ألوان

حرفيو العالم.. في فضاء «زايد التراثي»

رابح إدريس يزخرف النحاس ببراعة ودقة (تصوير حميد شاهول)

رابح إدريس يزخرف النحاس ببراعة ودقة (تصوير حميد شاهول)

لكبييرة التونسي (أبوظبي)

كلما قادتك خطواتك إلى جناح «الحرف الحية» في مهرجان الشيخ زايد التراثي، المنعقد حاليا بمنطقة الوثبة، ويستمر إلى 27 من يناير المقبل، تقع عيناك على معرض حي مفتوح متعدد الألوان والأشكال، تمثله ورش من جميع أجنحة الدول الخليجية والعربية والأجنبية، المشاركة في المهرجان، يتضمن حرفاً تربط الماضي بالحاضر، ويختصر جولات الزائر لتمنحه باقة منتقاة من الحرف التراثية الأصيلة لهذه البلدان.
يلمس الزائر للجناح، توافر حزمة من المهارات والحرف الحية تسافر به إلى أقاصي العالم، وتجول معه في صناعات يدوية تأبى أن تشيخ، بل تزداد ألقا كلما عبرت بها السنين، حيث نقلها الأجداد إلى الأجيال الحالية، ويشكل هذا الموروث أيقونة المهرجان، حيث تجد في بقعة واحدة كل ما يمثل الدول من حرف تقليدية مشغولة على النحاس والجلد أو صياغة الحلي، أو الفسيفساء، أو الفخار أو الفضة أو الزرابي أو الصوف أو الزجاج، وحتى خيوط الذهب والفضة أو النقش على الخشب أو الخوص أو الحناء، أو التلي والبخور والعطور، وغيرها من المواد التي تعكس غنى الموروث الثقافي والحضاري للمهرجان، حيث يحظى الزوار بمراقبة عدد من الحرف اليدوية التي يبرع في تنفيذها صناع العالم، الذين ورثوا أسرارها ومهاراتها من آبائهم وأجدادهم، وأدخلوا عليها لمسات عصرية توائم الحاضر دون أن تفقد روحها وأصالتها.

نقش على النحاس
رابح إدريس الملقب بـ«عم إدريس»، ينقش بدقة متناهية على النحاس، وهي الحرفة التي تعلمها عن أمين المزخرفين في مدينة فاس المغربية منذ نعومة أظفاره، حيث برع في صنع أوان وديكورات نحاسية متقنة تتم باليد وبآلات وأدوات تقليدية كالمطرقة والمسامير، ما يضفي على كل قطعة تميزا كبيرا، وفي كل سنة من دورات المهرجان يبهر إدريس الزوار بجلب أدوات أبدع في زخرفتها بما يتناسب مع العصر الحالي محافظاً على أصالتها، لتناسب الديكور العصري وخطوط الموضة.
ومن الأواني التي يزخرفها «عم إدريس» بالطريقة التقليدية ويستعمل فيها حسابات رياضية وأشكال هندسية مستوحاة من الزخارف المغربية الأصيلة، ويبدع أدوات الشاي وأطباق الخبز وصواني التقديم، كما يتفرد بالنقش على أدوات من الفضة الخالصة تتميز بحجمها الضخم والمتفرد، حيث يتوافر على نسخة واحدة منها فقط، ولا يبخل إدريس في تعليم وشرح ما يقوم به للزوار، حيث يعطيهم نبذة عن فن الزخرفة على النحاس، وكيف تعلمها وكيف يطور فيها مع الحفاظ على رونقها وطابعها العميق.

نوافير وسقايات
وبالقرب من «عم إدريس»، يجلس ابن بلده إدريس العكري الذي يتميز بالتصميم والرسم والحفر اليدوي، ليشكل أيقونات متفردة من الخشب مستوحاة من الزليج البلدي أو الفسيفساء على شكل نوافير وسقايات تزين البيوت، وقال العكري الذي رسم باب منصور الذي يحتضن الجناح المغربي بمهرجان زايد التراثي، إن صنع هذه النافورة يمر بعدة مراحل، مشيرا ألى أن عمله يتطلب الصبر والمهارة والوقت أيضا، حيث تتداخل فيه العديد من الصناعات التقليدية، موضحا أن تواجده بالمعرض الحي بشكل دائم يشكل تشريفاً للصناعة التقليدية المغربية.

«صندوق المبيت»
التجوال داخل جناح «الحرف الحية» يختصر الزمن، فعندما يدلف الزائر المكان يجد نفسه وسط زخم وافر من الموروث التراثي والحرف التقليدية، منها ما يقدمه جاسم سلطان من الكويت، حيث يعمل يوميا على صناعة صناديق من الخشب وهي الحرفة التي تعلمها من أجداده وآبائه، وحافظ على طابعها الأصلي ونقلها إلى هذا الجيل مضيفاً لمساته الخاصة دون أن يلغي عراقتها، مؤكدا أن «صندوق المبيت» كان يصنع ليفي بغرض جمع بعض الحاجات الضرورية، أو ليستعمل كحامل لجهاز العروس وحفظ المؤونة، أما اليوم، فاستعمالاته كثيرة كونه دخل في الديكور العصري، وأصبح مطلوبا عند بعض الأشخاص الذين يوظفون الأدوات التراثية في المناسبات السعيدة، كالأعراس إحياء للماضي العريق، ما جعله يبتكر ويبدع ليجعل الصندوق براقا جميلا، وفي نفس الوقت محافظا على أصالته. وأكد سلطان أنه أدخل عليه بعض النقوش والحفر، وكذلك بعض الزخارف النحاسية، مشيرا إلى أن الصندوق اليوم يتم استعماله لحفظ المجوهرات للديكور المنزلي، ولحمل جهاز العروس، موضحاً أنه تعلم هذه الحرفة من أجداده، وسيحافظ عليها وينقلها بنفس الروح لأحفاده.

خوص النقدة
في زاويتها، جلست زكية علي من مملكة البحرين تمسك بأسلاك فضية، تشكل زهورا وأشكالا هندسية لامعة، من يلمحها من الوهلة الأولى يدرك قيمة ما تقوم به، رسومات متفردة على أطراف «الشيلة»، أو منسدلة على طول العباية وأخرى تتوقف عند الأكمام، لمعانها يجذب نظر الزائر ليتوقف ويسأل. حيث تؤكد زكية أن التطريز بأسلاك الفضة الخالصة يطلق عليها «نقدة»، وهي حرفة توارثتها من جداتها، وتحرص على الحفاظ عليها، تقوم بالتطريز على العباية والملاحف والشيلات، وأصبحت هذه الحرفة اليوم مطلوبة في ديكورات المنازل، وأكسسوارات البيوت، مثل تزيين الكؤوس ومناديل المائدة، وغيرها من الاستعمالات العصرية، متجاوزة ذلك الاستعمال القديم، حيث كانت تقتصر على تزيين السروال والكندورة والمشمار لعلية القوم أو للعروس.
وتبدع زكية في ابتكار أفكار إبداعية، حيث أصبح التطريز بأسلاك الفضة يدخل في بطاقات الأعراس والمعايدة، كما يطلبها الزوار كتذكار بسيط يطرز على منديل أو أطراف الأزياء، لافتة إلى أنها تجلب المادة الخام «أسلاك الفضة» التي يطلق عليها خوص النقدة من الهند، مشيرة إلى أن هذه الصناعة خاصة بمملكة البحرين، وتقدم فيها دورات في السعودية، خاصة في المناطق المتاخمة للحدود بين المملكتين.

عصرنة الموروث
«كان تلوين الخوص في البداية يتم بطريقة تقليدية تماما، حيث يدفن الخوص في باطن تربة سوداء أو تلوينه بألوان طبيعية يتم الحصول عليها من الطبيعة، أما اليوم فأصبحت الألوان الصناعية متوافرة لتختصر الجهد والوقت»، هذا ما عبرت عنه سعاد عبد الله أحمد الشريف من دارفور بالسودان، التي تقدم معروضاتها في جناح «الحرف الحية»، موضحة أنها تعلمت هذه الصناعة من جدتها وكانت تمارسها فيما سبق بالطريقة التقليدية، إلا أنها اليوم بدأت تبتكر وتصنع من الخوص الشنط، وحقائب الأيباد، وأكسسوارات الديكور، كما تدخل على منتجاتها مختلف الألوان والعقيق والخرز، لافتة إلى أنها لا تكتفي بالعمل على هذا الموروث، بل تقدم دورات وورش عمل تدريبية لنقله لهذا الجيل.

الخناجر اليمنية
خناجر حضرمية، وأخرى شبوانية ويافعية، كلها في مكان واحد، لكن تختلف صناعتها من جهة لأخرى حسب اتساع اليمن السعيد، ويعرض مروان أحمد علي العديد منها، بينما يعمل على زخرفة ونقش غمدها فقط، موضحا أن هذه العملية تمر بعدة مراحل، منها تثبيت الجلد على غمد من الخشب يناسب الخنجر المراد العمل عليه، ثم وضعه بالماء لمدة ليلتين، وبعدها يقوم بالنقش والزخرفة عليه، ثم يتم تجفيفه وبعد ذلك يطلى بالحناء للحصول على لون بني داكن، ثم يتم تثبيته بالصمغ.

حرف إماراتية
تحظى الحرف التراثية الإماراتية بحيز واسع في المهرجان، حيث تشارك أكثر من 10 حرف عريقة في جناح «الحرف الحية» تتنوع بين صناعة البخور والعطور، والتلي والسدو والغزل والخياطة والحناء، وغيرها من الصناعات التي تبرع النساء في إتقانها، ما يجعل المكان يفوح بالروائح، ويتلون بالعديد من الألوان. وقالت بدرية النعيمي التي تعرض مشغولاتها بركن الكرخانة، إنها تحمل ما تعلمته ومارسته على مر السنين لجمهور مهرجان الشيخ زايد التراثي العريض، موضحة أن الخياطة في الماضي كانت لا تتجاوز استعمال الخيوط، حيث يفصل القماش ويخاط، لكنها اليوم تختلف كثيرا، وتعمل بدرية على خياطة الكنادير للصغار والكبار والجلابيات. بينما جلست رضا عبد المجيد تدق الحناء، ووضعت أمامها الحناء الخضراء لتشرح للزائر كيف يتم جلبها طازجة ثم يتم تجفيفها، ثم دقها بالطريقة التقليدية وعزل الخشن منها عن الناعم عن طريق مشخل من القماش، ليتم تحضيرها وتصبح عجينة جاهزة بمزجها باللومي اليابس الدقوق والماء الفاتر.

نسيج البحرين
أبو عصام من مملكة البحرين، يجلس خلف النول لينسج الاسكارفات والشالات والأبسطة والوزر والغتر والبشوت وأشرعة السفن، فهو يمارس مهنته بشغف منذ أكثر من 35 عاما، فأصبحت الخيوط تنساب بين يديه مشكّلة أجمل الرسوم، المنسوجة من خيوط قطنية مزينة بالفضة أو الذهب.
ويشير أبو عصام أنه ورث الحرفة عن أجداده، وقضى فيها أجمل أيام عمره وسيعمل على نقلها للأجيال القادمة. أما فيما يخص تواجده بجناح «الحرف الحية»، فأكد أنه سعيد بتفاعل جماهير المهرجان مع ما يقوم به، حيث إن الكثير من الزوار يتساءلون عن طريقة العمل أو عن تاريخ الحرفة.

أزياء بوسنية
أكدت «مينكا» من البوسنة والهرسك، أنها تقدم في زاويتها مجموعة واسعة من الأزياء التقليدية الخاصة بالرجال والنساء والأطفال، لافتة إلى أن أغلب ما تعرضه صناعة يدوية تختلف باختلاف مناطق دولتها.