عربي ودولي

محاكمة «الفيفا» فـي نيويـورك تهدد مونديال قطر 2022

دينا محمود (لندن)

عادت شبهات الفساد التي تكتنف حصول قطر على حق تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم المقررة عام 2022، لتهيمن على مساحاتٍ واسعة من تغطيات وسائل الإعلام العالمية، مع بدء صدور أحكام الإدانة في القضية التي تنظرها محكمة أميركية فيدرالية في نيويورك منذ أسابيع بشأن فساد مسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي كُشف خلالها عن تقديم النظام القطري رشاوى لشراء أصوات بعض هؤلاء المسؤولين في التصويت الذي أجرته اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا».
وتحت عنوان «محاكمة الفيفا تترك شكوكاً تحوم حول كأس العالم المقرر في قطر»، نشرت صحيفة «الجارديان» مقالاً مطولاً تناول وقائع القضية التي مثّل أمامها خوان أنخل ناباوت الرئيس السابق لاتحاد الأوروجواي لكرة القدم، ومانويل بورجا الرئيس السابق للاتحاد البيروفي، وخوسيه ماريا مارين الرئيس السابق أيضاً للاتحاد البرازيلي، مُتهمين بالتآمر على الاحتيال والابتزاز وغسل الأموال. وأبرز الكاتب دافيد كون ما أُميط عنه اللثام خلال المحاكمة من أدلةٍ على تلقي «بارونات الفيفا في أميركا اللاتينية» رشاوى للتصويت لصالح إسناد المونديال إلى قطر خلال الاقتراع الذي جرى قبل سبع سنوات في زيوريخ. وقال إن هذه الاتهامات «تُرِكت مُعلقة في نهاية القضية ما يثير مزيداً من الأسئلة أو الشكوك حول هذا الملف، الذي لم يكن المحور الرئيس للقضية، ولكنه فرض نفسه بعد الإفادات التي كشفت أساليب الرشوة والفساد، التي لجأ إليها النظام القطري للتغلب على منافسيه الذين كان من بينهم الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، وهي دولٌ سبق لها استضافة المونديال بنجاح.
وقال كون إن الحديث عن الرشاوى القطرية ورد في مرحلة مبكرة من مراحل القضية، تحديداً خلال شهادة أدلى بها أليخاندرو بورساكو، وهو أرجنتيني يعمل في مجال تسويق الفعاليات الرياضية، وكشف فيها عن أن مواطنه خوليو جرندونا حصل على رشوة قدرها مليون دولار على الأقل من المسؤولين القطريين، لشراء صوته في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم، بهدف ضمان أن تتغلب الدوحة على منافسيها في التصويت على تنظيم كأس العالم.
وكانت وسائل إعلام أميركية أشارت إلى أن جرندونا، هو واحدٌ من ثلاثة مسؤولين كرويين في أميركا اللاتينية استهدفتهم «خطةٌ قطرية واسعة النطاق» لشراء أصواتهم. ومن بين هؤلاء أيضا، نيكولاس لويز الرئيس السابق لاتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم وهو من باراجواي، والبرازيلي ريكاردو تيشيرا الذي استقال من اللجنة التنفيذية لـ»الفيفا» في مارس 2012.
وللدلالة على أهمية شهادة بورساكو، قالت «الجارديان» إنه كان لها دورٌ محوريٌ في ما خلص إليه المحلفون مطلع الأسبوع الجاري من إدانة لمارين وناباوت، اللذين باتا في انتظار النطق بالحكم الذي سيحدده القضاة بحقهما، في وقتٍ تتواصل فيه المداولات حول ما إذا كانت هذه الإدانة ستطال المتهم الثالث بورجا أم لا.
وأسهب المقال في استعراض ما ورد في شهادة بورساكو حول جرندونا، الذي توفي عام 2014 بعد سنوات من تلقيه المفترض للرشوة المليونية من قطر. إذ أشار كون إلى أن جرندونا كان أحد أبرز مسؤولي الفيفا في أميركا الجنوبية على الإطلاق. ولفت الانتباه في هذا الشأن إلى أن هذا الرجل ظل رئيساً للاتحاد الأرجنتيني للكرة منذ عام 1979 وحتى وفاته أي على مدار ما يقرب من ربع قرن، كما بقي عضوا لستة وعشرين عاماً في اللجنة التنفيذية لـ»الفيفا»، وأصبح في أواخر عمره نائباً لرئيس الاتحاد في ذلك الوقت سيب بلاتر.
وحرص المقال على الإشارة إلى قول الشاهد إنه سافر إلى زيوريخ عام 2010 مع جرندونا والبرازيلي تيشيرا والبارجواياني لويز، وذلك لكي يدلى الثلاثة بأصواتهم في الاقتراع الخاص باختيار الدولة المُنظمة لمونديال 2022، وحديثه عن أنه لم «يكن سراً» أن جميعهم أيدوا قطر في التصويت. وأبرز في هذا الصدد ما رواه بورساكو من أن جرندونا وتيشيرا وبخا لويز بقسوة، عندما عَلِما أنه لم يعط صوته للدوحة في الجولات الأولى للتصويت، ما دفعه لتغيير موقفه في نهاية المطاف والتصويت لصالح الملف القطري.
كما سلطت «الجارديان» الضوء على ما ورد في الشهادة من أن المسؤول الأرجنتيني الكروي الراحل شعر بالغضب حيال التقارير الإعلامية التي اتهمته بتلقي رشاوى، وأنه طلب من مسؤولي النظام القطري إما أن يدفعوا له 80 مليون دولار، أو أن يكتبوا له خطاباً ينفون فيه تقديمهم أي رشوة له من الأصل. وقال إن المتهمين الثلاثة الذين مثلوا أمام المحكمة في نيويورك ليسوا سوى «أسماكٍ صغيرة بين أسماك القرش»، التي تتغذى على الأموال الطائلة التي تُنفق في مجال كرة القدم على الصعيد الدولي. وتساءل عما إذا كان ما كُشِف عنه خلال جلسات هذه القضية - التي لم يُسدل عليها الستار تماماً بعد - سيدفع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (أف بي آي) إلى مواصلة تحقيقاته في ملف الفساد المستشري في أروقة «الفيفا» أم لا.
والمحاكمة نفسها كانت محوراً لاهتمام صحيفة «دَيلي مَيل» البريطانية واسعة الانتشار، التي ألمحت إلى إمكانية أن يهدد ما خلصت إليه القضية استضافة النظام القطري لمونديال 2022. وقالت في هذا الشأن إن ما كُشِف خلال جلسات المحاكمة «يعزز فكرة أن طريق قطر باتجاه لحظتها الرياضية الأكثر أهمية (في إشارة لتنظيمها لكأس العالم) لن يكون سلساً على الإطلاق»، في إشارة ضمنية إلى احتمالات سحب البطولة من الدوحة في نهاية المطاف.
وأكدت الصحيفة في تقرير إخباري أن قطر واجهت في نيويورك محاكمة عصيبة، وقالت إنه على الرغم من أن النظام القطري كرس الجانب الأكبر من السنوات السبع الماضية، منذ حصوله على حق تنظيم البطولة، لنفي كونه قد اشترى أصوات أعضاء «الفيفا» فإن «الشهادات التي أُدلي بها في بروكلين حيث مقر المحكمة، أشارت إلى وجود خطة واسعة لتكوين نفوذٍ للدوحة بين المصوتين لإعطاء دعمهم لعرضها لاستضافة البطولة الكروية الأبرز على مستوى العالم. وأكدت الصحيفة أن ما استمعت إليه المحكمة، أشار إلى جهود بذلها النظام القطري للتأثير حتى في مسؤولين لم يكونوا أعضاء في اللجنة التنفيذية لـ»الفيفا»، وذلك لحملهم على التأثير في زملائهم الأعضاء ممن يحق لهم التصويت على ما يبدو.
وعلى غرار «الجارديان» اهتمت «دَيلي مَيل» بشهادة بورساكو خاصة ما كشف عنه فيها من استياء رئيس الاتحاد الأرجنتيني الراحل لكرة القدم من «الثمن الرخيص» الذي باع به صوته للقطريين، وقوله لهم خلال لقاءٍ جرى في أحد الفنادق الفخمة بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية إنه يتحمل كل هذه الفوضى والفضيحة مقابل» 1.5 مليون دولار فقط، بينما حصل تيشيرا (العضو البرازيلي في اللجنة التنفيذية للفيفا) على عشرات الملايين» من الدولارات. كما أبرزت الصحيفة إفادة شاهد آخر يُدعى سانتياجو بِنا، قال خلال جلسات المحاكمة إنه يحتفظ بسجلٍ لرشاوى حصل عليها مسؤولون بارزون في كرة القدم اللاتينية تحت مسمى كودي «Q2022» أو «كيو 2022»، وهو ما يوحي بأن الرشاوى ربما تكون قد دُفِعتْ بهدف تأمين أصواتٍ لدعم الملف القطري في المنافسة على استضافة المونديال.