الاقتصادي

خبـراء يحذرون من المفاهيـم الخـاطئة لاستقطاب الأفراد إلى «بتكوين»

حسام عبدالنبي (دبي)

تحاول شركات عالمية الترويج لفكرة الاستثمار في العملة الرقمية الأشهر عالمياً «بتكوين» مستغلة بعض المعلومات والحقائق على أنها مبررات منطقية تفسر الارتفاع الكبير الحادث في سعر العملة، وذلك بخلاف الحقيقة حسب خبراء في مجال تداول العملات، فندوا في تصريحات لـ «الاتحاد» تلك الآراء وأكدوا أنها غير دقيقة مثل الترويج لمفهوم أن تداول العقود الآجلة لعملة «بتكوين» في بورصة شيكاغو هو نوع من الاعتراف العالمي وإيجاد شرعية لها ستخلق مزيداً من الطلب الذي يدعم استمرار صعود السعر.
وأشار الخبراء إلى أن مثل تلك الخطوة قد تعطي قوة هائلة لانخفاض سعر «بتكوين» تماثل قوة صعود السعر حيث إن اعتماد آليات في التداول مثل «شورت سيلنج» يعني أن هناك فئة قد تربح من هبوط سعر «بتكوين» وتراهن على الهبوط من أجل تحقيق المكاسب بخلاف ما كان يحدث من قبل حيث كانت الناس تربح فقط من صعود السعر.
وأوضحوا أن الترويج لمفهوم أن بنوكا مركزية تدرس أو تتابع تطورات العملات الرقمية أو تبحث إصدار عملات رقمية على أنه اعتراف من الدول بعملة «بتكوين» الافتراضية هو ادعاء كاذب إذ أن تلك الخطوة (إن حدثت) لا تعني بالضرورة اعتماد «بتكوين» فقد يتم اعتماد عملة رقمية مبتكرة ومختلفة تماماً، منبهين إلى أن موافقة الحكومات على العملات الرقمية وتوجهها نحو التحول الرقمي والدفع الإلكتروني لا يعني بالضرورة اعتمادها لعملة «بتكوين» حيث إن هناك فارقا بين عملة رقمية مجهولة المصدر ولا توجد رقابة عليها ومستقبلها غامض مثل «بتكوين» وبين عملة رقمية توافق عليها الدول تكون منظمة وظهرت بشكل شرعي وتخضع لنوع من الرقابة والتنظيم.
وأشار الخبراء إلى أن سيطرة «بتكوين» على المشهد العالمي، لا يعني أنها أفضل العملات الرقمية المتواجدة في العالم، والتي يتجاوز عددها الاف العملات حالياً خاصة أن ذلك الأمر يرجع في المقام الأول إلى أن بتكوين» هي أقدم وأول العملات الرقمية الافتراضية التي عرفها العالم وتالياً فهي الأكثر شهرة، مؤكدين أن الترويج العالمي من قبل وكالات إخبارية عالمية وكذلك المضاربات العالية كانتا المحرك الأساسي لصعود تلك العملة خاصة في ظل نقص سيولة التداول (300 إلى 400 مليون دولار يومياً) والتي أسفرت عن تذبذبات سعرية عالية لايمكن أن تحدث في أي منتج مالي متداول في سوق منظم في العالم.
صناعة العملة

مستقبل حكومي
ويؤكد فادي أبوراس، رئيس قسم المؤسسات في شركة أكسي تريدر، أن إصدار بورصة شيكاغو (CME) العالمية عقود «بتكوين» آجلة لا يمكن أن يكون السبب الوحيد للارتفاعات القياسية التي حققتها عملة «بتكوين»، إذ أن السبب الرئيس في الارتفاعات المحققة تمثل في أن تداول تلك العملة يتم في سوق غير منظم، وتالياً كانت المضاربات العالية هي المحرك الأساسي لصعود العملة خاصة في ظل نقص سيولة التداول (300 إلى 400 مليون دولار يومياً) والتي أسفرت عن تذبذبات سعرية عالية لا يمكن أن تحدث في أي منتج مالي متداول في سوق منظم في العالم، منبهاً أن زيادة السيولة إلى نحو كبير مقارنة مع السلع العالمية الأخرى كالذهب قد يحد من الأثر المبالغ فيه للمضاربات وربما يجعل هناك نوعاً من الرشد في تحرك سعر العملة الرقمية.
وأوضح أبوراس، انه على الرغم من انقسام العالم إلى فريقين أحدهما منحاز بشدة للعملات الرقمية والآخر رافض لها تماماً، إلا أن هناك فريقا في المنتصف يرى أن الحكم على مستقبل تلك العملات يعتمد على جدية الحكومات في الاعتراف بها ووضع تنظيم مباشر لتداولها، منوهاً أن تداول «بتكوين» في بورصة شيكاغو لايعني اعتراف عالمي بها إذ أن البورصة في النهاية هي مؤسسة خاصة وليست جهة حكومية مثل البنوك المركزية أو وزارة المالية حتى يمكن الاعتراف بتلك العملة ووضع تنظيم لها وتالياً تقل الشكوك حول مستقبلها.
وفيما يخص الآراء التي تروج لفكرة أن العالم يتوجه نحو التحول الرقمي واستخدام «بلوك تشين» وأن مثل هذا الأمر سيدعم «بتكوين» في المستقبل، أفاد أبوراس، بأن التحول الرقمي بلاشك أصبح هو المستقبل حتى للعملات الرقمية، ولكن يجب الانتباه إلى أمر مهم وهو أن مستقبل العملات الرقمية لايشترط بالضرورة أن يعتمد العالم عملة «بتكوين»، منبهاً أن العملات الرقمية ستأخذ حيزا ضمن التحول الرقمي، ولكن الأمر يعتمد على توقيت وشكل هذا التحول الرقمي، حيث يظل احتمال أن توجد البنوك المركزية عملة رقمية بخلاف «بتكوين» أو حتى خارج اطار «بلوك تشين» احتمال قائم.

تسويق إعلامي
من جهته، يرى طارق أبوحنتش، المدير العام لأكاديمية «أون لاين» للتداول، أن هناك بعض الأسباب وراء زيادة الإقبال على شراء عملة «بتكوين» في الفترة الأخيرة كان أهمها الإعلان عن إصدار بورصة شيكاغو (CBOE) العالمية عقود بتكوين آجلة، وكذلك إطلاق بورصة شيكاغو التجارية (CME)، أكبر بورصة للعقود الآجلة في العالم، منتجاتها من العقود الآجلة، مؤكداً أن التهافت والاهتمام المحلي والإقليمي بتداول عملة «بتكوين» يأتي في المقام الأول من عمليات التسويق التي تمت للاستثمار إلى جانب الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام عن الارتفاعات القياسية التي حققتها العملة الرقمية والتي أسفرت بدورها عن «زوبعة» بتكوين.
وقال أبوحنتش، إن العملات الرقمية وخصوصاً «بتكوين» موجودة قبل سنوات وليست ظاهرة جديدة ولكن ما لفت الأنظار إليها رغبة الأفراد في تحقيق الربح السريع.
وأوضح أنه على الرغم أن العملات الرقمية قد تصبح مستقبل التداول في العالم بأسره وأن الحكومات في دول العالم تتوجه نحو التحول الرقمي والدفع الإلكتروني، إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن مثل هذه العملات تعد منتجات عالية الخطورة ويجب على من يفكر الاستثمار فيها أن يدرك المخاطر العالية والتي يمكن أن تجعل قيمة «بتكوين» تنخفض بنسب قياسية وربما تعود إلى الصفر، منبهاً أن العملات الرقمية هي عملات افتراضية وليست مضمونة بأصل مادي، ولذا يجب على من يفكر في الاستثمار فيها أن يعي المخاطر وأن يقبل تحمل الخسائر مثلما يفكر في الربح الكبير.
ونصح أبوحنتش، المستثمرين الأفراد في الإمارات والراغبين في الاستثمار في العملات الرقمية أن يلجأوا إلى التعامل مع شركات أو هيئات مرخصة من السلطات الرسمية في دولة الإمارات بمعنى التعامل في السوق المنظم نسبياً والابتعاد عن الدعايات التي تصلهم للتداول عبر الإنترنت.
وأشار إلى أن وجود تنظيم حكومي أو عالمي لتداول العملات الرقمية سيقلل من مخاطر الاستثمار التي لا يمكن توقعها في الوقت الحالي، كاشفاً أنه حتى الآن لا يوجد برنامج دراسي أو تدريبي عن تداول «بتكوين» رغم وجود عدد من البرامج التدريبية المتخصصة في «بلوك تشين».

جنون الشراء .. الإقبال العالمي على «بتكوين» لا يعني أنها الأفضل في العالم
قال محمد جمال الدين، المستشار الاقتصادي، ورئيس شركة لجين للمعادن الثمينة، إن العملات الرقمية بشكل عام وخاصة «بتكوين» مرت بعدد من المراحل وكان بعضها من أهم أسباب صعود العملة بشكل قياسي مؤخراً، وشرح ذلك بالقول إنه عند انطلاق التداولات على «بتكوين» كان عدد المهتمين والذين يقبلون على اقتنائها محدودا جداً ويقتصر على المساهمين في إنشاء تلك العملة وعدد قليل جداً من المختصين وكان التنقيب عن تلك العملات وقتها أمرا في منتهى السهولة.
وأضاف أنه بعد انتهاء فترة (حضانة) بتكوين تزايد الاهتمام بها من قبل المختصين في المجال التقني الذين استهوتهم عملية التنقيب عن تلك العملات إلى جانب انتقال الاهتمام إلى حيز أكبر من المختصين الماليين ممن لديهم خبرة في تحويل طرق التداول إلى أمر مربح مادياً، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية شهدت نشوء صناعة إعلامية تعتمد على أخبار «بتكوين» مثلما نشأت الوكالات الإعلامية الخاصة بالترويج للبورصات العالمية مثل وكالة «رويترز» وتالياً وجدت صناعة إعلامية «موازية» تعيش على التذبذبات السعرية لعملة «بتكوين» سواء صعوداً أو هبوطاً.
ويرى جمال الدين، أن موضوع «بتكوين» أصبح صناعة معتمدة على وجود تلك العملة وانتشارها وأخبارها وتالياً وجد نظام متكامل الأركان لترويج تلك العملة ووصولها لعامة الأفراد وتالياً تولد التفكير في الاستثمار في تلك العملة الافتراضية وأصبح الأمر يسير على الأشخاص الذين كانوا يرون تداولها أمرا خارجا عن مقدورهم، منوهاً بأن دخول «العامة» بشكل كثيف إلى الاستثمار في «بتكوين» جعلها تكتسب قدرات ضخمة وأصبحت الارتفاعات التي تحققها قفزات هائلة خارجة عن السيطرة وليست ارتفاعات ضمن إيقاع هادئ ومريح نسبياً كما كان يحدث من قبل وولدت حالة من جنون الشراء.
وعن أسباب انخفاض العملة بشكل قياسي خلال الأيام الماضية رغم تزايد الاهتمام العالمي، أرجع جمال الدين، ذلك إلى عدم تيقن الأفراد من مستقبل تلك العملة ما يعني أن تحدث حالة من الهلع والتخلص العشوائي من العملة بأي سعر عند وجود أي مستجدات مثلما حدث عند صدور تعليقات من البنوك المركزية وإعلان قرار مؤسس العملة بيع حصته حيث سجلت العملة سقوطا حرا في ظل عدم وجود حدود سعرية للهبوط أو الصعود.
وبرأي جمال الدين، فإن البعض يفسر عددا من الأسباب التي ساقها المنحازون لعملة «بتكوين» بشكل خاطئ، فعلي سبيل المثال يروج البعض لفكرة أن تداول العملة في بورصة شيكاغو يعد نوعاً من الشرعية والاعتراف بالعملة سيولد مزيدا من الطلب عليها ما يدعم صعودها، وهو احتمال خاطئ إذ أن الإدراج في البورصة من ناحية أخرى قد يعطي قوة هائلة لانخفاض سعرها تماثل قوة صعود السعر.
وفسر ذلك بأن بورصة شيكاغو تعتمد آليات في التداول مثل «شورت سيلنج» ما يعني أن هناك فئة قد تربح من هبوط سعر «بتكوين» وتراهن على الهبوط من أجل تحقيق المكاسب بخلاف ما كان يحدث من قبل، حيث كانت الناس تربح فقط من صعود السعر. وأشار إلى أن البعض روج لفكرة دراسة البنوك المركزية التوجه نحو العملات الرقمية وكذا التوجه نحو التحول الرقمي على انه أمر يصب في صالح عملة «بتكوين» وهو أمر خاطئ أيضاً، عازياً ذلك بأن دراسة البنوك المركزية ومراقبتها للوضع الحالي لا يعني بالضرورة قبولها لتلك العملة الافتراضية.
وأكد انه من الضروري أيضاً مراعاة أنه في حال موافقة الحكومات على العملات الرقمية، فإن ذلك يعني اعتمادها لعملة «بتكوين» حيث إن هناك فارقا بين عملة رقمية مجهولة المصدر ولا توجد رقابة عليها ومستقبلها غامض مثل «بتكوين» وبين عملة رقمية توافق عليها الدول تكون منظمة وظهرت بشكل شرعي وتخضع لنوع من الرقابة والتنظيم. ولفت إلى أن تزايد الإقبال العالمي على «بتكوين» وارتفاع سعرها لا يعني بالضرورة أنها الأفضل بين العملات الرقمية الموجودة في العالم حالياً حيث إن الاهتمام بها تولد لكونها أول عملة رقمية ظهرت في العالم.