ثقافة

بليز باسكال.. العبقريّة المرعبة

بليز باسكال (أرشيفية)

بليز باسكال (أرشيفية)

حسونة المصباحي

«العبقريّة المُرْعبة»، هكذا وصف شاتوبريان بليز باسكال (1623-1662) الذي لا يزال حاضراً بقوة مرجعاً أساسياً في الفلسفة المسيحية، والفلسفة الغربية بصفة عامة. ولا تزال مؤلفاته تدرّسُ في المعاهد والجامعات.
كان بليز باسكال لا يزال صبيّاً لما لفت أنظار الناس إلى نبوغه. فسعى والده الذي كان يدرك أن ابنه (عبقريّ)، ليوفر له ما يمكن أن ينمّي ذكاءه وملكاته الخارقة. كان الطفل شبيهاً بـ (بركان) لا يهدأ. ولم يكن يتحمل رؤية الماء. وحين يراه، تصبح هيئته أقرب إلى مجنون. وكان يعاني من الأرق، ومن نوبات عصبيّة حادة لم يتمكن أكبر الأطباء من تشخيص أسبابها. لكنه لم يلبث أن تعافى.
وفي طفولته كان بليز مغرماً بالرياضيات، وفيها يأتي بالعجائب التي تدهش والده، وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره، أصدر بحثاً حول المخروطيات الشكل، حاول فيه أن يعالج مسائل رياضية معقدة. وعند اطلاعه عليه أصيب ديكارت بالذهول، ظانا أن الأب هو الذي ألف البحث. وبرغم أن بحثه هذا لم يحظ بأي نجاح، فإن بليز باسكال واصل أبحاثه في الرياضيات بشكل مثير، آتياً بالعجائب في كل مرة. وعندما اكتشف الضغط الجوي، كتب يقول: «الطبيعة لا تتحمل الفراغ». وبذلك أصبح عالماً مُهَابَ الجانب وهو دون سنّ العشرين.
وفي عام 1646، انكسرت ساق والد باسكال. وخلال الأشهر الثلاثة التي أمضاها في المستشفى، قرأ مؤلفات دينية عميقة حول قضايا المسيحيّة. وبعد شفائه، قدّم لابنه النابغة تلك المؤلفات طالباً منه بإلحاح التعمّق في قراءتها. وأثناء قراءته لتلك المؤلفات، بدأ باسكال يشعر أن على الناس أن يفهموا المسيحية من داخلها. وهكذا اندفع من جديد في البحث والقراءة، مسجلاً خواطره بشكل يوميّ مثلما هي عادته. ولأن أمراضاً مختلفة عادت تؤرقه وتعذب روحه، وجسده، فإن باسكال لزم البيت لا يبرحه أبداً. وبذلك أنهى التواصل بالعالم الخارجي وهو في الثالثة والعشرين من عمره. وكان يقتصر على شرب السوائل. أما الأطعمة فقد كان يتقيأُها حال دخولها إلى بطنه. مع ذلك لم يكن يشتكي، ولم يكن يتذمّر، مفضّلاً أن يتألم، وأن يتعذّب في صمت. وحين تشتدّ آلامه، كان باسكال يرفع يده إلى السماء، متضرعاً إلى الله، طالباً غفرانه ورحمته. وفي دفتره، كتب يقول: «عليّ أن أنسى العالم، وكلّ شيء إلاّ الله». ولما دخلت أخته جيلبرت، التي كان يحبها حبّاً شديداً، دير الراهبات، انفجر باكيا من فرط السعادة.
وبعد أن انشغل بالعلوم، وبالقضايا التقنية، ركّز باسكال جهوده وأبحاثه على القضايا الفلسفية. وسرعان ما برع فيها ليصبح مسموع الكلمة في الأوساط الفلسفية الراقية. وقد أتاح له مؤلفه الأول الذي حمل عنوان: «الأبرشيّات» الحصول على نجاح منقطع النظير في المجال الفلسفي إذ تهافت الناس على شرائه ليبيع منه أزيد من عشرة آلاف نسخة.
ظلّ باسكال يصارع الأمراض التي تكالبت عليه، رافعاً يديه إلى السماء، ومطلقاً الصلوات الحارة. وبين وقت وآخر، يسجل في دفتره ما يرد عليه من أفكار ومن خواطر. ليضمنها في ما بعد كتابه الفلسفي الشهير: «أفكار» الذي لا يزال إلى حد هذه الساعة واحداً من تلك المؤلفات التي يجد فيها القراء ما يساعدهم على مواجهة ألغاز الحياة والوجود. وقد توفي بليز باسكال وهو في التاسعة والثلاثين من عمره.