الإمارات

مؤشر المدن المستدامة 2016.. صدارة أوروبية



توفر مطالعة التقرير السنوي الذي تصدره مؤسسة «أركاديز» رؤية شاملة لمدى اقتراب المدن من معايير الاستدامة بيئياً واقتصادياً واجتماعياً، وفق مؤشر عام يضع هذه المعايير في حزمة واحدة.



يقول جون جي. باتين، المدير العالمي للمياه والمدن بمؤسسة «أركاديز» المتخصصة في التصميم والبناء إن استدامة المدن باتت تتحقق بطرق جديدة ومختلفة تماماً، والطريقة المثلى لفهم استدامة أية مدينة بطريقة حقيقية هي الجمع بين الأبعاد الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لتشكيل رؤية شاملة لكل مكان وموقعه على مقياس الاستدامة، وعندئذٍ فقط يمكننا الحصول على صورة واضحة بشأن ما إذا كانت المدينة مستدامة أم لا. مؤسسة أركاديز «تم تدشينها عام 1875 ومقرها مدينة أمستردام الهولندية. اسم الشركة مستمد من كلمة Arcadia في الأساطير الإغريقية القديمة ومعناها (أفضل مكان في الأرض)، وهو ما يعكس هدف المؤسسة المتمثل في إيجاد بيئة أفضل للناس للعيش والنماء، وبالطبع تؤثر الضغوط المتزايدة مثل نقص المياه والتغير المناخي، وأسعار المساكن، وعوامل التوظيف على جودة الحياة، ولا يمكن أن تكون لأية مدينة هوية فريدة من دون سكانها، عملاً بمقولة ويليام شيكسبير بأن المدينة ليست إلا سكانها! فقاطنوها هم قلبها النابض، وهم عوامل التغيير، من عمدة المدينة وجمهورها الذين يصوتون ويطبقون القوانين الضرورية لتطور المدينة، مروراً بالموسيقيين والفنانين الذين يؤثرون في ثقافتها، والمعلمون والصنّاع الذين يوفرون رأس المال البشري والتكنولوجيا والخدمات والمنتجات الجديدة.

ويرى «باتين» أن التوسع الحضري الكبير ونمو السكان والتغير المناخي أمور تُشكل تحدياً متواصلاً للمدن في شتى بقاع الأرض، ولذا بات من أهم أهداف الحكومات والشركات تحسين جودة الحياة بشكل عام داخل المدن، وبالفعل تنخرط الحكومات والشركات في استثمارات ضخمة لجعل المدن أكثر استدامة وإنتاجية وجاذبية للناس كأماكن للعيش والعمل وازدهار النشاط الاقتصادي. بعض المدن عمرها يبلغ مئات الأعوام وتحتاج بنيتها التحتية ومبانيها للتجديد، وهناك مدن أخرى بدأت للتو رحلتها صوب التنمية لكن بخطوات متسارعة كي تواكب النمو السريع للسكان. وبغض النظر عن المرحلة التي تمر فيها هذه المدينة أو تلك على طريق التنمية، فإن هناك قيمة حقيقية - حسب باتين- لتبادل الخبرات بين مسؤولي هذه المدن، لنشر أفضل الممارسات على الصعيد العالمي التي ينبغي اتباعها. وهذا يكتسي أهمية الآن، خصوصاً ونحن نسعى لجعل المدن ذكية في كل المهام اليومية وأيضاً قادرة على الصمود في وجه التحديات.

السكان يشكلون المدينة

ويُقيّم مؤشر «أركاديز» للمدن المستدامة لعام 2016 بعمق البعد الاجتماعي للتجربة العمرانية، فأية مدينة تدور في فلك حول سكانها، وتحسن الاستدامة في نهاية المطاف جودة حياتهم. وتتنوع سلسلة احتياجات السكان في أية مدينة، لتشمل متطلبات الحياة، والإسكان والسلامة والتعليم والفرص المهنية، ومنافذ الاسترخاء والوصول إلى الثقافة والفنون. والأصول المبنية في المدينة، مثل البنايات وشبكات النقل وأماكن المشاة، تبلي بلاء حسناً عندما يتم تخطيطها وإنشائها لتناسب تجارب سكانها. ولعل الحصول على مدينة للاستثمار والتطوير والتطور، لكي تكون في النهاية مكاناً أفضل لسكانها الدائمين، من شأنه أن يدفعها إلى أن تصبح أكثر استدامة وتنافسية.

وقد كان الغرض من مؤشر المدن المستدامة الأول هو تقييم أبرز 50 مدينة عالمية والنظر في حيويتها كأماكن للعيش، وتأثيرها البيئي، واستمراريتها المالية، وكيف يمكن أن يكمل بعض تلك العناصر بعضها الآخر. المؤشر يتضمن 100 مدينة، متقدمة وناشئة حول العالم.

الاستدامة الاجتماعية

يقيس مؤشر السكان في تقرير «أركاديز» الأداء الاجتماعي، بما في ذلك جودة الحياة. ويُقيّم الصحة (من حيث متوسط الأعمار والسمنة) والتعليم (مستوى التعليم والجامعات) والمساواة في الدخل، وتوازن الحياة والعمل، ومعدل الاعتماد على الآخرين، والجريمة والسكن وتكلفة المعيشة، ويمكن النظر بصورة شاملة لتلك المؤشرات باعتبارها تمثل «مستوى المعيشة».

مؤشر الكوكب «البيئي»

ويقيس العوامل الصديقة للبيئة مثل الطاقة والتلوث والانبعاثات، وهو يصنف المدن وفق استهلاك الطاقة وحصة الطاقة المتجددة والمساحة الخضراء داخل المدن، وإعادة التدوير، ومعدلات تحويل مخلفات الثروة الحيوانية إلى سماد، وانبعاثات الغازات الدفيئة، ومخاطر الكوارث الطبيعية، ومياه الشرب، والصرف الصحي، وتلوث الهواء. ويمكن التفكير على نحو واسع النطاق في تلك المؤشرات باعتبارها «العوامل الصديقة للبيئة».

المؤشر الربحي الاقتصادي

ويقيم الكفاءة الاقتصادية وبيئة الأعمال، ويسلط الضوء على أداء المدن من المنظور التجاري، جامعاً بين مقاييس البنية التحتية للنقل، والسكك الحديدية والهواء، والاختناق المروري، وسهولة تأسيس الشركات والسياحة ونصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي، وأهمية المدينة ضمن الشبكات الاقتصادية العالمية، والاتصالات، مثل القدرة على الوصول إلى الهواتف المتحركة والإنترنت، ومعدلات التوظيف. ومن الممكن النظر بصورة شاملة لتلك المؤشرات باعتبارها تمثل «الكفاءة الاقتصادية».

وفي حين أن العوامل الجغرافية، مثل الموقع والمناخ، والوصول إلى الموارد تشكل في مجملها معضلة على صعيد المقارنات المتماثلة، إلا أن التقرير يمنح المدن فرصة قياس أدائها الشامل في المجالات الثلاثة كافة، وكل واحد منها مهم بالنسبة للاستدامة، للقياس وللتعلم من المدن المتقدمة في الترتيب، واتخاذ إجراءات تهدف إلى تعزيز الأداء المستقبلي.



مؤشر «أركاديز» للمدن المستدامة لعام 2016 يصنف 100 مدينة عالمية، بناء على ثلاثة أبعاد للاستدامة هي: السكان والكوكب والأرباح، أي أبعاد الاستدامة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية. ومن الواضح أن التوازن بين الأبعاد الثلاثة أمر ليس سهلاً، بل إن بعض المدن تُظهر تناقضاً غريباً، فبينما تتولى زمام المبادرة في عنصر من عناصر الاستدامة تظل دون المستوى في عناصر أخرى للاستدامة.

زيوريخ في الصدارة

ويكشف المؤشر عن نتائج من بينها أن مدينة زيوريخ السويسرية تقود التصنيف العالمي بشكل عام، وتتصدر المؤشر البيئي الفرعي، وتحقق مركزاً متقدماً على الصعيد الاقتصادي، لكنها تظهر نقطة ضعف بحلولها في المرتبة الـ27 من حيث المؤشر المجتمعي. زيوريخ هي المدينة الأولى على مؤشر المدن المستدامة، ولديها سمعة قوية كمدينة معاصرة وحيوية تشتهر بتركيزها الشديد على حماية البيئة وكذلك المؤسسات المالية ذات الشهرة العالمية. وعلى الرغم من ريادتها على صعيد التصنيف العام والمؤشر الفرعي للبيئة، وشغلها للمرتبة الخامسة على مؤشر الربحية، فإن زيوريخ تأتي في الترتيب السابع والعشرين على المؤشر الفرعي للمجتمع، فالنفقات المرتفعة من بين الأسباب الرئيسة لذلك التباين.

وبتصدر المؤشر الفرعي للبيئة، تتقدم المدينة نحو الوصول إلى الهدف طويل الأمد بأن تصبح «مجتمع الـ2000 وات» بحلول عام 2050، ضمن خطة زيوريخ للتعامل مع التغير المناخي، وندرة الموارد، وهو هدف تسعى من خلاله إلى تخفيض استخدام الكهرباء إلى 2000 وات من الطاقة لكل فرد يومياً (وهو المقدار العالمي الذي تم تحديده كاستخدام مستدام للطاقة). الخطة تركز على الكفاءة في استهلاك الطاقة وأنواع الطاقة المتجددة، والتركيز على المباني المستدامة والانتقال إلى المستقبل وجهود زيادة الوعي العام، بما في ذلك فعاليات مثل أيام البيئة السنوية. مجتمع الـ2000 وات هو رؤية بيئية أفصح عنها المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا ظهرت عام 1998، علماً بأن المعدل الأميركي لاستهلاك الفريد اليومي من الطاقة 12000 وات وفي أوروبا 6000 وفي الصين 1500 وفي الهند 1000 وات.

وعلاوة على ذلك، يعتبر النقل العام في زيوريخ نموذجاً مستداماً بشكل كبير، فالترام والقطارات والحافلات والإشارات المرورية وغيرها منسقة بشكل كبير، وهو ما يجعل الانتقال سهلاً وسريعاً.

وبصفتها محوراً اقتصادياً عالمياً، فإن المدينة ليست قادرة فحسب على جذب الأعمال، ولكن أيضاً السكان، في ظل ارتفاع مستويات المعيشة، وفرص العمل والتعليم الجاذبة، وكذلك التصنيف الصحي المرتفع على المؤشر. وتشكل عدداً من شركات وصناعات الابتكار الصغيرة والكبيرة، أساساً مهماً للاقتصاد في زيوريخ. وإضافة إلى ذلك، تجعل مستويات الإنتاجية المرتفعة، وتكاليف العمل المنخفضة بخلاف تكاليف الأجور، من تكاليف الإنتاج أقل مقارنة باقتصادات تنافسية حول العالم. وبصورة عامة، يجعل ذلك من زيوريخ مكاناً جاذباً للاستثمار والحياة والعمل.

وحسب البيانات التي يوفرها مؤشر «أركاديز» للمدن المستدامة لعام 2016، تهيمن مدن أوروبية عتيقة على صدارة التصنيف، هذه المدن تتصدر 13 من بين أول 15 مدينة في العالم على قائمة المدن الأكثر استدامة. وتحقق محاور عالمية مثل لندن (في الترتيب الخامس) وفرانكفورت (في الترتيب السادس) وباريس (الـ15)، أداءً جيداً. وتأتي مدينتان آسيويتان في المرتبتين المتبقيتين هما سنغافورة في المرتبة الثانية، وسيؤول في المرتبة السابعة.

وتحقق مدينتا سنغافورة وهونج كونج الآسيويتان مركزاً متقدماً على صعيد الأداء الربحي، ولكن يبدو أن ذلك يؤثر سلباً على الاستدامة الاجتماعية. وثمة عوامل مثل ارتفاع تكلفة المعيشة تقلل من شأن هاتين المدينتين، إذ تحتلان المرتبتين الأولى والثانية على صعيد الربحية، بينما تأتيان في المرتبتين الثامنة والأربعين والحادية والثمانين على التوالي في مؤشر المجتمع. وفي أميركا الشمالية، تحتل مدينة «فانكوفر» الكندية التي جاءت في المرتبة الثالثة والعشرين صدارة المنطقة، ولم تحتل أية مدينة أميركية مكاناً في المراتب الـ25 الأولى. وعلى الرغم من ذلك، كانت مدينة نيويورك في صدارة المدن الأكثر استدامة في الولايات المتحدة، لتحتل الترتيب السادس والعشرين عالمياً، وأبلت بلاءً حسناً على وجه الخصوص في مؤشر الربحية الفرعي إذ جاءت في المرتبة الثامنة، بيد أنها تأخرت كثيراً على مستوى تحسين الوضع المجتمعي لتأتي في الترتيب السابع والسبعين. وفي تلك المنطقة، تلت فانكوفر ونيويورك مدينة «مونتريال»، التي حلت في المرتبة الثامنة والعشرين، وتورنتو في المرتبة الثالثة والثلاثين.

وتقتفي كل من سان فرانسيسكو ونيويورك ودالاس الاتجاه العالمي بتحقيق أعلى تصنيفات الربحية، مع تصنيفات متدنية على المستوى الاجتماعي.

وأما بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فهي تقود التصنيفات في الشرق الأوسط، إذ جاءت دبي كأفضل مدينة أداء، محتلة المرتبة الثانية والخمسين، وأعقبتها عن كثب أبوظبي في المرتبة الثامنة والخمسين.

المشاركة المجتمعية

ومن أجل تحسين الاستدامة، يتم تشجيع قادة المدينة على إشراك المجتمع في جوهر خططها للاستدامة، واستخدام المؤشر لمساعدتها على المقارنة والتعلم من المدن المماثلة في أرجاء العالم.

وتبدأ تلك الرحلة بتقييم واضح لما تبدو عليه أية مدينة في الوقت الراهن، من خلال تحديد المعطيات والإيجابيات والسلبيات، التي تنشأ عن التفاعل بين الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والمادية، وهو ما من شأنه مساعدة المدن على تحقيق توازن أفضل بين عوامل الاستدامة.



ويرى Gregor Robertson جريجور روبيرتسون عمدة مدينة فانكوفر الكندية أنه (على المدن في أرجاء العالم أن تظهر ريادة مستمرة لمواجهة التغير المناخي الخطير، وأكبر التغييرات التي يمكن أن تحدث تأثيراً هي أن نتحول تحولاً كاملاً إلى استخدام طاقة مستمدة من مصادر متجددة، وسيعتمد اقتصاد فانكوفر والحياة فيها على قدرتنا على مجابهة التغير المناخي والتكيف معه، إن التحول بشكل كامل إلى الطاقة المتجددة هو السبيل الذي تسلكه فانكوفر لتصبح أكثر المدن الصديقة للبيئة في العالم).






تجربة « جريتر جيلونج» الأسترالية،
من جانبها، أكدت د. كاثي ألكساندر، رئيسة مجلس إدارة مدينة « جريتر جيلونج» الأسترالية، أن المدينة ملتزمة بتقليص انبعاثات أنشطة مبانيها الإدارية من الكربون إلى الصفر. وأوضحت أن الهدف من ذلك هو ضمان الحفاظ على البيئة نظيفة ومستدامة للأجيال المقبلة، مضيفة: «إن الاستراتيجية التي وضعتها المدينة لتحقيق ذلك تساعد في خفض تكاليف الطاقة، وزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة، بالشراكة مع المجتمع في المدينة، من أجل تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة في المدينة بأسرها».
ونوّهت إلى أنه من خلال الحصول على شهادة اعتماد «كوكب واحد»، والعمل على تقليص انبعاثات الكربون إلى الصفر، نتطلع إلى مواصلة الشراكة مع المجتمع، وتشجيع الآخرين على الانضمام إلى مجلس المدينة من خلال تبني مبادئ الاستدامة في منازلهم وشركاتهم ومؤسساتهم.
وأضافت: «وفقاً للاستراتيجية الموضوعة، يعتزم مجلس المدينة تقليص الانبعاثات من مبانيه ومن أسطول سياراته بنسبة 50 في المئة بحلول 2020، وبنسبة 75 في المئة بحلول 2035، قبل أن يقلصه إلى الصفر بحلول 2050».

 


يتبع...