا البيت الذي عبر عن عدة مضامين على صعيد إبراز وتأصيل قيمة البحر بما في جوفه من جواهر. فماذا لو استكملنا حديثنا عن هذا البحر بدءاً من الأعماق وانتهاء بالشواطئ والسواحل والموانئ التي من السهولة ملامستها والتفاعل معها؟ وماذا لو حاولنا اجترار الذكريات حين نعبر عن تلك العلاقة الجدلية التي تتعالق فيها الدلالات الساحلية، لتتنقل بنا من ظاهرة المشاعر السرية إلى البوح بما نريد، دون عوائق تجبرنا على التغاضي عن تلك الجماليات العفوية بين الشاعر والبحر، وما تحتويها تلك العلاقة من بُنى حوارية عالية المستوى تعمل جاهدة على الإفصاح عن مكنونات النفس التواقة إلى تلك الشواطئ.

بداية لا بد أن نشير إلى معالم تلك السواحل والشواطئ الساحرة جغرافياً، حيث تخبرنا بعض الدراسات التي تتبع سوسيولوجيا آليات النقل البحري بأهمية ذلك الشريان البحري الذي يتحمل مسؤولية نقل حوالي 90% من إجمالي حجم التجارة العالمية، وأنه من دون هذا النقل سوف يتعطل العديد من الإنجازات التي تعتمد على المواد الأولية لا سيما أكثرها تواترا واستخداماً. ولكي يفعَّل هذا الشريان البارز، فإن التفعيل لن يكتمل ما لم تدعمه السفن التي تشكل خصوصية في بناء العلاقات مع الدول الأخرى، ومن خلالها تتمكن من استقطاب أكثر المنتجات العالمية في مواجهة التحديات المجتمعية والأطر الاقتصادية التي تعد مطلبًا ملحاً لا يمكن الاستغناء عنه في سوق العمل اليوم.

تطور ملاحي
لقد حققت الإمارات تطوراً كبيراً في هذا المجال وأصبحت فيه من الدول المتقدمة؛ كما عودنا شعب الإمارات على تحقيق المنجزات في المجالات المختلفة، فضلاً عن التصاقه بأمجاده منذ القدم. ولا شك أن قصة هذه الأمجاد ليست وليدة الساعة بل هي حضارة راسخة وممتدة في توازن لامس الأعماق. فدبي، كانت مركزًا عالميًا للملاحة مما جعل التجار يتوقفون في موانئها ومراكزها التجارية لبيع بضائعهم والتزود بسلع خاصة بالملاحة البحرية وتوابعها. وأهلها يبحثون عن الرزق ويبذلون جهدًا لا يقاس بالزمن لكي ينشئوا المحطات والمراكز الملاحية على مستوى رفيع يضاهي الأسواق العالمية.
فالشواطئ والسواحل المعمورة مازالت هي المفتاح السحري لبناء اقتصادها، وإنجاز معاملاتها المعتمدة على ذاك الشريان الفاعل لنقل كل ما تحتاجه من منتجات. وهذا يتطلب جهدًا إضافيًا لمواجهة التغيرات المتسارعة وتقديم المخرجات التي تتواءم مع هذه العوالم الساحلية لتكون قادرة على تسخير كل الخدمات اللوجستية على أوسع نطاق ممكن.
وأبرز مثال يحضرني في هذا المحور النجاح العظيم الذي أحرزته دولة الإمارات عندما أسست شركة أبوظبي لبناء السفن بجودة عالية وموقع استراتيجي مميز، فضلاً عن اجتهادها في الحصول على أفضل المهندسين للعمل في هذه المشروع الضخم، الذي يعد دالة مركزية ساهمت في توظيف جملة من المعطيات المتوازنة والمتاخمة للموانئ، بحيث تكون قادرة على اختزال العديد من القضايا المعيارية البارزة.
إن عراقة البنى الساحلية التي استوعبت، وبتميز، منظومات الثقافة البحرية العريقة، حققت ما هو أبعد من ذلك، وتجاوزت نسق التصورات، وكشفت عن قاموس جديد تماهت معه الصورة المهيمنة على العمق الاستراتيجي لينصهر في بوتقة الفضاءات الجديدة بتوازن خلاق يلفت إليه الأنظار.

سفن وأسماء
وما دام الأمر يتعلق بالشواطئ أو السواحل المعمورة، فلنتعرف إلى بعض أسماء السفن القديمة التي تمثل جوهر الأصالة، ولازالت عالقة بأذهاننا وذاكرتنا لأنها تعني للخليجي بالذات الكثير؛ فهي تتجاوز منظومات جمالية البحر وتوحي باتساع أفقه من خلال جملة من التصورات والأيديولوجيات التي تؤسس خطاب العراقة المقترن بالخطاب السواحلي على وجه الخصوص.
ومن هذه الأسماء:
الهوري/‏ الجالبوت/‏ الماشوة/‏ الصمعا/‏ السنبوك/‏ البتيل/‏ الشوعي/‏ البقارة... وسواها وكلها تستخدم للصيد وللغوص وبعضها لنقل البضائع.
مثل هذه المسميات، التي ربما تكون حاليًا غائبة عن الجهاز المعرفي للعديد من الأجيال الجديدة على وجه الخصوص، قادرة في رأيي على أن تؤسس في ذهن المتلقي قيمة إبداعية جمالية، وإن كانت غير معروفة لديهم بسبب حاجز متين جرى بناؤه بينهم وبين التراث جعلهم ضمنياً لا يتقبلونها، لأن سجال الحياة، حسب رأيهم، ليس فيه متسع لمثل هذه الأمور، وهم بحاجة إلى شحنة جديدة تستوعب الصورة القديمة المسيطرة على منهجية الحياة.. لكن هذا لا يمنع من القول بأن بعضهم يفخرون بذلك التراث وينظرون إليه باعتباره انسجاما وتناغما له أبعاد ودلالات مهمة، وإن كانوا يستصعبون استيعابها أو توظيفها. ويرون أن من الأفضل أن نقتصر على دراسة المسميات التي ربما يكثر استخدامها في عصرهم هذا، وربما يكون جزءاً من كلام هذه الأجيال الشابة صحيحاً، لكن الجزء المهم الذي ينبغي أن لا نتركه جانباً هو تراثنا، وأعني الاهتمام بالتراث وتفعيله ودراسته والحفاظ عليه. الأمر الذي من شأنه، بحسب القراءات الافتراضية، أن يضيف إلينا قاموسًا جديدًا ويمنحنا دلالات إيحائية نرجع إليها عندما تتملكنا رغبة الإبداع في يوم ما. والثقافة الساحلية تتطلب منا أيضًا التعرف على بعض الوظائف والثقافات الخاصة لتفعيل الرسالة الحضارية لهذه السواحل. ومن أبرز السواحل والموانئ الخليجية: ميناء الملك عبدالله السعودي، ميناء خليفة الإماراتي، ميناء صحار العماني.
ولنا أن نتساءل: هل يا ترى ساهمت هذه السواحل في الانفتاح على الآخر وخلق صيغ حضارية قادرة على التعامل والتواصل مع الحضارات الأخرى؟
نقول: نعم، وبكل أمانة وصدق وشفافية، لأن تداعيات الخطاب السواحلي يفاجئنا كل يوم بالجديد، ويستغرق كماًّ من الإنجازات التي تؤسس في أذهاننا جميعًا قيمًا إبداعية ذات أبعاد عجائبية تنقل النسيج الاستراتيجي لذهن المتلقي، وتشير إلى جملة الهواجس التي تدور في مخيلة المبدع في هذه العوالم الشاطئية منذ أخذ على عاتقه ضرورة الانفتاح على الآخر للتماهي مع تداعيات الخطاب الساحلي وذلك لترسيم الحدود الممتدة بامتداد البصر والتي من خلالها يستطيع أن يتداخل مع سيكولوجية المنظومات الساحلية التي لا تقف عند حدود زمان أو مكان إطلاقًا.
وعليه سيظل التفاعل والتواصل مع الحضارات الأخرى عبر حركة المد والجزر بجميع أنساقها التي استقطبت الهواجس الشاطئية في تحد. إن مواجهة صخب الحياة، المرتبط إلى حد كبير بصخب الأمواج التي تتراوح بين هدوء وعاصفة، لتتواءم مع معطيات الحياة الساحلية المليئة بالمغامرات المخيفة حيناً والحالمة حينًا آخر، سوف تبرز دور الإمارات خاصة ودول الخليج عامة في خلق تلك الصيغ الحضارية التي تناغمت فيها وبنجاح مع الحضارات الأخرى.. بل كانت لها أحياناً الرافد الذي تستقي منه أدبيات جوهر الرسالة الحضارية.