الاقتصادي

دواء الموت

«أينما يوجد حب لفن الدواء، يوجد حب للإنسانية»
أبقراط.. أعظم أطباء عصره، وأول مدون لكتب الطب
كأن البلدان النامية تنقصها المصائب! أو كأن الأمور على أفضل حال فيها، ولا يهم ظهور مشكلة ما! لا يزال الفساد يشكل محور الخراب الرئيس في غالبية البلدان النامية، ولاسيما تلك القابعة في القارة الإفريقية.
بعض هذه الدول حقق تقدماً ما في الحد من الفساد، لكنها لم تتمكن من جلبه إلى حدود مطمئنة. الفقر يتضاعف، وبعض البرامج الإنمائية الدولية في الدول المشار إليها، لم يحقق أهدافه، رغم أنه بلغ مستويات جيدة.
والمصيبة أن الفساد لم يعد (منذ سنوات طويلة) يختص بالقطاعات التنموية أو الخدمية أو التعليمية، أو بالمشاريع التي تكلف أضعاف تكلفتها الحقيقية، والبرامج التي تحمل معها فشلها منذ انطلاقها. الفساد تجاوز هذه القطاعات ليصل إلى الصحة العامة، وتحديداً الدواء الذي يمثل الركيزة الأولى للعلاج، خصوصاً ما يرتبط بالأوبئة والأمراض المتفشية وغيرها. أخيراً، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن قرابة 11% من مجمل الأدوية المباعة في البلدان النامية مغشوشة! بعض المختصين يشككون في هذه النسبة على أنها أقل من مستواها الحقيقي، ولاشك أن هذه الأدوية القاتلة تدخل الدول المشار إليها بمعرفة جهات تملك القرار، أو على الأقل بمساعدة أطراف لها علاقة مباشرة بصانعي القرار في هذا البلد أو ذاك، وإلا لا يمكن أن يصل المستوى إلى هذا الحد.
مسؤولون فاسدون، أفراد عصابات، تجار القتل العمد، كلهم مشتركون في هذه الجريمة الماثلة على ساحات غالبية البلدان الفقيرة. دون أن نستبعد بالطبع متعاونين مجرمين معهم من دول مصدرة للأدوية. فالمنظومة القاتلة هذه لا بد أن تستجمع أطرافاً تؤدي المهام الموكلة إليها، وترفع من عدد الأبرياء الذين يُقتلون جراء دواء الموت.
في تفاصيل معلومات منظمة الصحة العالمية، ما يدفع إلى الغثيان، ليس من أدوية الفساد، بل من أعداد وشرائح ضحاياها. فالأدوية المغشوشة مسؤولة عن قسم كبير من وفيات الأطفال الناجمة عن الملاريا والالتهاب الرئوي بشكل سنوي. وترجح موت ما بين 72 و169 ألف طفل من الالتهاب الرئوي كل عام جراء العقاقير المغشوشة. المروع، أن الدارسات بهذا الخصوص بلغ عددها 100 وشملت 48 ألف دواء حول العالم، وتبين أن أدوية الملاريا والعدوى البكتيرية تشكل 65% من الدواء المغشوش! مرة أخرى لا يستطيع أحد أن يحدد العدد الحقيقي للوفيات جراء هذا الدواء، لكنه بالتأكيد أكثر مما تتحدث عنه الدراسات التي تعترف بأن أرقامها لا تخرج عن نطاق التقديرات، وذلك لصعوبة الوصول إلى الأرقام الحقيقية في بلدان ليس فيها لوائح صحية أصلاً!
الأدوية المغشوشة، ليست أقل من وصمة عار، ليس فقط على حكومات فاسدة في بلدان نامية، بل على المؤسسات الدولية المعنية، التي يبدو أنها استسهلت إحصاء الضحايا، على أن تشن حملة عالمية تقودها حكومات فاعلة لوقف جريمة بشعة ضد الإنسانية.