أخبار اليمن

نصاب.. مديرية الثارات القبلية وغياب السلطات

نصاب.. مديرية الثأرات

نصاب.. مديرية الثأرات

علي سالم (شبوة)

نصاب، من مديريات محافظة شبوة (جنوب اليمن) التي تعاني كثيراً من التدهور في مستوى الخدمات، إضافة إلى إصابتها بوباء الثأر القبلي، الذي أزهق أرواح المئات من أبنائها منذ البدايات الأولى لإعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، ومنذ ذلك التاريخ دخلت المديرية في دوامة العنف والصراعات القبلية المختلفة ما أنتج توقف عملية التنمية فيها، وتوقف عجلة الحياة منذ اندلاع ثورة الشباب على نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وحتى اللحظة.
تقع مديرية نصاب إلى الغرب من عاصمة المحافظة «عتق»، وتبعد عنها بحوالي ‏(40) كيلو متراً، يشكّل سكان المديرية ما نسبته ‏«8.9%» من إجمالي سكان المحافظة البالغ 568000 بحسب ما ورد العام «2011» وعدد مراكزها ‏«6» مراكز، هي مدينة نصاب مركز المديرية، وعبدان، ضراء، الحنك، العوشة، الحجر، وتعد التجارة، الزراعة، تربية النحل، تربية المواشي من أهم الأنشطة الرئيسة لسكان المديرية، ويشكل إنتاج المديرية من المحاصيل الزراعية ما نسبته «30%» من إجمالي إنتاج المحاصيل الزراعية في المحافظة، وأهمها الحبوب والأعلاف والخضراوات. ومن أهم معالمها التاريخية نقش وادي عبدان الكبير، وهجر امذيبية وقلعة الخرشات و«مسجد آل محمد والمسجد الجامع» في مدينة نصاب، وبئر رعنا التي يعود إليها تأسيس مدينة نصاب.

نقش عبدان
وعن نقش عبدان الكبير، يقول الباحث مازن عبد الحبيب، إنه ما زال موجوداً على صخرة كبيرة أسفل جبل ملحة في حفرة في وادي عبدان، وهو منقوش على صخر جرانيتي عرضه حوالى 4.50 متر وارتفاعه 2.60 متر، ويوجد نقش آخر في نفس المكان، وأيضاً نقش ثالث يُقال إنه مدفون بالرمال، ويشير إلى أن الفرنسية جاكلين بيرن - رئيسة البعثة الأثرية الفرنسية عندما زارت الوادي برفقة ريمي أدوان - عضو البعثة في مارس عام 1976م بعد انتهاء موسم عمل البعثة في مدينة شبوة، عثرت عليه، وقامت البعثة بكتابة محتوى النقش ودراسته، ولاحقاً قامت جاكلين بيرن بنشر بحث عن النقش باللغة الفرنسية، شرحت فيه محتوى النقش، وقام الدكتور محمد عبد القادر بافقيه بترجمة البحث إلى العربية لينشره في دورية ريدان عام 1982م. يتوسط مدينة نصاب أحد أقدم الأسواق في شبوة والذي تم بناؤه إبان عهد السلطنة العولقية التي شهدت نصاب في عهدها أزهى أيامها وانتشرت آنذاك المدارس العلمية والأندية الرياضية والنشاط التجاري.

مشاكل
ويقول التربوي، أيوب محمد صالح، عما يحدث في مدينة نصاب، إن ذلك السواد أتى عندما: «فتح ... لمكتبه فرعاً في نصاب، فثارت الفتنة، ونشبت الحروب القبلية العبثية بلا سابق إنذار، ذهبت بكل شيء وأصبحت المؤسسات الحكومية مجرد مبان خاوية على عروشها، تسكنها (الكلاب) و«القطط» و«الجرذان»، بسبب عقليات القبيلة التي انزلقت في حروب لم تكتب لها النهاية بعد، وقال أيوب: حرمت نصاب طوال سنوات عدة من أشياء كثيرة في كل الجوانب وتشوشت الصورة الحقيقية لها وصارت مهملة، من قبل السلطات الحكومية وتجاهلتها المنظمات المجتمعية، وصار مجرد ذكر اسمها مصدراً للتشاؤم، أينما ذكرت بسبب فوهات المدافع، وطلقات الرصاص القاتلة وأصبحنا نعيش تحت رايات المناطقية والقبلية، وضع لا يحسد عليه أجبرنا على البكاء ونحن نقع في فوهة المدفع ليلاً ونهاراً، قالها بتنهد شديد. كانت مديرية نصاب، على أعتاب تبوؤها لتكون عاصمة لمحافظة شبوة، لامتلاكها منشآت ومؤسسات ومرافق حكومية وعسكرية، ميزتها عن غيرها من مديريات المحافظة، قبل أن تدق طبول الحروب القبلية على بابها، وتحولها إلى بيئة طاردة لمقومات الحياة.
يعدد الناشط صالح بامقيشم أسباب التعقيدات التي تعاني منها المناطق الريفية، ومنها مديرية نصاب، ويقول: «إن المركزية هي سبب كل التعقيدات التي يشهدها الوضع في المناطق الريفية، ونحن أحوج ما نكون إلى نظام يتخلص من الروتين والبيروقراطية، وإقرار نظام فيدرالي يتعاطى مع خصوصية وهوية كل منطقة، ومناهج دراسية لا تنشر التعصب وضيق الأفق، وتدعيم ثقافة الحوار والقبول بالرأي الآخر والوسطية والاعتدال، مشيراً إلى أن القضية الجنوبية هي جوهر كل القضايا التي لا يمكن حلها دون الاعتراف بها».
ويشير علي محمد، وهو شاب في العقد الثالث من عمره إلى معاناة المواطنين في المديرية، ملخصاً أهم المشاكل وتتمثل في الأمن، والتعليم والصحة والكهرباء والمياه، ويضيف أن الثارات، وغلاء الأسعار، والبطالة تهدد المجتمع في نصاب بمزيد من الكوارث التي سنحتاج إلى سنوات لعلاجها.

نصاب تواجه الميليشيا
سيطر الانقلابيون على مديرية نصاب يوم الأحد 31-5-2015م، بعد اقتحام المدينة معززين بعشرات الدبابات والمدرعات، بعد أن شهدت أطراف المدينة مواجهات عنيفة في شهر مارس، لم يستطيعوا الدخول إليها، في محاولة منهم للسيطرة على الطريق الرئيسي الذي يربط عتق وبيحان ومحافظة البيضاء.
يقول الناشط بامقيشم، إن الميليشيات هاجمت مديرية نصاب بشراسة وتصدى لهم الأهالي والمقاومة بشجاعة وسقط عدد من الشهداء والجرحى وتم تدمير عدد من المنازل، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بكثير من الخدمات نتيجة الاشتباكات والقصف المكثف الذي شنته الميليشيا على المدينة.
انسحبت ميليشيات الحوثي من نصاب نهاية شهر أبريل، وظلت المديرية خالية من أي تواجد للسلطات على الرغم من تنفس الأهالي الصعداء بعد خروجها، وعندما عين الرئيس هادي، محافظاً جديداً لشبوة، منتصف شهر سبتمبر، العام الماضي، بدأت محاولات خجولة لترتيب الأوضاع فيها، إلا أنها لم تكن كافية على ما يبدو، رغم تعيين المحافظ السابق أحمد لملس، لأول مدير عام للمديرية منذ سنوات، إلا أن الوضع بالمديرية لا زال بحاجة إلى جهود أكبر لتلافي تداعيات غياب الدولة ومكافحة الفساد والتسيب، ويقول المواطن محمد صالح، إنهم يتوقون لرؤية علم الدولة وقوتها يزين مديرية نصاب، لاستتباب الأمن فيها، وعودة الحياة بشكل جذري.

الثأر معضلة
تحاول شخصيات اجتماعية ووجاهات الحد من استفحال حروب الثارات القبلية التي مزقت النسيج الاجتماعي لسنوات طوال، وشهدت المديرية سلسلة من الحروب بين القبائل أدت إلى تعطيل الحياة وتدني الأداء الحكومي والشلل التام في القطاعات الخدمية، إضافة إلى مقتل وإصابة المئات، ويتفق أغلبية أبناء نصاب أن الثأر عادة دخيلة جاءت كمسبب لعدم وجود هيبة الدولة وتطبيق القانون وضعف الوازع الديني وأسهمت في دمار جيل بأكمله عانى طويلاً بسبب هذه الظاهرة المخيفة، كما أن انتشار حمل السلاح أسهم بدوره في انتشار العنف والقتل ويشير كثير منهم إلى دور نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، في دعم هذه الظواهر السلبية. يشير التربوي أحمد صالح، أن نظام الرئيس السابق زرع بذور الفتنة بين أبناء القبائل عامة في الجنوب، وفي شبوة ونصاب خاصة، منذ اللحظات الأولى لإعلان الوحدة اليمنية منتصف شهر مايو العام 1990م، وغذى تلك النزاعات، كي لا يلتفت المواطنون إلى مطالبهم، وتنفيذ سياسة فرق تسد بين مختلف القبائل. ودعا علي أحمد، قيادة المحافظة من أجل إعادة الأمن وا?ستقرار بالمديرية، ومحاربة كافة الظواهر المؤثرة في إقلاق السكينة العامة للمجتمع.
يتطلع شباب المديرية إلى تغيير جذري يحقق لهم الأمن والتعليم والسلم الاجتماعي، ويأمل الشيخ محمد العولقي، من حكومة الشرعية، والأخوة في دول التحالف العربي، وخاصة الدول الخليجية الشقيقة أن يمدوا يد العون، لإعادة بناء المؤسسات المحلية والأجهزة الرسمية وأقسام الشرط، مؤكداً أن الأمن هو أولوية وهو مسؤولية الجميع حكومة ومواطنين بعد أن عانت «نصاب» طويلاً من التشرذم والاقتتال الذي أهلك الحرث والنسل.
مديرية نصاب، تملك تاريخا عريقا وهوية مميزة، وعادات قبلية أصيلة تأثرت بالثأرات التي شوهت تاريخ المدينة، وجعلت الكثير من سكانها يغادرونها على مضض. إنشاء مجموعة من الشباب في المديرية تكتل «رؤى شباب»، يهدف إلى دعم الأجهزة الحكومية في القطاع الخدمي عبر مبادرات ذاتية، وإقامة حملات للنظافة والملصقات التوعوية، إلا أن أعضاء الملتقى الشبابي يشكون دوماً من شح الإمكانيات، ويأملون أن يتم الاهتمام بدور المجتمع الأهلي كشريك في عملية التنمية والتثقيف. وأشاد المحافظ السابق، أحمد حامد لملس، بتوجهات الفعاليات المجتمعية والرسمية بمديرية نصاب وشروعهم في محاربة ظاهرة الثأر التي اتخذ منها النظام السابق وسيلة لتدمير مقدرات أبناء المديرية وتمزيق نسيجها ا?جتماعي.

الواقع التعليمي
توجد في مديرية نصاب، إحدى أقدم المدارس الثانوية في محافظة شبوة، وهي ثانوية «نصاب»، التي تلقّى فيها كثير من الشخصيات المرموقة تعليمهم، ويقول طه حسين، مدير الثانوية إن الالتزام والانضباط في الثانوية أصبح بمقاييس معقولة بين الطلاب، داعياً إلى إيجاد شراكة بين الأسرة وإدارة الثانوية، لتأدية رسالة علمية وتربوية تلبي الحاجة لإيجاد مخرجات كفؤة، مستطرداً هناك الكثير من العراقيل التي تواجه الإدارة والمدرسين، منها نقص الكتاب المدرسي ونقص الكادر المؤهل، حيث أدى غياب وهجرة كثير من المدرسين إلى تعويضهم عبر بدائل تملك قدراً بسيطاً من التأهيل والخبرة.
كانت ثانوية نصاب، تحتضن طلابا من كل مديريات شبوة، ومن أغلبية مراكز وقرى مديرية نصاب، وقد تخرج منها شخصيات سياسية وعسكرية، أما اليوم فقد انحسر استقبالها للطلاب إلى سكان المدينة نفسها فقط بعد تشييد عدد من المدارس في الضواحي والمراكز المجاورة، ومعها قتل التنافس الحقيقي بين الطلاب.

وللرياضة نصيب
عاد النشاط الرياضي بكثافة كدليل على توق شباب نصاب وتطلعهم إلى تغيير واقعهم ودشنت أندية رياضية تقطن المديرية سلسلة أنشطة كروية استقطبت أعدادا غفيرة من الجمهور الذي يحضر الفعاليات من كل قرى نصاب ومناطق أخرى من شبوة بما فيها عتق العاصمة وأطلق على نصاب لقب مدينة التعايش والسلام بعد الكرنفالات الرياضية ومباريات كرة القدم التي نظمت تحت رعاية أندية الراية وأكتوبر، وهي أعرق الأندية بالمديرية ويدعو قيادات أندية رياضية إلى أن تلتفت السلطات المحلية بشبوة إلى حجم النجاح الذي تحقق والإقبال الكثيف على تلك الأنشطة والتقاط الرغبة الشبابية في ممارسة النشاط الرياضي بشكل جدي، ويقول أحد أعضاء إدارة نادي الراية، إلى أن ممارسة النشاط الرياضي يحمي الشباب من العادات السيئة والانحراف، والاستفادة من وقت الفراغ، وأضاف محمود عبدالله، في ذات السياق على العمل الحثيث لتعزيز مسيرة جهود بعض الخيرين، لإعادة إحياء المناشط الثقافية والرياضية بالمديرية التي تعود بالمنفعة على الشباب وتجنبهم مساقط الوقوع في شراك الفراغ المدمر لحياتهم.