الاقتصادي

«الصندوق الأسود» يطفو على الماء ويرسل إشارات لتحديد موقعه

من الطرق السريعة إلى الفضاءات المفتوحة

من الطرق السريعة إلى الفضاءات المفتوحة

ترجمة: حسونة الطيب

أستراليا هي أول دولة تقوم بصناعة الصندوق الأسود في بداية خمسينيات القرن الماضي، وربما تعود تسمية الصندوق بالأسود، للصناديق التي كانت تستخدم في البريد ورحلات الطيران العسكري لتخزين عمليات الاتصال السرية. ومن الفرضيات الأخرى، صبغه باللون الأسود لحمايته من الصدأ، أما تفسير سبب اللون البرتقالي الحالي، فهو بقصد سهولة الحصول عليه من بين حطام الطائرات.
منذ فجر عصر الطيران، أخذت إجراءات السلامة الجوية في التطور يوماً بعد يوم، وفي واقع الأمر، فإن احتمال الموت في حادث سيارة على الطرقات السريعة، يفوق احتماله داخل طائرة محلقة في الجو بمئات المرات، ورغم التطور المذهل في جانب السلامة الجوية، فلا يزال خبراء السلامة الجوية في وضع حرج بسبب حوادث سقوط الطائرات في البحار، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل، إخراج مسجلات الصوت المعروفة بالصناديق السوداء من أعماق المياه.
لكن شركة إيرباص أعلنت صيف هذا العام، عن جيل جديد من هذه الصناديق، يتم تركيبها في طائراتها الجديدة فئة «A350» بحلول نهاية 2019 وتتميز بسهولة استخراجها من المياه، وبدلاً من الغوص في أعماق المياه، ينفصل الصندوق عن الطائرة ويطفو على السطح، حيث يقوم بإرسال إشارات تلتقطها الأقمار الصناعية ليتمكن الباحثون إثرها من تحديد موقعه.
وهذه ربما تكون الخطوة الأولى في طريق تغيير كيفية استعادة بيانات طائرة متحطمة، ويرى بعض المدافعين عن القطاع، أنه ليس من الضروري حمل بيانات الطائرة على متنها وإنشاء مراكز أرضية بدلاً من ذلك تقوم باستقبال وتخزين البيانات. لكن ما يعيق ذلك، عدم توفر الموجات العريضة في كل مكان ومن ثم إرسال البيانات، ما يعني عدم الاستغناء عن هذه الصناديق على متن الطائرات.
وبصرف النظر عن الطريقة التي يتم بها الحصول على البيانات، يقول المحققون، إنه من الضروري الوصول للأسباب التي تؤدي لتحطم الطائرات، وإعادة تصميم مسجلات الصوت، ما هي إلا استجابة لاثنين من أكبر كوارث الطيران في العصر الحديث، التي سلطت الضوء على قصور الجيل الحالي من الصناديق السوداء.
ففي عام 2009، تحطمت طائرة «إير فرانس» في مياه المحيط الأطلسي في رحلتها بين باريس وريو دي جانيرو ومات 228 من المسافرين على متنها. وبعد بحث مضنٍ استمر لأكثر من سنتين وإنفاق مئات الملايين من الدولارات، تم الحصول على الصندوق الأسود من أعماق مياه المحيط.
واكتشف الباحثون، أن أسباب التحطم تعود لخلل في أجهزة استشعار مسؤولة عن توفير بيانات السرعة لطاقم قيادة الطائرة، ما أحدث تشويشاً في الإشارات المنبثقة من الأجهزة الأخرى، ومن ثم وقوع الحادثة.
وعقب الجهود التي بُذلت لاستعادة الصندوق وإهدار الوقت والمال، ناشد منظمو قطاع الطيران، إيجاد طرق أكثر سهولة وتكلفة لاستعادة الصندوق. ولاقت هذه المناشدة صدى واسعاً بعد حادثة الطائرة الماليزية في 2014 التي لم يتم حل لغزها حتى الآن.
وفي العادة، وبعد سقوط طائرة ما في أعماق المياه، يقوم جهاز صوتي ملحق بالصندوق الأسود، بإرسال إشارات لمدة 30 يوماً، ما يسهل الحصول على الصندوق في حالة تحديد موقع الحطام، رغم أن ذلك ربما لا ينطبق في حالة العمق السحيق.
وفي الجيل الجديد من أجهزة التسجيل لشركة إيرباصو التي تعكف «إلـ3 تكنولوجيز»، على تطويرها حالياً بالتعاون مع الفرع الكندي لشركة «ليوناردو دي أر أس»، سيتم الدمج بين وظيفتي الصوت والبيانات في جهاز واحد. وستكون الطائرة مزودة بجهاز ثابت وآخر ينفصل تلقائياً، لكل واحد منهما المقدرة على تخزين صوت طاقم الطائرة لمدة 25 ساعة، من واقع ساعتين فقط في الوقت الراهن.
وفي حالة الصندوق القابل للانفصال، يتحرر هذا الصندوق من جسم الطائرة بعد غوص حطامها في المياه بأمتار قليلة، ليطفو بعدها على السطح ويتم تنشيط نظام كشف بالأقمار الصناعية، الأول من نوعه على متن الطائرات المدنية. يعمل النظام بعد ثلاث ثوانٍ فقط من تنشيطه.
وعلى العكس من الصناديق الحالية، يعمل الجهاز على تحديث موقعه باستمرار طيلة فترة طفوه على سطح الماء. وعمدت شركة «دي أر أس» المصممة لهذا الصندوق، ليبقى لمدة 150 ساعة، ما يساوي 6 أيام تقريباً، أما عن الجهاز الآخر المثبت في الطائرة، فتعمل الشركة على تطويره لزيادة مدة إرسال الإشارات، إلى 90 يوماً، تماشياً مع النظم الجديدة التي يبدأ العمل بها العام المقبل. وبوضع كل العناصر في الاعتبار من الكادر البشري والآليات والبيئة، بالإضافة للأدوات التي تقوم شركات صناعة الطائرات بإنتاجها، يصبح نظام الطيران أكثر سلامة وأماناً، مقارنة مع العهد السابق.

نقلاً عن: إنترناشونال نيويورك تايمز