تقارير

كتالونيا.. هزيمة ثنائية

بعد أكثر من شهرين من تنظيم الحكومة الإقليمية في كتالونيا استفتاء مثيراً للشقاق على الانفصال، ها هم الكتالونيون يذهبون إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى لاختيار إدارة جديدة. وكانت الحكومة الإسبانية قد حلت برلمان الإقليم بعد أن أعلن الانفصال من جانب واحد في أكتوبر الماضي، ومنذئذ يخضع الإقليم، الذي يعتز بشدة بتاريخه وهويته الثقافية المتميزة، لحكم مدريد المباشر. وهناك زعيمان سياسيان كتالونيان انفصاليان يحركان الحملات الانتخابية لحزبيهما غيابياً، وهما رئيس إقليم كتالونيا السابق كارلس بوتشدمون في منفاه الاختياري في بروكسل، ونائبه السابق ومنافسه السياسي أوريول جونكيراس المعتقل في مدريد.
وتستغل مناورة الانفصاليين التي يتزعمها بوتشدمون سنوات من الشعور المتنامي المؤيد للانفصال في كتالونيا. ويصور الانفصاليون الكتالونيون مسعاهم باعتباره نضالاً من أجل ما يقولون إنه قضية عادلة لتقرير المصير، مشيرين إلى غالبية أصوات الكتالونيين الذين يريدون التصويت في الاستفتاء. وقد يحمل رد مدريد الحالي إليهم أصداء ماض سلطوي وقمعي. بينما يعتبرهم خصومهم، ومن بينهم رئيس الوزراء المحافظ للحكومة الإسبانية ماريانو راخوي، متمردين زجوا بإسبانيا في أزمة دستورية مدمرة وغير ضرورية.
وقد نقلت قرابة ثلاثة آلاف شركة مقراتها من كتالونيا إلى مناطق أخرى في إسبانيا بسبب حالة عدم اليقين السياسي. كما حذر محللون سياسيون من عواقب «عامل مونتريال»، في إشارة إلى أن المساعي المتكررة لإجراء استفتاء على استقلال «كيبك» أدت إلى ضعف النشاط الاقتصادي في تلك المقاطعة الكندية الناطقة بالفرنسية. وفي هذا السياق ألقى «هايمي ماليه» رئيس غرفة التجارة الأميركية في إسبانيا وهو كتالوني يعارض بشدة انفصال الإقليم، باللائمة في الفوضى على «حملات الدعاية الكبيرة والموسعة» التي يخوضها الانفصاليون وتذكيها أطراف محل شبهة من الخارج مثل جوليان أسانج مؤسس «ويكيليكس» والشبكات الروسية.
والمشوق في الأمر أن استطلاعات الرأي تشير إلى غالبية واضحة من الناخبين من مواليد الألفية الجديدة في كتالونيا يفضلون الانفصال مما يشير إلى مدى التأثير الذي أحدثه الاضطراب السياسي لدى الأجيال الشابة. ويرى «بوني فيلد»، أستاذ الدراسات العالمية في جامعة بينتلي الأميركية، أن المحفز الأساسي للأزمة ليس الطموحات الكتالونية القديمة بل الاضطرابات التي حدثت في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي أثرت بشدة بشكل خاص في إسبانيا. وأدلى «فيلد» بهذا الرأي في حلقة نقاشية استضافها مركز «ويلسون» بالتعاون مع معهد «الكانتو رويال» وهو مركز بحثي مقره مدريد. فقد تصاعد غضب الإسبان من إجراءات التقشف، ومن عجز الصفوة السياسية، ولقي هذا صدى مع مشاعر الاستياء لدى القوميين الكتالونيين. وتعرض راخوي وحكومته المحافظة لانتقادات بسبب سحقهم لأي محاولة لمناقشة الطموحات الكتالونية مما ساهم في وصول الأمور إلى حافة الهاوية بين مدريد والانفصاليين في برشلونة.
ويرى جوزيف كولومر، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة جورج تاون الأميركية، أن كتالونيا التي تمثل خمس اقتصاد إسبانيا أكبر من أن تذوبها مدريد بشكل سريع، وليست أيضاً صغيرة بحيث تتركها لشأنها مثلما فعلت مع إقليم الباسك الذي كان مضطرباً ذات يوم والذي يتمتع حالياً باستقلال ضرائبي سخي من مدريد. وبالتالي يعتقد كولومر أن المأزق الحالي قد لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة مما قد يمثل هزيمة ثنائية للحكومة الإسبانية المركزية والمشروع الانفصالي الكتالوني في الوقت نفسه.

* كاتب متخصص في الشؤون الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»