تقارير

نهاية عهد «الميركلية»!

اتسم عهد المستشارة أنجيلا ميركل بتوق عميق للاستقرار. ومع ذلك نجد أن فترة ولايتها، هي التي أفضت إلى وضع عدم الاستقرار الحالي في ألمانيا، بحيث يمكن القول، من وجهة نظر معارضيها، إن الوقت قد حان للمضي قدماً من دون الميركلية.
وماذا عن الشراكة معها في السلطة؟ لا يبدو أن كثيراً من السياسيين في ألمانيا يريدون ذلك. فالحزب الديمقراطي الحر تملص منها بالفعل، والحزب الديمقراطي الاشتراكي ينخرط في جدل صاخب حولها منذ أسابيع. فما الذي دهى هؤلاء السياسيين؟ أليست السلطة، كما يفترض، هي أقصى شيء يشتهيه السياسيون؟ لقد اعتاد الناس أن يقولوا إن الطيور تطير بشكل غريب قبل الكوارث الطبيعية مثل الزلازل، أو ثورات البراكين. والشيء نفسه ينطبق، كما يبدو الآن، على بعض السياسيين. فهم يستشعرون أن شيئاً ما على وشك الحدوث -شيئاً كبيراً- نهاية عهد ميركل. ولذلك نجدهم يتصرفون على نحو مختلف عن ذلك الذي اعتادوا عليه.
وليس هناك شك في أن ألمانيا قد استفادت من الميركلية، حيث تمكنت من اجتياز الأزمة المالية العالمية بسلاسة بالغة، والمحافظة على قوة الاقتصاد وازدهاره. ومع ذلك لم تكن ميركل قادرة، في أي وقت، على إقناع نفسها بالقيام بإصلاحات كبرى، لأنها كانت تعتقد أنها لو فعلت ذلك، فإنه سيؤدي لإغضاب الناس، ووضع نهاية للهدوء الخانق الذي وسم عهدها.
ولكن الميركلية تمر الآن بأزمة ناتجة عن أن شرطين جوهريين لاستمرارها لم يعد ممكنا الالتزام بهما وهما: أن استمرار الميركلية يتطلب مناخاً اجتماعياً يتيح الفرصة لتوافق عريض في الآراء، والثاني، أن الميركلية، بطبيعتها، تتطلب أن تكون ميركل ذاتها قوية.
ولسنوات عديدة ساد توافق آراء جوهري في ألمانيا. فمفهوم ميركل للتهدئة نجح إلى حد كبير -إلى درجة أن أكبر أزمة واجهتها في فترة حكمها، وهي الأزمة المالية العالمية، لم تؤد لانقسام المشهد السياسي في البلاد. ولكن هذه التهدئة، وصلت إلى نهايتها بسبب أزمة اللاجئين عام 2015 التي أثارت صراعاً، أدى إلى وصول حزب يميني شعبوي هو «حزب البديل من أجل ألمانيا» إلى البرلمان، كما أدى إلى انقسام حزب ميركل الديمقراطي المسيحي، وأبعد الحزب الديمقراطي الحر، عن حزب الخضر، ودق إسفيناً بين الحزب الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) وقطاعات من المحافظين. وهذا الانقسام يمر مستمر الآن، الأمر الذي أدى إلى ظهور هامش سياسي عريض على اليمين، لا يمكن الوصول إلى توافق آراء معه.
والحزب الديمقراطي الاشتراكي، والحزب الديمقراطي الحر، يحاولان في الوقت الراهن النأي بنفسيهما عن المستشارة، بعد أن تعلما من خلال التجربة أن الميركلية تتغذى على امتصاص طاقة الآخرين. وفترة ما بعد ميركل هي التي تستنفد تفكيرهما الآن، وهما يريدان أن يضمنا أنهما سيكونان في أفضل وضع ممكن عندما تحين اللحظة المناسبة.
ومن المعروف أن المرحلة الأخيرة في أي عهد، تميل إلى أن ترى تحولاً في الاهتمام نحو المستقبل، وهو أمر سيئ بالنسبة للفترة الحالية في ألمانيا التي تفتقر إلى حكومة مستقرة، ويفقد حزباها الاشتراكي الديمقراطي، والديمقراطي الحر، بوصلة الاتجاه، وتبدأ الطيور في الطيران بشكل غريب.
في الوقت ذاته، نجد أن الميركلية قد تحولت إلى أنقاض. لقد سعت الميركلية دوماً إلى تهدئة البلاد، ولكن سياساتها الخاصة باللاجئين، وما نتج عنها من فقدان للسيطرة، أدت إلى تفجير الاضطراب بدلاً من ذلك. لقد سعت ميركل إلى الاستقرار بأي ثمن، ولكنها دفعت بالبلاد إلى واحدة من أكثر فتراتها اضطراباً. بيد أن أكبر مشكلة تواجه الميركلية في الوقت الراهن، كما ظهر مؤخراً، هي ميركل ذاتها. التي باتت صورتها مقترنة في الأذهان بنهاية عهد، وليس ببداية جديدة.

* نائب رئيس تحرير مجلة «دير شبيجل» الألمانية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»