الإمارات

د.عادل يسين: رفع جودة الحياة هدف رئيس للمدينة المستدامة

الدكتور عادل يسين

الدكتور عادل يسين

لفت الدكتور عادل يسين أستاذ الهندسة المعمارية بجامعة عين شمس، وعضو المجمع العلمي المصري، الانتباه إلى أن الجامعة العربية عقدت عام 1997 مؤتمراً في القاهرة عن «العمارة الخضراء»، واستمرت فعالياته لمدة خمسة أيام، وشارك فيه كل المهتمين من الدول العربية بهذه القطاع، لكن لم يسفر عن نتائج ملموسة، اللهم إلا الكلمات التي وردت فيه. ويرى الدكتور يسين أن العمارة الخضراء التي تهدف إلى تدشين مدن مستدامة في عالمنا العربي لابد لها من الاهتمام بالإنسان وتطوير كل شيء لصالحه. المحور الرئيس يتمثل في البحث عن حياة أفضل، أي رفع جودة الحياة، وحسب يسين، أصدرت الأمم المتحدة في عام 2012 تقريراً عن المدن المستدامة، وتم إصدار نسخة باللغة العربية من العاصمة الأردنية عمّان في 120 صفحة، وتطرق التقرير باستفاضة إلى فوائد العيش في هذا النوع من المدن.

ويؤكد يسين أن الدعوة إلى العمارة الخضراء تتمحور حول 5 نقاط أساسية، أولاها: وضع مسألة الطاقة في الاعتبار أثناء صناعة مواد البناء، وحساب حجم الطاقة المستهلكة في إنتاجها، الأمر يختلف عند تدشين بيت خشبي أو آخر من الخرسانة، مواد البناء كالإسمنت والحديد،الألومونيوم والعمل على تقليل استهلاك الطاقة في جميع المواد التي يتم استخدامها في البناء. ثانيها: الاهتمام بآليات النقل ومدى استهلاكها للطاقة، فمن الصعب بناء منازل في مواقع المصانع المتخصصة في إنتاج مواد البناء، ما يستلزم وجود مراكز إقليمية لتصنيع هذه المواد بحيث تتوفر لكل منطقة مصانع قريبة تنتج مواد البناء، ما يقلل تكلفة النقل ويحد من الطاقة التي يتم استهلاكها في نقل هذه المواد لمواقع البناء. ثالثها: الحد من استهلاك الطاقة في مواقع التشييد، ومراعاة ما يستهلك منها في معدات البناء، وتلك مهمة تتعلق بإدارة مشاريع البناء. رابعها: مقاومة «متلازمة البناء المريض»، فأنظمة التكييف المركزي لها مضار صحية، ما يرفع تكلفة الرعاية الصحية في المجتمعات ويحد من قدرة الناس على الإنتاج، كما أن المباني المغلقة تؤثر على شخصية قاطنيها، خاصة ما يتعلق بها من أمراض نفسية كرهاب الأماكن المغلقة، ما يتطلب توفير نوافذ والاعتماد على وسائل الإنارة الطبيعية، وهذا ينطبق على المباني السكنية والإدارية.

خامسها: التخطيط لاستخدام مواد بناء قابلة للتدوير، على سبيل المثال استخدام طابوق يمكن فكه وإعادة استخدامه وهذا يتطلب تقنيات بناء غير تقليدية لا تعتمد على الإسمنت مثلاً. ويشير يسين إلى أهمية وضع اعتبارات الاستدامة التي تتطلب استخدام وسائل العزل الحراري وضبط معدلات الرطوبة وتوفير البيئة المناسبة للسكان. وأشاد يسين ب«اللوفر أبوظبي»، فتصميمه راعى الأفكار البيئية بكل أنواعها، ويقول: عند دخولك المتحف تجد إضاءة جيدة ورحابة في المكان ولا تشعر برهاب المناطق المغلقة، إضافة إلى التهوية الطبيعية ورؤية البحر وأشعة الشمس الرقيقة التي تتخلل المكان بجمال فائق.

الدعوة إلى المدن المستدامة مرتبطة بمكافحة التغير المناخي، الذي يتسبب في وجود ظروف مناخية متطرفة: حر شديد أو برد شديد، ما يتلف المحاصيل، ويضر بصحة الإنسان ويضعف إنتاجيته في العمل. وحسب يسين، أن التغير المناخي، وما يترتب عليه من تداعيات كارتفاع درجة الحرارة، سيزيد من تكلفة البناء، على سبيل المثال بدلاً من بناء حوائط سُمكها 25 سم، سنضطر إلى بناء حوائط بسُمك 50 سم لضمان العزل الحراري. ويشير يسين إلى أهمية عناصر التنمية الوطنية الثلاثة المتمثلة في المراكز البحثية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، فلابد من تعاون الأطراف الثلاثة لتشجيع العمارة الخضراء باعتبارها اتجاهاً حتمياً.



المدن المضغوطة واستدامة النقل

على صعيد آخر، يرى المهندس مأمون خليل المؤيد، وهو متخصص في تخطيط المدن من مملكة البحرين، أن نموذج Compact Cities، أو المدن المضغوطة، التي تعتمد على التوسع الرأسي في المباني على مساحات صغيرة، والذي يتم تطبيقه في هولندا وسنغافورة واليابان، يحقق بعض متطلبات الاستدامة، خاصة ما يتعلق بالنقل، وتوفير الوقت، واستثمار الأرض. المؤيد الذي كان مسؤولاً عن تخطيط وتصميم المدينة الشمالية في البحرين خلال الفترة من 2001إلى 2007 يرى أن هذا النموذج يتطلب تخطيطاً مُسبقاً وانسجاماً بين المخططين والمطورين العقاريين والمستثمرين، ويحقق توفيراً في الطاقة، على اعتبار أن المبنى يضم وحدات متعدد الاستخدامات سكنيةً وإداريةً وتجارية وخدمية، وهذا التوجه نراه قائماً في بعض التجمعات السكنية، لكنه يتطلب انتشار مجموعة من المباني وليس مبنى واحد، على أن يتواجد السكان على مقربة منها وتكون مقار عملهم داخلها، وبها معظم المرافق فمن يعيش في منطقة بها هذه المباني لن يستخدم وسائل مواصلات مقارنة بغيرها، ومن ثم سيوفر طاقة ووقتاً، وقد تكون بعض مدن الخليج مؤهلة لتطبيق هذا النموذج، خاصة في ظل انتشار الأبراج السكنية العالية.



وعي يتنامى

من جانبه، أشاد د. عبدالرحيم صابوني، الرئيس التنفيذي لشركة Span للاستشارات الإدارية، والرئيس بالإنابة لكلية الإمارات للتكنولوجيا، بمبادرة استدامة التي أطلقتها إمارة أبوظبي عام 2008، وما تحتويه من معيار «الآلئ» لتقييم المباني، الذي تم تطبيقه منذ عام 2010 وآلية تقييم المباني هي اتجاه عالمي انتشر منذ منتصف التسعينيات، خاصة معيار LEED الأميركي (الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة)، وفي دبي يوجد كود للمباني الخضراء تم تطويره في عام 2014 إلى نظام «السعفات»: برونزية وفضية وذهبية وبلاتينية، ومعايير التقييم تضمن جودة المباني ومن ثم راحة قاطنيها. «صابوني»، أستاذ الهندسة الإنشائية، وخبير في تصميم المباني، لديه قناعة بوجد وعي يزداد مع مرور الوقت لدى العامة والمهندسين بأهمية العمارة الخضراء، ويقول: صحيح أن التركيز كان في السابق على العمارة الجانب الاقتصادي في التشييد، والآن بدأ الوعي بضرورة تغليب الاعتبارات البيئية المتعلقة بترشيد الطاقة والمياه والحفاظ على الموارد، لما لها من نتائج إيجابية على المدى الطويل. ويرصد «صابوني» الجهد المبذول من البلديات والمؤسسات المعنية بحماية البيئة بالإمارات في مراقبة إنتاج مواد البناء بحيث تصبح صديقة للبيئة، خاصة مصانع الإسمنت.



استدامة من أجل الكوكب

وتؤكد «ريما الزعبي» خبيرة التصميم المعماري، ضرورة اللحاق بالجهود العالمية التي تسعى إلى حماية الحياة على هذا الكوكب، في ظل التقدم التقني السريع، ما أدى إلى زيادة استهلاك الطاقة وتضخم مستويات التلوث ما يفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. و في مواجهة هذه الظاهرة الكونية كانت دولة الإمارات سباقة، وانتهجت وسائل علمية كمبادرة "استدامة" واتجهت نحو تحويل جميع المنشآت الجديدة إلى أبنية خضراء، مستعينة بأحدث ما توصل إليه العلم من وسائل وتقنيات، ومن هنا ظهر نظام تقييم مشاريع البناء المستحدث حالياً و الذي يتم العمل به رسمياً، حسب شروط و معايير تحاكي نظيرتها العالمية.

وبشكل عام، فإن متطلبات تحقيق الاستدامة في المدن تتضمن ترشيد استهلاك المياه والاستفادة الصحيحة منها، و حماية المصادر المائية الطبيعية، ابتكار طرق ري تساعد على حفظ مخزون المياه دون هدر قدر الإمكان لتحقيق خفض الاستهلاك بنسبة 50 %. وأكدت الزعبي على أهمية الاستفادة من تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وغيرهما من مصادر الطاقة المتجددة، وتوفير شبكة نقل عام كفؤة غير مستهلكة للطاقة للتقليل من تلوث الغلاف الجوي، واستخدام مواد بناء قابلة للتدوير في المشاريع الجديدة.

نشر ثقافة الاستدامة يتطلب وعياً بدأت الجهات المختصة منذ سنوات بالتركيز عليه إيماناً منها بأن زيادة وعي الفرد هو العامل الأساسي في إنجاح تطبيق الاستدامة.

وترى «الزعبي» أن الابنية القديمة الموجودة أصلاً قبل البدء بنظام الابنية الخضراء و المبنية بشكل لا يتفق مع معايير الاستدامة الحالية يمكن تحويلها قدر الإمكان إلى أبنية صديقة للبيئة، من خلال إجراء دراسة منفصلة لكل بناء على حدة و تحديد نقاط الهدر في الطاقة والمياه، وتقليل المساحات الزجاجية للبناء كالنوافذ التي تستهلك طاقة تبريد أكثر و ذلك بإعادة تصميمها و استخدام الزجاج المزدوج العازل للحرارة. استخدام الأدوات الصحية الحديثة التي لا تستهلك كميات كبيرة من المياه ( كالحمامات مثلا) و المصممة للتحكم بنسب التدفق، إيجاد مسطحات خضراء على أسطح الابنية بنظام ري يستفيد من تدوير المياه و إعادة استعمالها، لمقاومة ما يعرف بالجزر الحرارية.


 

من التخطيط العمراني إلى التخطيط البيئي

 

ويرى د.عادل يسين إنه لا مفر من الاتجاه نحو توفير استهلاك الطاقة الناتجة عن مصادر تقليدية، والاعتماد على البدائل النظيفة، وفكرة المدينة المستدامة تعزز هذا الاتجاه. ويشير يسين إلى فكرة الأحياء المدمجة Compact District التي تهدف إلى تقليل كثافة النقل وتقليل مسافات الانتقال من مكان إلى آخر، على سبيل المثال تقليص المسافة بين محل السكن ومقر العمل، والحد من استخدام الطرق الإسفلتية، و ما ينجم عنها من تلوث،. تطبيق هذه الفكرة يتطلب تنويع الوحدات السكنية داخل الحي الواحد، لجعل السكن قريباً من مكان العمل. ومن الضروري، حسب د.يسين، إيجاد فكر جديد في التخطيط العمراني، بحيث لا يعتمد على الطرق التقليدية، بل يتجه نحو الاعتماد على ما يسمى التخطيط البيئي والمدن المستدامة والأحياء المستدامة والعمارة الخضراء.. وكل هذا من أجل توفير حياة أفضل..أو من أجل تحسين جودة الحياة.

انتهى