صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

التّشرّد الجديد

توم هانكس ينام في المطار في فيلم «المحطة» للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ

توم هانكس ينام في المطار في فيلم «المحطة» للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ

كلّ من اطّلع على قصّة الإيراني مهران كريمي ناصري، أو «السّير ألفريد مهران»، الرّجل الّذي مكث منذ 1988، في مطار رواسي شارل ديغول Roissy Charles-de-Gaulle بباريس، بالمحطّة الأولى، ثماني عشرة سنة، ولم يغادره إلاّ سنة 2006 للمعالجة، لا بدّ أن يستحضر شخصيّتي «بوزّو» Pozzo و«لاكي» Lucky اللّذين ظلّا طيلة مسرحيّة صامويل بيكيت Samuel Beckett «في انتظار غودو». فما يمكن أن يتعلّمه المرء من قصّة مهران كريمي ناصري هو أنّ فنّ الانتظار في رائعة بيكيت قد غادر خشبة المسرح وعوالم الفنون، وحلّ في أروقة المطارات وطوابير المنتظرين الّتي لا تكاد تنتهي. وقد آذن ذاك الانتقال بأنّ عهداً جديداً من تاريخ التّشرّد قد دقّ الأبواب، حاملاً معه أسوأ الأخبار، وهو أنّ فنّ الضّيافة واستقبال الغريب قد ولّى الأدبار منذ زمن بعيد. بيد أنّ قصّة هذا الرّجل الإيرانيّ الّتي خرجت بفنّ الانتظار إلى الواقع سرعان ما عادت به إلى عالم الفنّ من جديد.

ألهمت قصّة مهران العجيبة بغرابتها الفنّ السّينمائيّ. فقد استوحى المخرج الفرنسيّ فيليب ليوري Philippe Lioret بعض أحداثها ليخرج فيلم «السّاقطون من السّماء» (Tombés du ciel) معالجاً بواسطته معضلة «فاقدي الأوراق» على نحو كوميديّ. ولكن يعود الفضل الكبير إلى المخرج الأميركيّ ستيفن سبيلبيرغ Steven Spielberg في ذيوع هذه القصّة وانتشارها العالمي لمّا أخرجها بفيلمه «المحطّة» (Terminal). وقد اضطلع توم هانكس Tom Hanks بدور البطولة فيه متقمّصاً شخصيّة فيكتور نفروفسكي Viktor Navorski، الشّبيهة إلى حدّ كبير بشخص مهران كريمي ناصري. ويبدو أنّ كتّاب سيناريو فيلم سبيلبيرغ قد استلهموا أحداث فيلمه هذا من سيرة «السّير ألفريد مهران» الذّاتيّة دون أن يُنَصَّ على ذلك في إعلان الفيلم.
تبدأ أحداث هذا الفيلم الدّراماتيكيّة بوصول فيكتور نفروفسكي إلى مطار جون فيتزجيرالد كينيدي (JFK) بنيويورك، آتياً من كراكوزي، وهو بلد خياليّ من شرق أوروبا. وقد صادف وصولَه انقلابٌ جدّ في بلده اندلعت على إثره حرب أهليّة كان من تبعاتها السّلبيّة أن مُنِع فيكتور نفروفسكي من زيارة نيويورك وتحقيق وصيّة والده، وهي الحصول على أوتوغراف بِني غولسون Benny Golson أحد عازفي الجاز الكبار من فرقة «جاز ميسنجرز» Jazz Messengers. ولكن قبل أن يحقّق مبتغاه ويضع رجليه خارج المطار متجوّلاً في شوارع بروكلين، وجد نفسه يخوض رغم أنفه مغامرة الطّريد المتشرّد طيلة شهور كان فيها محجوزاً في قاعات المطار ومحطّاته محروماً من رخصة الدّخول إلى الأرض الأميركيّة ومجرّداً من حقّ العودة إلى دياره. ورغم عوائق التّواصل اللّغويّ بالإنجليزية، ووضعه الحرج بسبب أوضاع بلاده السّياسيّة، قرّر فيكتور نفروفسكي أن يقيم في أرض المطار قرب بعض المحطّات لا يبرحها. غير أنّ الحياة مع إدارة المطار لم تكن سهلة. فقد كان فرانك ديكسون Frank Dixon مدير مطار (جي آف كي) المؤقّت ينظر إلى هذا الغريب المتشرّد بعين ساخطة، فسعى بكلّ السّبل إلى الإيقاع به ودفعه إلى مغادرة المطار بصفة غير قانونيّة حتّى يتمكّن من القبض عليه وسجنه. ولكنّه لم يفلح في مسعاه. ومنذ تلك اللّحظة بذل كلّ ما في وسعه لجعل حياة نفروفسكي شبه مستحيلة، بسدّ أبواب الرّزق عليه، إذ كلّما عثر بطلنا المتشرّد على عمل صغير في المطار يقتات منه، سارع المدير إلى طرده منه. ولكنّه في النّهاية كسب تعاطف موظّفي المطار جميعاً، فمكّنوه من دخول نيويورك على مرأى من المدير ورغم أنفه.

مأساة ناصري
وإنْ كان نفروفسكي قد مُنع من دخول نيويورك لسبب سياسيّ، فإنّ مأساة مهران كريمي ناصري قد بدأت من اللّحظة الّتي أضاع فيها أوراقه الرّسميّة الّتي تثبت هويّته وتسمح له بعبور الحدود. والحقّ أنّ قصّة تشرّده قد بدأت قبل ذلك بسنوات. فعندما كان طالباً في جامعة برادفورد في العلوم الاجتماعيّة، شارك مع جمعيّة الطّلبة الإيرانيّين في المظاهرات المندّدة بنظام الشّاه. وحين قرّر سنة 1976 العودة إلى إيران استقبله رجال السّافاك (بوليس الشّاه السّرّي) في المطار، وقبضوا عليه بسبب أنشطته النّضاليّة. وبعد أربعة أشهر من الحجز والتّعذيب، طرد مهران من وطنه، فحاول الحصول على اللّجوء السّياسي من السّلطات الإنجليزية الّتي رفضت طلبه وطردته. وقد تكرّر الأمر بالطّريقة نفسها خمس مرّات في ألمانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكيا، كلّما طلب اللّجوء السّياسي جوبه بالرّفض والطّرد. غير أنّه يوم 7 أكتوبر 1981 اعترفت السّلطات البلجيكيّة به وتحصّل على بطاقة لاجئ رقم 86399. ولم يطل به المقام في بروكسل، فقد التقى بأحد اللاّجئين الإيرانيّين وأخبره بأنّ أمّه الحقيقيّة، وتدعى سيمون، تعيش في غلاسكو. فسافر بأوراق رسميّة إلى بريطانيا باحثاً عنها في 16 نوفمبر 1984. وهناك ارتكب حماقة الاستظهار ببطاقة اللاّجئ مؤمّلاً من ذلك ألا تعيده السّلطات البريطانيّة إلى الأرض البلجيكيّة. ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد طُرد من انجلترا، وعاد إلى بلجيكا مجرّداً من كلّ أوراقه، فأغلقت أبواب العودة في وجهه. منذ ذلك التّاريخ بدأت مداركه العقليّة تعاني بعض الاضطراب، من ذلك أنّه صار يرفض هويّته السّابقة، واستعاض عن اسمه القديم باسم آخر هو «السّير ألفريد مهران».
وبعد تشرّد طويل حلّ في بولونية Boulogne-sur-Mer بفرنسا سنة 1985، فلم يطرد منها، ولكنّ السّلطات الفرنسيّة حكمت عليه بالسّجن ثلاثة أشهر بسبب إقامته غير الشّرعيّة في أراضيها. في سنة 1992 كانت فرنسا مستعدّة لمنحه حقّ الإقامة شريطة أن يستظهر ببطاقة اللاّجئ الّتي مُنحت له في بلجيكا. ولكن كيف يمكن مغادرة الأرض الفرنسيّة إنْ كانت الأوراق المطلوبة في الخارج؟ بعد سبع سنوات وافقت السّلطات البلجيكيّة على تسليمه تلك الأوراق فسافر في يونيو 1999 رفقة السّيّد بورجي Bourget والدّكتور بارقان Dr Bargain إلى محكمة بوبينيي Bobigny لسحب أوراقه الجديدة. وكانت المفاجأة في انتظار الجميع. فقد رفض مهران كريمي ناصري أن يمضي تلك الوثائق لأنّها لم تكن تحمل اسمه الجديد «سير ألفريد مهران»، ناكراً أن يكون إيرانيّاً، مدّعياً أنّ أباه سويديّ وأمّه دنماركيّة. ولم يكن من السّهل إقناعه بالتّراجع عن ذلك بعد أن استولى الجنون على عقله. ومنذئذ لم يتغيّر شيء في وضعه. فقد ظلّ مهران دون أوراق، جالساً كلّ يوم في ركنه المعتاد على المقعد نفسه، قريباً من بوتيك «الرّولي» Relay حيث كان يُباع كتابُه عن سيرته الذّاتيّة. وقد اكتسب مهران كريمي ناصري بمرّ الأعوام شهرة واعترافاً عالميّين، تشهد عليهما كمّ الرّسائل وبطاقات البريد الّتي أرسلت إليه من كلّ بلدان العالم، حاملة العنوان التّالي: «السّير ألفريد، مطار شارل دغول، المحطّة الأولى، رواسي، 95700».

قبضة الحكم الحديدية
تؤكّد القصّتان أنّ فنّ الحكم في الأزمنة الحديثة قد تغيّر موضوعه، منذ أن أضحى فنّاً قائماً على مراقبة الطّرقات، وشبكاتها المختلفة: أرضاً وبحراً وجوّاً. فلم تعد الدّول اليوم تهتمّ كثيراً بمراقبة أجساد السّكّان والسّيطرة عليها بشتّى أشكال العنف لاستثمارها وجعلها منتجة، وإنّما صارت تُعنى بحركة دورانهم وتنقّلهم ومراقبة شبكات الطّرقات المختلفة. آيةُ ذلك أنّ ظاهرة التّرحّل والتّشرّد منذ قديم الزّمان، وحتّى في القرون الوسطى، كانت شائعة لا شيء يحدّ من حرّية النّاس في التّنقّل والتّرحال. ولا نحتاج إلى الإكثار من الأمثلة التّاريخيّة، فقد كان أبطال التّرحال كالتّجّار والجنود والرّهبان (في الأرض)، والبحّارة والقراصنة (في البحر) مرافقين دائماً بقطّاع الطّرق واللّصوص والمغامرين والمتشرّدين والمُكَدِّين من سائلي السّبيل. يكفي في هذا المقام أن نستحضر نصوص «مقامات الهمذاني» ونتابع خارطة تشرّد بطلها أبي الفتح الإسكندريّ وتنقّله بين مدن أرض الإسلام وحواضرها وقراها وبواديها، وظهوره المتكرّر هنا وهناك على نحو مباغت، حتّى نتأكّد أنّ بطل الهمذاني كان يمثّل أفضل تمثيل طراز «إنسان الطّريق»، Homo viator. أو ليس هو القائل في آخر المَقَامَة الجَاحِظيَّة:
إِسْكَنْدَرِيَّةُ دَارِي/ لَوْ قَرَّ فِيها قَرَارِي
لكِنَّ لَيْلِي بِنَجْدٍ/ وَبِالحِجَازِ نَهارِي.

أو لم يقل في آخر المَقَامَة الأَذْرَبِيجَانِيَّة:
أنا جَوَّالةُ البِلادِ وجَوَّابِةُ الأُفُقْ
أَنَا خُذْرُوَفةُ الزَّمانِ وَعَمَّارَةُ الطُّرُقْ
لاَ تلُمْنِي لَكَ الرَّشَادُ عَلَى كُدْيَتي وذُقْ
وفي المَقَامَة الفزاريّة، ألم يعرّف بنفسه قائلاً: «أَجُوبُ جُيُوبَ البِلاَدِ، حَتَّى أَقَعَ عَلى جَفْنَةِ جَوادٍ»؟
مثل هذه العبارات وما ضارعها في الآداب الأخرى لم يعد بالإمكان التّلفّظ بها في الأزمنة الحديثة لأنّها أضحت من قبيل ما لا يُفكّر فيه. ذلك أنّ التّكنولوجيا الجديدة في الحكم لم تحدّ من هجرة النّاس وترحّلهم، ولكنّها ابتدعت أشكالاً جديدة من التّشرّد لمّا ضيّقت الخناق على كلّ الهاربين من قبضتها بتشديد الحراسة على بوّابات المدن ومنافذها. ينبغي، أن نستحضر، هاهنا، تلك الصّفحات الكثيفة الّتي افتتح بها ميشال فوكو كتابه الشّهير «تاريخ الجنون»، لمّا وصف «سفينة الحمقى» Sultifera navis الّتي كانت ترحل بهم من مرفأ إلى آخر دون أن ينزلوا منها. فقد كانوا في رحيل لا يتوقّف قد أقصوا خارج أبواب المدينة. فهم يشغلون داخل الخارج، وليس لهم من سجن سوى العتبة ذاتها. في هذا السّياق، يصف فوكو بحسّ شعريّ مرهف شخصيّة المجنون الملتبسة كثيراً بشخصيّة المتشرّد: «فالمجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع فكاكاً منه، قد سلّم أمره للنّهر ذي الأذرع المتعدّدة، وإلى الماء ذي السّبل المتعدّدة، إنّه يسلم نفسه إلى عالم اللاّيقين الرّهيب الموجود خارج كلّ شيء. إنّه مسجون ضمن السّبل الأكثر حرّية والأكثر انفتاحاً [...]. والأرض الّتي سيحطّ فيها تجهل عنه كلّ شيء، تماماً كما لا تعرف اليابسة الّتي تطئها رجلاه من أيّ أرض هو آت، فلا حقيقة له ولا وطن له إلاّ في ذلك الامتداد الخصيب بين البراري الّتي لا يمكنه الانتماء إليها». (ميشال فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ص 33).
وإنْ كان خوف المدينة من المجنون قد تلاشى يوم زُجّ به في المصحّات العقليّة، فإنّ فزعها من كلّ غريب قد قلب كلّ ضيف إلى عدوّ. ولا غرابة في ذلك. ففي اللّسان الإغريقيّ يطلق على الغريب لفظ Xénos ويعني أيضاً العدوّ الّذي يمكن أن يصبح ضيفاً. مثل هذا الانقلاب قد عانى منه الغجر. فبعد أن أحسنت كلّ بلدان أوروبا وفادتهم طيلة القرن الخامس عشر، أصبحوا منذ منتصف القرن السّابع عشر هدفاً للتّدابير الزّجريّة القاسيّة. فقد صاروا يعاملون معاملة «المتسكّعين والمتشرّدين»، فطُرِدوا وطُوِردوا من كلّ مكان في أوروبا. فمُنع الاقتراب منهم، وحُظر عليهم التّنقّل والتّجوّل، وفُرض على الشّعب البوهيمي المنفى الجماعيّ، وأُصدرت في شأنهم أوامر وبلاغات كثيرة، منها البلاغ الرّهيب الّذي أصدره وزير لويس الرّابع عشر كولبار Colbert في جويلية 1682 «ضدّ البوهيميّين»، يأمر فيه مشرفي الملك وممثّلي وزير العدالة والضبّاط بإيقاف الرّجال منهم واقتيادهم دون جناية واضحة إلى السّفن الحربيّة ليجدّفوا فيها مدى الحياة. أمّا النّساء فتحلق رؤوسهنّ، وإذا ما تمادين في الحياة البوهيميّة، فإنّهنّ يتعرّضن لعقوبة الجلد والطّرد من المدينة. أمّا الأطفال فيساقون إلى المستشفيات لتربيتهم وفق التّعاليم المسيحيّة. واستمرّ الحال على الوتيرة نفسها في القرون الموالية، فقد كانت القوانين الّتي تجرّم التّسكّع وتدين التّسوّل قد أجبرت جماعات الغجر على الخضوع لتدابير المراقبة والإقامة. وقد ساءت حالهم كثيراً في نهاية القرن التّاسع عشر. فقد اتّهم الغجر الآتون من أوروبا الدّانوبيّة والبلقانيّة، بعد حرب 1870 بالتّعاون مع المصالح الألمانيّة. وانتهى الأمر في فرنسا بإصدار قانون 1912 الخاصّ بالرّحّل، حيث اتّخذت فيه تدابير صارمة هيّأت لظهور أشكال جديدة من الرّقابة الإداريّة والبوليسيّة كان من ضحاياها الأوائل أصناف المتشرّدين المختلفة، وعلى رأسهم الغجر.

الحارقون والحالمون
وقد ازدادت هذه التّدابير اليوم صرامة وقسوة. وكان من نتائجها الغريبة أنّ حراسة الحدود المتشدّدة، ومراقبة الدّاخل والخارج من كلّ بلد قد ابتدع أنواعاً جديدة من التّشرّد. فإذا كان المتشرّد القديم هو الّذي طردته المدينة أو تطارده أضحى المتشرّد اليوم هو ذاك الّذي يحاول عبور الحدود الجغرافيّة السّياسيّة على غفلة من شرطة الحدود وضبّاط الجمارك. مثل هذا الصّنف من المتشرّدين المطاردين يُسمّى «الحارقون». وهي تسمية تونسيّة خالصة أطلقت على الّذين يغادرون أوطانهم خلسة بلا أوراق رسميّة. وهم يمثّلون فئة ما فتئت تتكاثر مع الأيّام يطلق عليهم بتعبير فرنسيّ صفة «les sans papiers» أي «أناس دون أوراق». فالحارقون قد جعلوا جنّة أحلامهم خارج الوطن، وراء الحدود، هنالك في الغرب المسيحي الرّأسماليّ الأوروبيّ الأميركيّ...
يخوض «الحارقون» مغامرة البحر. فهم يواجهون خطر الموت غرقاً. إلاّ أنّهم، بركوبهم البحر، يستعيدون النّشاط الملاحيّ القديم. وهو يقوم على الخيار الّذي راج في الأزمنة الحديثة، زمن الاكتشافات والاستكشافات: «المرفأ أو الموت le port ou la mort»، أي نشاط المخاطرة، وقد أضيفت إليه تقنيات السّعادة الجديدة. فكلّ واحد من «الحارقين» إنّما هو ذاك الكائن الّذي يتّجه دوماً إلى الأمام بالارتماء في المجهول. فهو يمثّل الكائن المندفع في العالم الّذي أضحى شكل وجوده هجوميّاً اقتحاميّاً في العالم، في سياق معولم يبيح انتقال البضائع والأشياء والمواضيع بجميع أشكالها المادّيّة أو الافتراضيّة، ويعطّل في شبكته الهائلة تنقّل البشر.
ما الّذي يمكن أن نستخلصه من أنموج المتشرّد اليوم في مجتمع المخاطر؟ إذا استحضرنا قصّة مهران ناصري كريمي وحكايات «الحارقين» لوجدنا أنّ ما يجمع بينهم لا ينبغي أن يختصر في عدم تمتّعهم بأوراق رسميّة (كالفيزا أو عقود عمل...) تبيح لهم الانتقال إلى بلدان أخرى على نحو قانونيّ. فبين كلّ المتشرّدين شبه عائليّ يمكن حصره في مسألة الهويّة. فعندما ينكر مهران أن يكون «إيرانيّا» ويصنع بنفسه اسماً جديداً «سير ألفريد مهران» ونسباً آخر، فذلك يعني أنّ ظاهرة التّشرّد إنّما هي الجزء البارز المرئيّ من جبل الثّلج. أمّا الجزء الأكبر المتواري، فيخفي أزمة عميقة تخصّ عموماً التّحوّلات الاجتماعيّة. فحكايات المتشرّدين تعلّمنا أنّ ظاهرة التّشرّد، بأنواعها القديمة والجديدة، إنّما هي نتاج تهافت الهويّات التّقليديّة ووهنها. وهو تهافت يمكن تفسيره بفكرة المرور أو الانتقال من هويّة موروثة إلى هويّة مكتسبة. ففي العالم الحديث، أصبحت هويّة الأفراد الخاصّة لا تبنى اليوم بالميراث العائليّ، وإنّما بسيرهم الذّاتيّة، أي بما ابتدعوه من أعمال وما تحمّلوه من مسؤوليّات. فالتّشرّد إن كان يعرب من جهة عن تفكّك في علاقات الذّات بفضائها العائليّ أو الوطنيّ أو الثّقافيّ... فإنّه يمكّننا من معرفة التّغيّر الاجتماعي بوصفه تفكّكاً في الرّوابط الاجتماعيّة الجامدة. فعندما يغيّر مهران اسمه ونسبه على نحو فرديّ ذاتيّ، فإنّه يعلمنا بأنّ قواعد اللّعبة قد تغيّرت. ذلك أنّ الأصل في عمل التّسمية هو أن يتلقّى الإنسان من الآخر هبة الاسم. غير أنّ المتشرّدين قد علّمتهم محنة اجتياز الحدود ومفارقة الأوطان أنّه يمكن التّخلّي عن كلّ ميراث، بما في ذلك الاسم العائليّ، وتشييد هويّة أخرى ذات مشهد اجتماعيّ خاصّ بمعايير الحرّيّة والقرار والإرادة.
ولكن إذا كانت ظاهرة «الحَرْقَة»، أو اجتياز الحدود، هرباً من وطن قد ضاق من بعض ساكنيه، تمثّل وجهاً جديداً من وجوه التّشرّد، فإنّ حلم العودة المستحيلة إلى أرض قد احتلّها العدوّ تمثل وجهاً آخر من التّشرّد ابتدعتها الدّول الكليانيّة الحديثة بجميع نسخها الفاشيّة والنّازيّة والشّيوعيّة والصّهيونيّة... ولعلّ اللاّجئ الفلسطينيّ هو أفضل من يمثّل هذا الوجه. فهو ضحيّة الحدود الّتي تنتصب أمامه لتمنع عودته وتمحو ذاكرة المكان. إنّ الصّفحات الأولى من سيرة المفكّر الفلسطينيّ الرّاحل إدوارد سعيد تبيّن أنّ رهان المنفى القسريّ غايته القصوى هو ابتداع هذا الإحساس الّذي لا يحتمل بفقدان ذاكرة المكان. يقول سعيد: «وكان أحد الأسئلة الرّوتينيّة الّتي وجّهها إليّ الموظَّفون الإسرائيليّون (لمّا كان جواز سفري الأميركيّ يشير إلى أنّي ولدت في القدس) هو الموعد المحدّد الّذي غادرت فيه إسرائيل بعد الولادة. فكنت أجبت أنّي غادرت فلسطين في كانون الأوّل/ديسمبر 1947، مشدّداً على كلمة «فلسطين». «هل لديك أنسباء هنا؟» كان السّؤال التّالي الّذي أجبت عليه بـ«لا أحد»، وقد امتلكني شعور من الحزن والخسران لم أكن أتصوّر أنّي سوف أختبره. ذلك أنّه مع حلول 1948 كانت عائلتي الموسّعة كلّها قد أجليت عن المكان وعاشت في المنفى منذ ذلك الحين. على أنّي في عام 1992 تمكّنت للمرّة الأولى منذ مغادرتنا عام 1947، من زيارة المنزل الّذي تملكه عائلتي في القدس الغربيّة والمنزل الّذي نشأت فيه أمّي في النّاصرة ومنزل خالي في صفد وغيرها من المنازل. وإذا هي في زيارتي الثّانية يسكنها جميعها ساكنون جدد تذرّعوا بأسباب عاطفيّة كابحة جدّاً ومبهمة جدّاً لعرقلة دخولي إليها مرّة ثانية، بل لمنعي عمليّاً من الدّخول ولو من أجل إلقاء نظرة خاطفة» (إدوارد سعيد، خارج المكان، ص20).
هل تُولّد تجربة التّشرّد كلّ ذاكرة جريحة؟ يجيبنا درويش بقصيدة «جواز السّفر» على نحو بشريّ مفرط في بشريّته: «[...] عارٍ من الاسم، من الانتماءْ/ في تربة ربَّيتها باليدينْ/ أيّوب صاح اليوم ملء السّماء:/ لا تجعلوني عبرة مرّتين!/ يا سادتي! يا سادتي الأنبياء/ لا تسألوا الأشجار عن اسمها/ لا تسألوا الوديان عن أُمّها/ من جبهتي ينشقّ سيف الضّياء/ ومن يدي ينبع ماء النّهر/ كلّ قلوب النّاس... جنسيّتي/ فلتسقطوا عنّي جواز السفر!/».
ما الّذي تعرضه علينا كلّ هذه الأمثلة؟ أمور كثيرة لعلّ أهمّها أنّنا نعيش في «مجتمع المخاطر» المختلف عن مجتمعات الاستهلاك والفرجة، في عالم كلّ شيء فيه يتآمر على كلّ ما هو ثابت كالعلاقات الدّائمة والهويّات الّتي لا تتغيّر والمشاريع الطّويلة المدى. فلا يمكن التّعويل على ضمانة العمل القارّ ولا على العلاقات المحميّة من كلّ كراهية. فلا أحد يضمن أنّ ما نعرفه اليوم قد يكون ذا فائدة غداً، وأنّ كلّ علاقة قد تكون يوم غد مهدّدة بالفتور والوهن والخيانة. فأخلاق اليوم شبيهة بأخلاق المتشرّدين الّذين لا يعلمون كم من يوم سيمكثون كلّما حطّوا الرّحال؟ ذلك أنّ دوام الاستقرار في المكان نفسه ليس من شيمهم. فما يعرفونه حقّاً هو أنّه من المحتمل أن لا يقيموا في المكان نفسه طويلاً. فما يدفع المتشرّد إلى تغيير الأمكنة إنّما هو خيبته من المقرّ الأخير، وأمله في أنّ المكان المقبل الّذي هو مازال في حكم المجهول، سيكون مضيافاً خالياً من العيوب والأضرار الّتي تجعل الاستقرار فيه مستحيلاً.

خارج المكان.. خسران لا يمكن وصفه
إنّ الصّفحات الأولى من سيرة المفكّر الفلسطينيّ الرّاحل إدوارد سعيد تبيّن أنّ رهان المنفى القسريّ غايته القصوى هي ابتداع هذا الإحساس الّذي لا يحتمل بفقدان ذاكرة المكان. يقول سعيد: «وكان أحد الأسئلة الرّوتينيّة الّتي وجّهها إليّ الموظَّفون الإسرائيليّون (لمّا كان جواز سفري الأميركيّ يشير إلى أنّي ولدت في القدس) هو الموعد المحدّد الّذي غادرت فيه إسرائيل بعد الولادة. فكنت أجبت أنّي غادرت فلسطين في كانون الأوّل/ ديسمبر 1947، مشدّداً على كلمة «فلسطين». «هل لديك أنسباء هنا؟» كان السّؤال التّالي الّذي أجبت عليه بـ«لا أحد»، وقد امتلكني شعور من الحزن والخسران لم أكن أتصوّر أنّي سوف أختبره. ذلك أنّه مع حلول 1948 كانت عائلتي الموسّعة كلّها قد أجليت عن المكان وعاشت في المنفى منذ ذلك الحين. على أنّي في عام 1992 تمكّنت للمرّة الأولى منذ مغادرتنا عام 1947، من زيارة المنزل الّذي تملكه عائلتي في القدس الغربيّة والمنزل الّذي نشأت فيه أمّي في النّاصرة ومنزل خالي في صفد وغيرها من المنازل. وإذا هي في زيارتي الثّانية يسكنها جميعها ساكنون جدد تذرّعوا بأسباب عاطفيّة كابحة جدّا ومبهمة جدّا لعرقلة دخولي إليها مرّة ثانية، بل لمنعي عملياً من الدّخول ولو من أجل إلقاء نظرة خاطفة».
إدوارد سعيد، خارج المكان، ص20

جواز السّفر
هل تُولّد تجربة التّشرّد كلّ ذاكرة جريحة؟
يجيبنا درويش بقصيدة «جواز السّفر» على نحو بشريّ مفرط في بشريّته:
[...] عارٍ من الاسم، من الانتماءْ
في تربة ربَّيتها باليدينْ/
أيّوب صاح اليوم ملء السّماء:
لا تجعلوني عبرة مرّتين!
يا سادتي! يا سادتي الأنبياء
لا تسألوا الأشجار عن اسمها
لا تسألوا الوديان عن أُمّها
من جبهتي ينشقّ سيف الضّياء
ومن يدي ينبع ماء النّهر
كلّ قلوب النّاس... جنسيّتي
فلتسقطوا عنّي جواز السفر!

رحيل أبدي
ينبغي، أن نستحضر، هاهنا، تلك الصّفحات الكثيفة الّتي افتتح بها ميشال فوكو كتابه الشّهير «تاريخ الجنون»، لمّا وصف «سفينة الحمقى» Sultifera navis الّتي كانت ترحل بهم من مرفإ إلى آخر دون أن ينزلوا منها. فقد كانوا في رحيل لا يتوقّف قد أقصوا خارج أبواب المدينة. فهم يشغلون داخل الخارج، وليس لهم من سجن سوى العتبة ذاتها. في هذا السّياق، يصف فوكو بحسّ شعريّ مرهف شخصيّة المجنون الملتبسة كثيراً بشخصيّة المتشرّد: «فالمجنون المحتجز داخل مركب لا يستطيع فكاكا منه، قد سلّم أمره للنّهر ذي الأذرع المتعدّدة، وإلى الماء ذي السّبل المتعدّدة، إنّه يسلم نفسه إلى عالم اللاّيقين الرّهيب الموجود خارج كلّ شيء. إنّه مسجون ضمن السّبل الأكثر حرّية والأكثر انفتاحاً [...]. والأرض الّتي سيحطّ فيها تجهل عنه كلّ شيء، تماماً كما لا تعرف اليابسة الّتي تطأها رجلاه من أيّ أرض هو آت، فلا حقيقة له ولا وطن له إلاّ في ذلك الامتداد الخصيب بين البراري الّتي لا يمكنه الانتماء إليها».