الرياضي

هل فقدت كأس الخليج بريقها بعد غياب الكبار؟!

منير رحومة، معتز الشامي، رضا سليم (الكويت)

جرت العادة أن تصنع كأس الخليج حالة استثنائية، في كل دول المنطقة، وأن تحظى باهتمام كبير من مختلف الفئات، وأن تقتحم عقول وقلوب عشاق كرة القدم في البيوت.. ولمن تابع البطولة منذ نشأتها حتى الآن، يجد أن الإثارة لا تتعلق فقط بمن هم داخل «المستطيل الأخضر» ويصنعون الفوز، أو يتجرعون مرارة الخسارة، أو من يدربون ويضعون الخطط و«التكتيكات»، ومن يرافقونهم من الإداريين، إلا أن المتعة تمتد أيضاً إلى المجالس والديوانيات، في بهو الفنادق الرسمية للبطولة، حينما كان يجتمع الرموز
و«يطقطقون» في أحاديث تستهويها القلوب وتستعذبها الأذان، وتصل إلى من يهمه الأمر في «لمح البصر»، لأنها تقال في حضرة وسائل الإعلام، التي تنقلها إلى الرأي العام، وتصل إلى المعنيين بها، ويتأهبون للرد والتعليق، ويطلقون التصريحات المثيرة في الاتجاه المعاكس، ويخطئ من يعتقد أن المباريات ونتائجها لا تتأثر أحياناً ببعض التصريحات التي تطلق من الرموز والأسماء الكبيرة، بمعنى أن كلمة المغفور له الأمير فيصل بن فهد كانت مثل السيف على رقبة لاعبي «الأخضر» السعودي، وأن إشارة المغفور له الشهيد فهد الأحمد الصباح كانت تصنع الحافز للاعبين في الأزرق، وأن «مزحة» الشيخ عيسى بن راشد، أطال الله في عمره، كانت تحول الصراع إلى ساحة للفلسفة، ومنبر للحكم والأمثال.
كل ما سبق جعل للبطولة زخماً كبيراً، والجماهير تقف أحياناً على أطراف أصابعها لتتابع سخونة المشهد، داخل الملعب وخارجه، وفي كل الأحوال، كان الاحترام والتقدير باقياً بين الرموز، والمحبة تظلل الجميع، ولكن لماذا اختفت الرموز، وغابت الديوانيات؟، ولماذا أصبحت الإثارة لا تتجاوز حد «المستطيل الأخضر»؟ ولماذا جفت منابع «الطقطقة» المثيرة»؟، وهل من الممكن أن تعود هذه المشاهد، أو تظهر رموز جديدة تحيي الإثارة؟، كلها أسئلة طرحناها على عدد من الأقطاب الذين عاصروا الرموز، وكانوا ضيوفاً دائمين على الديوانيات، وبعضهم يؤثر في الأحداث ويتأثر بها، لنستطلع تفاصيل المرحلة التي نعيش فيها الآن، ونستشرف ملامح المستقبل مع كأس الخليج التي باتت طقساً مهماً من طقوس المنطقة.

الأجيال الجديدة تشجع الريال وبرشلونة
عبدالملك: «العولمة» تركت بصمة سلبية!
الكويت (الاتحاد)

أكد إبراهيم عبدالملك، الأمين العالم لهيئة الرياضة، أن مسألة تراجع الزخم في بطولة الخليج، بعد عصر الرموز، لا تقتصر فقط على الشخصيات المتفاعلة فيها، ولكنها امتدت أيضاً إلى اللاعبين ومدربيهم، لأن البطولة لم تعد الاهتمام الأول لهم، بعكس ما كان في السابق، حينما كانت بطولة الخليج أهم حدث رياضي لكل منتخبات المنطقة، والمنافسات قوية، والجماهير تلتف حولها، ولا يوجد شك في أن بعض القيادات الرياضية لها دور كبير في استقرار وقوة البطولة، ولما غابت القيادات، فقدت البطولة جزءاً كبيراً من بريقها.
وقال عبدالملك: القيادات الرياضية في السابق كانت قريبة من الشارع الرياضي، وتملك سلطات وصلاحيات كبيرة، وكلمة كل منهم حاسمة، وبالتالي التفاعل معهم كبير، والإعلام في العادة يأخذ «خبطاته» من الشخصيات المهمة، ويحرك الشارع بتصريح أو قرار من قيادة تملك كل السلطات، وتلك الحالة أضفت خصوصية على بطولة الخليج، التي لا تخلو من المناوشات والمناورات بين الكبار، والتي تتحول تلقائياً إلى مجال لـ «الفكاهة»، وأعتقد أن الآلة الإعلامية القوية تفعل كل هذه الأمور، والإعلام المكتوب نفسه له بريق، وخصوصية في «صك التعبيرات»، و«حياكة القصص»، و«نسج السيناريوهات»، وكل هذه الأمور تعطينا مشهداً مختلفاً، إلا أن رغبات الجمهور تغيرت، والعولمة غيرت مفاهيم الأجيال الجديدة، التي بدأت تنظر إلى كأس الخليج وكأنها بطولة تنشيطية، واهتمامات القيادات الرياضية والشبابية انصرفت عن الرياضة، إلى مجالات أخرى، وكل هذه المعطيات في النهاية تسببت في قلة الزخم في كأس الخليج.
وقال: الأجيال الجديدة تشجع ريال مدريد وبرشلونة، ولا تلتفت للدوريات المحلية أو البطولات الإقليمية، كما أن المسؤولين في الاتحادات حالياً، لا يملكون السلطات التي كانت في يد سابقيهم، وبالتالي لا يرغبون في التورط بالتصريحات التي قد تضرهم أكثر من أن تنفعهم، وفي الجانب الآخر فإن النقل اليومي للبطولات القارية والعالمية والدوريات القوية في أوروبا، عمق من نظرة الناس لبطولات الخليج، باعتبارها منافسة ترفيهية.
وعن مدى إمكانية صناعة أجيال جديدة من الرموز القادرة على إعادة البريق لكأس الخليج قال: الزمن تجاوز هذا المفهوم، والساحة لا تقبل تكرار الماضي حالياً، ولست مقتنعاً بأنه من الممكن أن نعيد أجواء الماضي بوسائل ومتطلبات ومعطيات الحاضر، لأن الماضي أصبح وراءنا، والأجيال اختلفت كما قلنا، والتحديات نفسها تغيرت.

الدوسري: «التواصل الاجتماعي» خطف الأضواء!
الكويت (الاتحاد)

قال عبدالمحسن الدوسري الأمين العام المساعد لهيئة الرياضة، إن النسخة الأخيرة بالرياض فقدت الديوانيات في أيامها الأولى، ومع حضور الشيخ عيسى بن راشد لبعض الوقت، عادت الجلسات والروح للبطولة، ومن خلال متابعته ومعايشته لكل بطولات الخليج السابقة، يرى رائحة الإثارة غلفت الأجواء في «بطولة الرياض» مع عودة الشيخ عيسى بن راشد، لأن الجميع التف حوله، وبدأ يستمع إلى آرائه وتصريحاته، لأنه «فيلسوف» بطولات الخليج، وقال: أتمنى أن يمتعه الله بالصحة، وأن يتواجد ولو قليلاً في نسخة الكويت، وأن نلقاه لنطمئن عليه.
وقال: إذا تصورنا المشهد في السابق، والذي كان الأبطال فيه، سمو الشيح حمدان بن زايد آل نهيان لفترة، وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان لفترة ثانية، والمغفور له بإذن الله الأمير فيصل بن فهد، والشهيد فهد الأحمد، والشيخ عيسى بن راشد، وتخيلناه الآن، لا بد أن نعترف بأنه أصبح فقيراً، ولا يقارن بما كان، وفي السابق كانت تصريحات شيوخنا والأمير فيصل قليلة، وفي المقابل تحدث الشهيد فهد الأحمد، والشيخ عيسى بن راشد في كل ما يريده الإعلام، وأي شخص من المسؤولين عن الرياضة في منطقة الخليج، أو إعلامي يسارع إلى مجلس الشيخ عيسى بن راشد، أو الشهيد فهد الأحمد، وكان الشهيد فهد الأحمد يشعل المجالس بتصريحاته.
وأضاف: الوجوه الجديدة من رؤساء الاتحادات فيهم «الخير والبركة»، ولكنهم لا يملكون الشخصيات الاعتبارية مثل السابقين، وكلهم متحفظون، والمسألة أن الظروف نفسها تغيرت، لأن كأس الخليج أصبحت جماهيرها أقل من ذي قبل، وأعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تخطف الأضواء من الديوانيات والأحاديث الصحفية، وتحل محلها، والبطولة الحالية لها ظروف خاصة، وربما تؤثر على الجلسات والديوانيات.

خليل الزياني: الديوانيــات ارتبطت بالأسماء الكبيرة
الكويت (الاتحاد)

قال خليل الزياني، نائب رئيس نادي الاتفاق وعميد المدربين في السعودية، إن الدورة أقيمت لكي تجمع شباب المنطقة، وإعلامها الرياضي، ومسؤولي الاتحادات والفرق الرياضية تحت مظلة واحدة، وإنها بالفعل مثل الكرنفال، طوال مراحل السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات، وإن التنافس قوي بين المنتخبات، لأن كل مباراة «ديربي»، مشيراً إلى أن المسؤولين عن الاتحادات والمنتخبات في هذه المرحلة كانوا الشيوخ والأمراء، وإن اجتماعهم يصنع حالة من الإثارة والمتعة، حتى أصبحت الدورة رمزاً من رموز منطقة الخليج.
وقال الزياني: الديوانيات كانت ترتبط بالأسماء الكبيرة، ومثل منصات الإبهار في البطولات، يلتف حولها المسؤولون في الاتحادات، والإعلاميون، وحيث الكبار دائماً مثل القرارات واجبة النفاذ بالنسبة للفرق، والرأي العام، والمناورات في الكثير من الأحيان تصيب الهدف، الإثارة تزيد، إلا أن الوضع اختلف تماماً الآن، لأن الرموز اختفت، والمزاج تحول، والاهتمام الجماهيري نفسه قل وتراجع، حيث إن كأس الخليج أصبحت في مرتبة ثالثة للمنتخبات، بعد كأس العالم وكأس آسيا، كما أن الأجيال الجديدة تجاوزت المحلية، وأغلبها أصبح يشجع منتخبات وفرقاً عالمية، ومن جانب آخر فإن غياب الراحلين فيصل بن فهد، وفهد الأحمد، لم يغطيه أحد من الرموز الجدد، لأن الفروق الفردية في الشخصيات كبيرة. وقال الزياني: من الطرائف الجميلة، أن الشهيد الشيخ فهد الأحمد الصباح، رحمه الله، كان يتفاءل ببعض الأشخاص ويتشاءم من الطيور، والصغار الذين يتواجدون في المنصة الرئيسية للملعب تحديداً!، وأثناء «خليجي 9» بالرياض عام 1988، تواجد أحد الأشخاص الذين يتشاءم منهم الشهيد، وذهب الشيخ عيسى بن راشد إلى الأمير فيصل بن فهد، وتحدث معه ليبقى الرجل حتى نهاية الدورة، وبالفعل طلب الأمير استضافة الرجل على نفقته الخاصة، مما أثار غضب الشهيد!

حسين سعيد: قيادات الزمـــن الجميل «غير»
الكويت (الاتحاد)

شدد حسين سعيد أسطورة الكرة العراقية، وصاحب 78 هدفاً دولياً مع «أسود الرافدين»، ورئيس الاتحاد السابق، على أن كأس الخليج فقدت رموزها لسبب واحد، هو أن الرموز السابقين، كانوا يعتبرون كرة القدم حياتهم، يعملون معها ولها 24 ساعة، في حين أن رؤساء الاتحادات الحاليين يعتبرون الكرة أولوية ثانية أو ثالثة، وأنهم في الكثير من الأحيان لا يحضرون المنافسات.
وقال: أشعر بالمرارة وأنا أقول هذه الكلمات، لأن بطولة الخليج قادتنا من المحلية إلى العالمية، وأسهمت في تأسيس منشآتنا الرياضية، وأنتجت النجوم والمواهب، ويجب أن نعترف بذلك، وأن نكون أوفياء لها، ومن دونها لم يكن لفريق خليجي أو عربي من عرب آسيا أن يفوز بكأس آسيا، أو يتأهل إلى كأس العالم، وبالحق أقول إن الرموز والشخصيات في السابق من الأمراء والشيوخ كانوا أكثر عطاءً لكرة القدم، وأن لقاءاتهم ينتج عنها قرارات التطوير والتحديث، والمنافسة الشريفة بينهم تنعكس على الفريق في الملعب، وتصريحاتهم تستمد قوتها من شخصياتهم، والتصريح وكأنه قرار واجب النفاذ من اللاعبين والأجهزة الفنية.
وأضاف: لا أتوقع أن تظهر رموز جدد، لأن الأولويات اختلفت لدى الجماهير والمهتمين ببطولة الخليج، وأصبحت حدثاً للعلاقات العامة والمجاملات أكثر منه بطولة كروية قوية، وأعتقد أن الاحتراف الخارجي الذي يمنع اللاعبين من العودة للمشاركة فيها، وعدم الاستعداد الجيد لها، حيث إنها تقررت على عجل، وانصراف الاهتمام إلى كأس العالم، كلها عوامل تضعف من كيان البطولة، وتقلل من قيمتها الفنية والجماهيرية، ومع ذلك أتمنى أن تكون تلك النسخة محطة على طريق العودة إلى قيم وتقاليد البطولة المهمة، وأن تعود الكرة الخليجية من الباب الواسع، وتنتصر لفضل البطولة عليها.

أحمد راضي: التصريحات النارية في الثمانينيات انعكست على الأداء
الكويت (الاتحاد)

أشار أحمد راضي لاعب القرن في العراق، إلى أن غياب الزخم عن البطولة الخليجية يعود إلى أسباب عدة، في مقدمتها تراجع الوزن الفني لها، ومشاركة بعض المنتخبات بالصف الثاني أحياناً لظروف ارتباطاتها القارية والعالمية في حال تأهلها إلى المونديال، فضلاً عن ضعف المردود من بعض اللاعبين الذين يخشون من الإصابات، التي تؤثر عليهم في الدوريات المحلية.
وقال راضي الذي لعب دوراً بارزاً في فوز «أسود الرافدين» بـ3 بطولات خليجية، إن الرياضة تولى مسؤوليتها شخصيات كبيرة من أبناء الرؤساء والأمراء والشيوخ، الأمر الذي أكسبها بُعداً سياسياً، وتسبب ذلك في انسحابنا بإحدى النسخ، ولذا فإن الصراع فيها أقوى من الوقت الحاضر، وبعض القادة والمسؤولين لا يقبلون إلا بالفوز، ومن هنا كانت التصريحات نارية من القيادات في الثمانينيات تحديداً، وانعكس ذلك على أداء اللاعبين في الملعب، حيث تحولت المباريات إلى ساحات للتنافس الشديد، والحسابات معقدة أمام اللاعبين، في حال الخسارة.
وأشار إلى أن هذه الأجواء في النهاية شكلت ذكريات جميلة الآن، وصنعت حالة من الإثارة والمتعة، وأضفت على البطولة رونقاً خاصاً، وجعلتها واحدة من المسابقات الاستثنائية، وفي الوقت الراهن، تراجع الاهتمام بها، وأصبحت مثل الدورات التنشيطية الإعدادية. وعن مدى قدرة الساحة الرياضية على صناعة رموز جدد قال: في الوقت الراهن، وبهذه المعطيات لا أعتقد أنها تسمح ببروز شخصيات ورموز جدد، لأن البطولة أصبحت حدثاً يكمل الصورة، ويحافظ على التاريخ فقط، أكثر من كونها منافسات قوية لحصد الألقاب، وأكبر دليل على ذلك هو الطريقة التي تقرر بها إقامة البطولة، حيث إنها جاءت بشكل مفاجئ، ودون ترتيب أو إعداد كالعادة من المنتخبات المشاركة، وهو الأمر الذي ينعكس بالضرورة على مستواها الفني.

عبداللطيف بخاري: «الطقطقة» تحولت إلى المدربين واللاعبين فماذا ننتظر؟
الكويت (الاتحاد)

شدد الدكتور عبداللطيف بخاري، أستاذ الإدارة والقانون الرياضي، عضو مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم، عضو مجلس أمناء جائزة محمد بن راشد للإبداع الرياضي، على أن مستوى التذوق لدى جماهير الكرة الخليجية تجاوز بطولة كأس الخليج، وبالتالي فإن المتابعين لها أصبحوا أقل، مشيراً إلى أن طموحات المسؤولين في الاتحادات والجماهير في البيوت تجاوزت كأس الخليج.
وقال: رغم أن البطولة قلت أهميتها على ضوء المعطيات الجديدة، فإنها ما زالت بها بعض الإثارة، المتعلقة بمباريات دول الجوار، التي يمكن أن نطلق عليها جميعاً «ديربيات»، فإن المنافسة مع الأقارب لها طابع خاص، والفوز على الجار له مذاق فريد، والدخول في الجدليات والتصريحات والتصريحات المضادة التي نطلق عليها «طقطقة» موجودة، ولكن مستوى الاهتمام بها قل، حيث إنها أصبحت تصدر عن اللاعبين والمدربين، بعد أن كانت من الشيوخ والأمراء في السابق، وعندما يغيب الشيوخ والأمراء عن المشهد الرياضي يقل بريقه.
وعن فرص رؤساء الاتحادات الحاليين في استعادة عصر الرموز قال: الرموز حلت محلها المؤسسات، وهي اتحادات كرة القدم، والاتحاد لا يمثله فرد واحد، بل إنه يعبر عن رأي المجموع، وبالتالي يكون الرئيس حذراً جداً في تصريحاته حالياً، وبالتالي لا يدخل في السجالات، وينأى بنفسه بعيداً عن الشائعات والمناوشات، وأعتقد أن بناء الشخصيات والرموز الرياضية في المرحلة الراهنة به «خلل»، لأن اللجنة التنظيمية الخليجية كيان متواضع، لا يسمح بصناعة الرموز. وقال: حتى لو وجدت رموزاً من الأجيال الجديدة، فلن تملك التأثير مثلما كانت عليه الأمور في السابق، لأن الحدث الرياضي في السابق هو كأس الخليج، أما الحدث الرياضي حالياً هو كأس العالم، ثم كأس آسيا.