رأي الناس

اصفحوا عن كل مسيء

عندما كنت طفلة في الحادية عشرة من عمري، ألهو وألعب في المدرسة والمنزل، وبينما كنت مندمجة في اللعب مع الصديقات، إذا بصديقتي تدفعني من غير عمد عن الأرجوحة التي كنت ألعب عليها، لأسقط على الأرض، وأُصاب بجروح بالغة محت ملامح وجهي بسبب تدفق الدم من جرحي، تألمت كثيراً، ورحت أبكي طويلاً إلى أن اتصلت إدارة المدرسة بأمي - رحمها الله-، وجاءت مهرولة ومذعورة من الموقف الذي جرى لي، ذهبنا إلى المستشفى وأخذت العلاج اللازم، لأعود إلى المنزل بعد يوم طويل، وأنام في حضن أمي، ولكن وأنا نائمة كنت أتمتم قائلة: «لن أسامحك يا مريم، لأنك دفعتني بقوة، لن أسامحك حتى لو كنت لم تقصدي ذلك!»
ضحكت والدتي وجعلتني أرتاح، وبعد أن استيقظت من نومي، التفتت إليّ بكل حب، قالت لي: من الذي دفعك في المدرسة؟ فأخبرتها: لقد كانت صديقتي مريم، لن أسامحها يا أمي، حضنتني أمي وقالت لي: الله يبعد الشر عنك، بنيتي الحبيبة، هل رأيتني مرة حملت غلاً على أحد؟ قلت لها: أبداً، رأيتك دائماً محبة للجميع، تحبين الصغير والكبير، وتتجاوزين عن أخطائهم. فقالت: أما يجب على الابنة الصالحة البارة أن تسمع كلام أمها، وتعفو عمن ضرها أو ظلمها وتصفح عنه، وتذكر حسناته قبل سيئاته؟ استحيت من نفسي وخجلت كثيراً، ووعدت أمي منذ ذلك اليوم ألا أجرح أحداً، وأن أعفو عن كل من يسيء، وقد زارتني صديقتي مريم في المنزل، واطمأنت علي، وعادت صداقتنا من جديد.
خصلة العفو عن الناس من الخصال الحميدة التي يتوجب علينا التحلي بها، لما فيها من آثار اجتماعية إيجابية، تؤدي إلى خلق مجتمع متسامح متكافئ متعاون، لا يحمل الفرد فيه البغض والكراهية للآخر، وهناك بيت شعر ألقاه أحد الموجهين التربويين الحريصين على زرع مبدأ العفو عن الناس، حيث تحدث عن خصال الكرام التي يجب أن يكون أولها خصلة العفو عن الناس، فقال: (إن الكرام إذا صحبتهمُ... أخفوا القبيح وأظهروا الحسنا).