تقارير

الغواصات الروسية.. هل تهدد «الكابلات» البحرية؟

صعّدت الغواصات الروسية نشاطاتها بشكل كبير قريباً من «الكابلات البحرية» المخصصة لنقل البيانات شمال المحيط الأطلسي. ويقول عسكريون من ذوي الرتب الرفيعة إن هذا التطور الجديد يأتي في إطار عملية إعادة تموضع استفزازية يمكن أن تدفع بحلف شمال الأطلسي «الناتو» إلى إعادة إحياء حقبة الحرب الباردة.
ويمكن لهذا الاهتمام الروسي الكبير بالكابلات التي تستخدم في تأمين الاتصالات وخدمات الإنترنت بين أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) وأوروبا، أن يمنح الكرملين القدرة على التقاط أو قطع طريق البيانات المهمة التي تتدفق عبرها، وفقاً لما قاله المسؤولون العسكريون.
وأضاف هؤلاء أن نشاطات الغواصات الروسية ازدادت إلى مستويات لم يلاحظ مثلها المراقبون منذ أيام الحرب الباردة، وشكلت خطراً على السفن العابرة خلال الأشهر الماضية.
وقال الأدميرال في البحرية الأميركية وآمر سلاح الغواصات في حلف «الناتو» أندرو لينون: «نحن نراقب الآن النشاطات الروسية تحت مياه المحيط وبالقرب من الكابلات البحرية، ولا أعتقد أننا شهدنا مثلها من قبل على الإطلاق. ويبدو بكل وضوح أن لروسيا مصلحة في تهديد البنى التحتية البحرية لحلف الناتو والدول الأعضاء فيه».
وجاء ردّ «الناتو» على التحركات الروسية بوضع خطط لإعادة تشكيل وتفعيل مركز القيادة الذي تم إلغاؤه بعد نهاية الحرب الباردة من أجل ضمان الأمن في شمال الأطلسي. ومن جهة أخرى، تعمل الآن الدول الأعضاء في «الناتو» على تطوير قدرات أسلحتها المضادة للغواصات وصناعة طائرات بالغة التطور متخصصة في اكتشافها.
وفي هذا السياق، حذر كبير القادة العسكريين في بريطانيا من أن في وسع الغواصات الروسية أن تمثل خطراً على الكابلات التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي المعاصر. وتستلقي خطوط «الكابلات» فوق الممرات القاعيّة ذاتها التي عبرها الخط التلغرافي الأول عام 1858، وهي تحمل الآن كل الاتصالات التي تتم عن طريق الإنترنت تقريباً في العالم أجمع، وتقف وراء حجم للتبادلات التجارية الدولية يقدّر بتريليونات عدة من الدولارات يومياً. ولو تم اختراقها فقد يؤدي ذلك إلى التشويش على الإنترنت. وإذا تم التحكم فيها، فستصبح روسيا هي الدولة التي يمكنها أن تتحكم بتدفق البيانات عن طريق الإنترنت في العالم أجمع.
وقال قائد سلاح الجو البريطاني الفيلد مارشال ستووارت بيتش خلال لقاء صحفي: «إنه نمط من النشاط يرتقي إلى مستوى الخطورة. فهل يمكنك أن تتصور سيناريو لما يمكن أن يحدث لو تم قطع هذه الكابلات، أو تم اختراقها والتحكم فيها؟. لا شك أن ذلك سيؤدي إلى نتائج كارثية على اقتصادنا ونمط حياتنا».
ولم يصدر عن وزير الدفاع الروسي أي تعليق على هذه التطورات على رغم الطلب الموجّه إليه لشرح ما يحدث بالنسبة لموضوع «الكابلات». وتأتي هذه النشاطات البحرية الروسية بعد أن شدّد الكرملين على ضرورة تقوية الاستعدادات الجوية والبرية ضد «الناتو». وقد أصبحت المقاتلات النفاثة الروسية تخترق أجواء دول بحر البلطيق العضو في الحلف، وقام الجنود الروس بحفر خنادق وتحصينات قريباً من حدود تلك الدول خلال شهر سبتمبر الماضي.
وتعمل روسيا الآن على عصرنة أسطول غواصاتها المتهالك الذي يعود للحقبة السوفييتية، وقد تمكنت من إعادة تشغيل 13 منها منذ عام 2014. وتفتتح هذه الطفرة الجديدة في بناء وتجهيز الغواصات التي أتت بعد ضم الروس لشبه جزيرة القرم، عهداً جديداً من التحدي مع الغرب، دفع حلف «الناتو» لبذل المزيد من الجهود لمواجهته. وتمتلك روسيا الآن 60 غواصة من ذوات الحمولة الكاملة مقابل 66 تمتلكها الولايات المتحدة.
وقال الأدميرال «لينون»، إن مما يزيد قدرات روسيا العسكرية امتلاكها عدداً من غواصات البحوث القادرة على الغوص في الأعماق البحرية السحيقة، وتتضمن غواصة قديمة قاذفة للصواريخ معدلة بحيث يمكنها أن تحمل غواصات أصغر منها. وقال «لينون» إن هذه الغواصات الصغيرة يمكنها إجراء البحوث البحرية والمحيطية، وأن تنفذ مهمات التجسس وجمع المعلومات المتعلقة بالنشاطات فوق قيعان البحار. وأضاف: «وأما فيما يتعلق بما لاحظناه مؤخراً، فهو تزايد ملحوظ في تلك النشاطات بالقرب من الكابلات البحرية. ونحن نعلم أن هذه الغواصات المساعدة مصممة للعمل في قاع المحيط، وتم نقلها بواسطة سفينة أُم. ونعتقد أيضاً أنها مجهزة بأدوات مخصصة لالتقاط الأشياء من قاع المحيط».
وهذه الإمكانيات الجديدة ستزيد من قدرة روسيا على اختراق الكابلات أو قطعها تماماً إن أرادت ذلك. ومن المعروف أن كابلات الألياف البصرية المغلفة، هشّة، وسبق لبعض السفن التجارية أن أصابتها بالضرر بسبب إلقاء مراسيها في مياه المحيط في حالات الحوادث. وحدثت تلك الأضرار قريباً من الشواطئ، وكان من السهل اكتشافها وإصلاحها. إلا أن الأمر سيكون من دون شك صعباً لو حدث الضرر في أعماق الأطلسي، وستكون تكاليف إصلاحه باهظة.
ورفض «لينون» الإجابة عن سؤال يتعلق بما إذا كانت روسيا قد تعمدت بالفعل لمس الكابلات. وقد اعترف قادة عسكريون روس بأن روسيا تمارس نشاطات تحت البحر وعلى أعماق غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة عندما اضطرت إلى إلغاء برنامجها لبناء الغواصات بسبب الأزمة الاقتصادية والمشاكل السياسية.
وفي بداية العام الجاري، قال الأدميرال فلاديمير كوروليف، قائد القوات البحرية الروسية: «لقد بلغنا العام الماضي المستوى الذي كنا عليه قبل الحقبة السوفييتية بمقياس ساعات التشغيل التي بلغت 3000 يوم إبحار لأسطول الغواصات الروسية. وهذا مؤشر ممتاز».
ودفعت هذه التحركات الروسية الدول الغربية لإعادة النظر في مهاراتها المعروفة باصطياد الغواصات، وهي المهارات التي بقيت نائمة بشكل كبير منذ نهاية الحرب الباردة. وفي هذا السياق قال «لينون» إن حلف «الناتو» يمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، ولكن، خلال السنوات القليلة الماضية تأكدنا من حاجتنا العملية لإنجاز عمليات المراقبة والتعقب بطريقة أفضل. وخلال الأشهر الماضية، نفذت القوات البحرية الأميركية طلعات جوية استكشافية فوق المنطقة التي تنشط فيها الغواصات الروسية. ويوم الخميس الماضي، تعرضت إحدى هذه الطائرات لإطلاق نار من قاعدة بحرية في جزيرة صقلية عن طريق الخطأ، ولكنها واصلت طيرانها شرقاً في البحر الأبيض المتوسط بعد أن نفذت في اليوم السابق مهمة لمراقبة الغواصات الروسية في أعالي المحيط الأطلسي.

* محلل سياسي أميركي مقيم في بروكسل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»