الرياضي

الدوريـات الخليجيـة.. احتراف حقيقي أم واقع «مشوه»؟

الدوريات الخليجية غابت عن منصات التتويج الآسيوية مقابل سيطرة وتفوق للشرق في السنوات الأخيرة (أرشيفية)

الدوريات الخليجية غابت عن منصات التتويج الآسيوية مقابل سيطرة وتفوق للشرق في السنوات الأخيرة (أرشيفية)

منير رحومة، معتز الشامي (الكويت)

يبدو الحديث متكرراً عن الاحتراف منذ إطلاقه في «القارة الصفراء» عام 2007، إلا أن الأمر مختلف هذه المرة، خاصة إذا عرفنا أنه لا يزال حلماً بعيد المنال وواقعاً مشوهاً في بعض الجوانب، لمن قام بتطبيقه بالفعل في غرب آسيا، ومنطقتنا الخليجية، رغم ما يتوافر من إمكانيات وإرث كروي هائل، وشغف جماهيري ضخم بـ«الساحرة المستديرة».
ولا يزال الاحتراف الحقيقي المطبق والمعروف، في دول العالم المتطور والمتقدم كروياً، غائباً عن المشهد في دورياتنا بشكل عام، حتى وإن طبق الدوري الإماراتي ونظيره السعودي، المشروع بكل معاييره، وتفوقا في نقاط التقييم على بقية دوريات المنطقة، وحتى لو تصدر دورينا التصنيف الآسيوي، والخليجي، وخلفه السعودي، لا يزال شيء ما ناقصاً، وهناك المساحة الكبيرة التي تحتاج إلى أن ينطلق إليها الاحتراف، من أجل أن يفرز إنجازات على صعيد المنتخبات، ومقولة «الدوري القوي، يولد منتخباً قوياً»، ليست ضرباً من الخيال، ولا مثلاً شعبياً لا يرتبط بواقع، ولكنها أصبحت مبدأً ضرورياً في عالم كرة القدم.
طرحت صحيفة «الاتحاد» قضية الاحتراف، بعد تطبيقه آسيوياً وخليجياً بـ10 سنوات، لتكتشف أننا لا زلنا بعيدين، وأننا أخذنا من الاحتراف، ما يرتبط به من عقود وإنفاق، ونسينا أن هناك جوانب أكبر وأكثر عمقاً، لنتساءل في مرارة، كيف يتقدم الشرق ويطبق الاحتراف بالتزام صارخ، ودون نفقات باهظة، وفي المقابل يتراجع الغرب، رغم المليارات التي يضخها في ملاعب كرة القدم؟ من المسؤول عن تراجع أنديتنا رغم ما ينفق من أموال.
وأشارت تقارير للاتحاد الآسيوي، تراقب الإنفاق والدخل في الدوريات بـ«القارة الصفراء»، أن حجم الاستثمارات المالية بدوريات المنطقة الخليجية، وما يرتبط بها من إنفاق في الرواتب والعقود والبنى التحتية والمراحل السنية والفرق الأولى، وما يتعلق بالدخل من الرعاية والتسويق وبيع التذاكر وتوفير الأمور اللوجستية الأخرى، بلغ ما يتخطى 5 مليارات درهم سنوياً، وهو رقم ضخم، خصوصاً إذا ما عرفنا أن من يستحوذ على الجانب الأكبر للإنفاق على اللعبة هما الدوريان الإماراتي والسعودي، الأكثر غنى، مقارنة بباقي دوريات المنطقة.
بينما لا يتجاوز حجم بيع حقوق الدوريات في الدوريين الأكثر احترافية من واقع التصنيف الآسيوي، 700 مليون درهم سنوياً، مثل بيع حقوق ورعاية، بالإضافة إلى دخل التذاكر ورعايات قمصان الأندية وخلافه، وهو ما يعني وجود فجوة، وهي مقسمة على 400 مليون درهم، دخل بيع الرعاية والحقوق والنقل للدوري السعودي، وما يصل إلى 195 مليون درهم دخل البيع السنوي لحقوق الدوري الإماراتي، والبقية تخص الدخل السنوي للأندية من بيع التذاكر، ورعاية قمصان الفرق، ويدفع الدوري الإماراتي في المقابل، فاتورة باهظة الثمن، للوصول لقمة آسيا في التصنيف الدوريات المحترفة، حيث تجاوز الإنفاق ملياري درهم في أحد المواسم الأخيرة، وهو نفس ما ينطلق على الدوري السعودي بطبيعة الحال، لكن رغم حجم المال المرصود للعبة في المنطقة، فلم يحقق أي نادٍ خليجي، لقب دوري أبطال آسيا منذ عام 2011، وفي آخر 10 أعوام، ولم يحقق أي منتخب عربي لقب كأس آسيا مقابل سيطرة وتفوق للشرق بشكل مستمر ومتواصل.
فيما تشير الدراسة المالية الآسيوية، إلى أن الصرف والإنفاق لدوريات الغرب بشكل عام والخليج على وجه التحديد، يتخطى أكثر من 7 أضعاف الدخل، ما يعتبر أكبر المشكلات التي تعوق التطبيق السليم لمعاييره.
وفي المقابل تعاني 4 دوريات خليجية من عدم وفرة الدعم المالي اللازم، لإطلاق المشروع الاحترافي، وإن كان الدوري العُماني قد اتخذ خطوات، لبدء التطبيق بإطلاق دوري للمحترفين قبل عامين، ولكنه أخفق في تطبيقه عملياً، ويسير ببطء، ولا يتخطى دخله من البيع والتسويق أكثر من 10 ملايين درهم سنوياً، بينما تصل ميزانية أندية دوري المحترفين العُماني وما ينفقه 14 نادياً، رقماً يتراوح بين 80 إلى 100 مليون درهم فقط.
وغاب قطار الاحتراف تماماً عن الكويت والبحرين والعراق، وإن كان لدى الأخير ما يعرف بتشكيل يمسى بدوري المحترفين، لكن عملياً لا يوجد تطبيق للمعايير الآسيوية، ويعتبر متراجعاً على المستوى القاري في الترتيب، وكلها عوامل جعلت من كرة القدم الخاسر الأكبر في تلك الدوريات الأربعة، وباتت تتحاور مع نفسها، وهي في ظلام الهواية الدامس، ومن حولهم تتسارع خطى معظم دوريات «القارة الصفراء» للنهوض والتطور واللحاق بركب المحترفين، والحصول على رخصته، وما يرتبط بها من التزامات وقيود هي في جوهرها مسببات لقفزة أكثر إسراعاً للارتقاء بمستوى اللعبة نفسها.
وكشفت الآراء التي استطلعناها عن احتياج اللاعبين أنفسهم بتلك الدوريات لأن يشعروا بقيمتهم كلاعبين لكرة القدم ومحترفين بعقود، حيث لا يزال الجانب الأعظم فيهم مرتبطاً بوظائف حكومية ومؤسسة، وفي كثير من الأحيان يعاني قلة اهتمام تلك المؤسسات بأهمية وجوده مع فريقه، فضلاً عن منتخب بلاده، وشكا بعضهم من تعنت جهات عمل ومؤسسات حكومية في منحهم إجازات تفرغ لتمثيل الدولة في المحافل الخارجية، ما يجعل من الاحتراف طوق النجاة لهم، والمنتخبات الوطنية في تلك الدول بالتبعية.
واجتمعت الآراء في تحديد 3 أسباب وراء الاستمرار في الهواية، وعدم التحول إلى الاحتراف، أولها قلة الدعم المادي من الحكومة للأندية وللدوري ككل، وذلك نظراً لكثرة المعايير المفروضة آسيوياً، والمتعلقة بإصدار تراخيص الأندية المحترفة، وما يرتبط بها من وظائف وإنفاقات.
أما السبب الثاني فكان بغياب التنظيم الاحترافي الإداري لهذا المشروع، بالإضافة إلى تواضع البنى التحتية في تلك الدوريات، والسبب الثالث يكمن في عدم إصدار تشريعات قانونية، إما عبر البرلمان والمجالس التشريعية، أو بشكل مباشر من مجالس الوزراء بتلك الدول، حتى يتاح تحول الأندية إلى الاحتراف الكامل، وإطلاق شركات كرة قدم بصفة مستقلة عن الأندية.