ثقافة

ليست في الأكل

من الأمور التي صرنا نستمتع بها في حياتنا الجدل، جدل فقهي ديني، وجدل طبي صحي، وجدل تربوي أخلاقي ثقافي وجدل علمي، ونوع اجتماعي يدور حول شكل المرأة، وهو أكثر هذه الأنواع انتشاراً، جدل عقيم، النحيفة أم السمينة، يذكرك حتى بزمن المناظرة الشعرية الشعبية بين الاثنتين. الصحيح أن هناك من يخرج على الناس بفكرة، ثم يخرج في الأثناء آخر بعكسها ليحتار الناس ويضجوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض وساخر وناقد، كأن تصحو إحدانا من النوم وتحملق في الهاتف لتجد الفكرة في ذلك اليوم حول المرأة «المربربة» الموضة الدارجة، وليبدأ زمن الأكل على حد تعبير القائل بلا جلد الذات، وبعد النحافة الزائدة تأتي السمنة الزائدة، وكأنك تشاهد فيلماً كوميدياً حول الأكل والشكل.
صراحة، أشياء غريبة لا شيء فيها غير الأكل والشكل، ولا شيء يقنعك بأن مشكلتنا في الحياة ليست في الأكل، ولا في الشكل، بل في تأخير دور المهم ليأتي في المرتبة الثانية بعد الأقل أهمية.
كباراً وصغاراً نحفاء وسماناً وراء الموضة أو خلفها، ركبنا كما تعودنا أن نقول ليست على ما يرام، هي «خائنة» والأجسام مكسرة والعضلات غير مرنة لنلوم أمراض العصر عدوة راحة البال، لكن الحقيقة أنك لا رياضة ولا أكل متوازن، أكلك من خيرات المطاعم، وأقل ما يقال إنك تعودت على التوقف أمام هذه المطاعم أثناء سيرك، وتنفقين ما يقارب نصف ميزانيتك على الأطعمة الجاهزة التي لا تعرفين مكوناتها وغير المجبرة عليها، حتى الشاي والقهوة تعددت مذاقاتها بوجود ستين اسماً لها.
وكلما ضجت وسائل التواصل بصور نساء مسنات يمارسن الرياضة كأسلوب حياة صحي أو حتى أطفال في مناطق أخرى من العالم يحرصون على تعويدهم على الرياضة من الصغر، عملاً بالعقل السليم في الجسم السليم، قلت «يا رب العفو والعافية»، هؤلاء وصل بهم الأمر إلى أن شيدوا مضماراً رياضياً فوق سطح مدرسة حين لم يجدوا مساحة خالية من الأرض لإنشاء ملعب رياضي فأقيم في الهواء، استثماراً للعقول والأبدان ممتعاً ومبتكراً، لم يعجزهم شيء، كما أننا نستطيع أن نطبق الفكرة ولو بشكل آخر، لكن ربما شعرت بالحسرة، فساحات مدارسنا «ترمح فيها الخيل» وأجسامنا بأشكالها تعودت على عدم ممارسة الرياضة، والمبدأ هو أن المشكلة في ثنائية الأكل والشكل. ثلاثة أرباع مدارسنا مساحات خالية غير مستغلة، والمباني المدرسية لا تزيد على الثلث، وبعض المدارس، خاصة مدارس الإناث، لا تستغل الصالات الرياضية خوفاً من تلف المعدات، وكأنها زينة.