دنيا

إصفهاني.. رائد الطباعة الحديثة في الحجاز

إصفهاني «يمين» مع وزير الداخلية الأمير عبدالله الفيصل في حفل افتتاح دار الإصفهاني سنة 1954

إصفهاني «يمين» مع وزير الداخلية الأمير عبدالله الفيصل في حفل افتتاح دار الإصفهاني سنة 1954

الحديث عن تاريخ الطباعة والمطابع في المملكة العربية السعودية حديث ممتع يستوجب الإلمام بتفاصيله، وما صاحبه من تطورات وإرهاصات على مدى عقود من الزمن منذ ما قبل قيام الدولة السعودية الحديثة... ومن هنا حظي كتاب «الطباعة في المملكة العربية السعودية 1300 - 1419» لمؤلفه الأستاذ عباس صالح طاشكندي، عميد شؤون المكتبات بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، باهتمام بالغ لأنه يسلط الضوء على الكثير من جوانب النهضة العلمية التي سادت في الحجاز تحديداً، وما كان شائعاً بين أهلها من اهتمام وحرص شديدين على اقتناء الكتب وتأليفها والاستفادة من وسائل الطباعة المتوافرة خارج البلاد، ولاسيما في مصر والهند.

يقول المؤلف في كتابه ما مفاده إن ظروف المجتمع المكي الثقافية الخاصة كمكان لتلقي العلم وتبادل الأفكار والمناظرات، كانت من أهم العوامل التي ساهمت في دخول الطباعة إلى مكة المكرمة للمرة الأولى وسط ترحيب العلماء والأهالي، وذلك في عام 1882 على يد الوالي العثماني نوري باشا.. ثم يفصل فيخبرنا أن المطبعة التي أسسها الوالي كانت تحمل اسم «حجاز ولايتي مطبعة سي» أي مطبعة ولاية الحجاز الحكومية، وهي التي عـُرفت بين الناس بـ «المطبعة الميرية»، ولم يكن بها سوى آلة صغيرة تدار بالقدم قبل أن تزودها الدولة العثمانية بآلة متوسطة الحجم فآلة طباعة حجرية لاحقاً. وخلال نحو 38 سنة من عمرها «ما بين عامي 1882 و1920»، وعلى الرغم من إمكانياتها البدائية، أصدرت هذه المطبعة مئات المؤلفات الدينية القيمة، علاوة على قيامها بطباعة عدد من الصحف مثل «سالنامة الحجاز» بالتركية، صحيفة «الحجاز» الأسبوعية، صحيفة «شمس الحقيقة» بالعربية، وصحيفة «شمس حقيقت» بالتركية.

المطابع الأهلية

علاوة على المطبعة الميرية شهدت الحجاز في العهد التركي ظهور بعض المطابع الأهلية، مثل «مطبعة الترقي الماجدية» التي تأسست في مكة على يد محمد ماجد كردي في عام 1909، ومطبعة «الإصلاح» التي شارك في تأسيسها بعض أهالي مدينة جدة في عام 1909 بغرض إصدار صحيفة الإصلاح التي توقفت عن الصدور بعد ستة أشهر.

وإذا ما تجاوزنا تلك الحقبة في الحجاز «1916 - 1924» والتي لم تشهد أي تطورات جديرة بالذكر لجهة الطباعة والمطابع سوى انتقال ملكية المطبعة الميرية إلى الحكومة التي جعلتها مطبعة رسمية مخصصة لطباعة الأوراق وطباعة صحيفة «القبلة»، دون أي تحديث للآلات والطاقات البشرية، الأمر الذي انعكس سلباً على أدائها وإنتاجها، خصوصاً مع انقطاع الدعم المالي من إسطنبول، فإن ما يجدر بنا التوقف عنده هو التطورات التي حدثت بُعيد قيام الدولة السعودية، والتي تغير فيها اسم المطبعة الميرية في مكة إلى مطبعة «أم القرى»، مع تخصيصها لإصدار صحيفة «أم القرى» كصحيفة رسمية أسبوعية تنشر الدولة فيها بلاغاتها ونظمها وتعليماتها وبياناتها، ناهيك عن الحرص الشديد للمغفور له الملك عبدالعزيز على أمرين، أولهما هو الاستعانة بالإمكانيات الطباعية المتوافرة خارج البلاد، ولا سيما في الهند ومصر، لطباعة ونشر وتوزيع الكتب الدينية والتراثية، وثانيهما هو تشجيع ذوي رؤوس الأموال على تأسيس المطابع الأهلية وفق نظام خاص للمطابع والمطبوعات تم إصداره في عام 1928 بهدف طباعة الكتب والكراريس والصحف والمنشورات والمجلات والدوريات بأنواعها المختلفة.

تشجيع المستثمرين

ومما لا شك فيه أن تقنين أوضاع الطباعة والمطبوعات وتشجيع المستثمرين المحليين على خوض المجال كانت لهما انعكاسات إيجابية على أكثر من صعيد. فمن ناحية ظهر في تلك السنوات أو حولها المزيد من المطابع الأهلية مثل: مطبعة طيبة الفيحاء بالمدينة المنورة «أسسها عام 1927 أحمد فيض آبادي وعبدالحق النقشبندي»، المطبعة السلفية في مكة المكرمة «أسسها في عام 1927 محمد صالح نصيف وعبدالفتاح قبلان»، المطبعة العربية بمكة المكرمة «أسستها في عام 1935 شركة عامة هي الشركة العربية للطبع والنشر»، مطبعة المدينة المنورة «أسسها عثمان حافظ سنة 1936 بعد أن اشترى مطبعة طيبة الفيحاء وطورها ودعهما بآلات اشتراها من مصر ونقلها بحراً إلى جدة فالمدينة»، مطبعة فضل الرحمن الأدبية بجدة «أسسها محمد رضا حسين سلامة سنة 1951». ومن ناحية ثانية ازدهرت حركة التأليف وإصدار الكتب في علوم الأدب والدين والتراجم والتاريخ من تلك التي أحدثت تغييرات إيجابية ثقافية واجتماعية. ومن ناحية ثالثة نشطت حركة الصحافة المحلية التي استفادت من النهضة الطباعية في ربط أرجاء المملكة بعضها ببعض من خلال نشر المقالات لأبناء الوطن الواحد حيثما انتموا.

النهضة الكبرى

على أن النهضة الكبرى والحديثة في عالم الطباعة بالسعودية بدأت في عام 1952، بانتقال أنشطة الطباعة والمطابع من مكة إلى جدة. حيث شهدت الأخيرة قيام «مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر» على يد أحمد عبيد كشركة مساهمة محدودة، فكانت هذه الشركة أول مطبعة تعتمد في عملها على آلات حديثة مستوردة من بريطانيا وألمانيا، وأول مطبعة تستخدم طريقة صف اللينوتيب بدلاً من الصف اليدوي للحروف. وفي عام 1954 ظهرت «دار الإصفهاني للطباعة والزنكوغراف» التي استخدمت أيضاً أسلوب اللينوتيب في الطباعة، لكنها كانت الأولى لجهة إدخال مطابع وآلات الأوفست، وهو ما مكنها من إحداث نقلة نوعية فنية وبصرية في النشر المحلي، فتعاقدت الحكومة معها على طباعة مقرراتها المدرسية وطوابعها البريدية داخلياً بدلاً من الاعتماد على المطابع الأجنبية. لذا فإن المطبعة الأخيرة، رغم أنها الثانية في الترتيب، فإنها الأكثر شهرة بسبب تقنيتها المتقدمة ومصاحبتها للنهضة الأدبية والصحفية والتعليمية في المملكة، علاوة على تخصصها في أمور لم تكن المطابع الأخرى توليها الاهتمام مثل أعمال الزنكوغراف وتصميم الإعلانات والعلامات التجارية، ومهام التغطيات المصورة للأحداث، وتوزيع الصور الرسمية والأهلية على الصحف، وطباعة التقاويم السنوية وبطاقات الدعوات للمناسبات السعيدة وغيرها.

إن الحديث عن «دار الإصفهاني للطباعة والزنكوغراف» يجرنا للحديث المفصل عمن وقف وراءها وكافح من أجل بلوغها مبلغاً لم تصله دور الطباعة المحلية الأخرى في الحجاز، وهو الشيخ محمد حسين إصفهاني المولود في جدة عام 1920 والمتوفى بها عام 1993.

الشيخ إصفهاني، المنحدر من عائلة جداوية معروفة سكنت داخل سور جدة القديم قبل هدمه سنة 1948 «طالع الفصل الثالث الخاص بحواري جدة في كتاب «جدة حكاية مدينة» لمؤلفه الدبلوماسي السعودي السابق محمد يوسف طرابلسي»، وكانت تعمل في مهنة إضاءة وصيانة المصابيح «الأتاريك» في طرقات جدة القديمة، تلقى دراسته في مدرسة الفلاح المعروفة التي كان قد أسسها تاجر اللؤلؤ الحجازي ورجل البر والإحسان الحاج محمد علي زينل كرمستجي.

بعد تخرجه في هذه المدرسة التي كانت وقتذاك بمثابة مصنع لإعداد الشباب المؤهل للوظائف في القطاعين العام والخاص بمنطقة الحجاز وتهامة، التحق بالعمل في وزارة الصحة كموظف. لكن يبدو أن طموحاته كانت أكبر من وظيفة حكومية عادية، فاستقال من عمله ليعمل موزعاً للصحف، حيث بادر إلى إنشاء بسطة في ساحة البُنط أمام مسجد عكاش القديم «مسجد تاريخي داخل شارع قابل غرباً تم بناؤه قبل عام 1200 للهجرة على يد عكاش أباظة»، وذلك لغرض بيع الكتب والصحف والمجلات التي كان معظمها يأتي بحراً من مصر.

تدرج في المهنة

وفي هذا السياق يخبرنا الأديب السعودي أحمد محمد باديب في حوار أجرته معه صحيفة «البلاد» السعودية عام 2015 ما مفاده أن بسطة إصفهاني كانت بجوار دكان العطارة التابع لوالده محمد باديب، وأنها كانت تعمل جيداً لأن «أهل جدة شغوفون بالأدب والقراءة، ولم يكن يوجد تلفاز مثل اليوم، فكان الناس يقرؤون الجرائد والكتب التي ترد للإصفهاني من الجلدة للجلدة، وبعضهم يستعيرها ولا يستطيع الشراء».

أما محمود عبدالغني صباغ، فيخبرنا في مدونته الإلكترونية الخاصة بتاريخ جدة وأهلها أن إصفهاني تدرج في مهنة توزيع الصحف القادمة من الخارج حتى أصبح وكيلاً في جدة لمجلة المختار «Reader&rsquos Digest» الأميركية المعروفة، مشاركة مع أحمد ملائكة وعبدالرزاق بليلة وصالح جمال. كما يطلعنا عن جوانب من شخصيته، فيقول إنها لم تكن شخصية رائدة في مجال الصحافة والإعلام فحسب، وإنما كان أيضاً رجل مجتمع من الطراز الرفيع وصاحب بر وإحسان وناشط في لجان جدة الدائمة وعضو في مجلس إدارة نادي الاتحاد الرياضي «بهذه الصفة تمكن من عمل توأمة بين نادي اتحاد جدة ونادي الزمالك القاهري».

علاوة على كل ما سبق، عُرف إصفهاني بحبه للسفر ومجالسة كبار رجالات الأدب والصحافة والفن والمجتمع في الداخل والخارج. فقد كان له مجلسه الخاص لهذا الغرض بمنزله ومجلس آخر بدار الطباعة، كما أن إصفهاني - طبقاً لما ذكره المؤرخ والباحث في تاريخ جدة «محمد درويش رقام» في حديث له منشور بصحيفة «المدينة» «4-6-2010» عن أبرز المقاعد والجلسات التي انتشرت في جدة القديمة خلال منتصف القرن الهجري الماضي - كان من ضمن رواد مقعد الشيخ رفيع لنجاوي في حارة مظلوم المجاورة لمدارس الفلاح، وهو مقعد كان يرتاده نخبة من كبار الشخصيات الرسمية ورجالات الدولة.

قلنا إن إصفهاني اشتهر بحبه للسفر ومجالسة المثقفين والعلماء والفنانين، غير أنه اشتهر أكثر بين أصحابه ومعارفه ومرؤوسيه بمقالبه الطريفة التي لم ينج منها أحد. وللأديب عبدالفتاح أبومدين سلسلة من المقالات القصيرة عن تلك المقالب نشرها في صحيفة «البلاد» السعودية في عام 2016. من بين المقالب التي أتى أبومدين على ذكرها أن إصفهاني كان يتحرى سفر أحد أصدقائه المعروفين إلى خارج جدة، وحينما يتيقن من عدم وجوده في منزله يقوم بطباعة دعوات للعشاء، أو إفطار شهر رمضان باسم ذالك الصديق، ويرسلها لبقية أصدقائه ومعارفه، فكان هؤلاء يذهبون في التاريخ المحدد إلى منزل الداعي ليكتشفوا أن الأخير مسافر ولا يوجد عشاء أو إفطار، الأمر الذي كان يسبب لهم حرجاً كبيراً، خصوصاً في شهر رمضان.

مقالب الإصفهاني

يقول أبومدين في مقاله الرابع تحت عنوان «مقالب الإصفهاني»، إن من بين الذين جاءتهم دعوة مزورة على مائدة إفطار رمضان في منزل رئيس تحرير صحيفة عبدالمجيد شبكشي البلاد، الشاعر أحمد قنديل الذي لبى الدعوة وذهب إلى منزل شبكشي في التاريخ المحدد ليجده مسافراً إلى المدينة، فغضب مما حدث، وكتب برقية إلى الحكومة يشكو فيها تصرفات محمد حسين إصفهاني. وبمجرد علم الأصفهاني بالشكوى، سارع ليحمي نفسه من عواقب الشكوى، ودون معاقبته على مقالبه.

لكن كيف تمكن إصفهاني من الانتقال من صاحب بسطة لبيع الصحف إلى مالك لدار طباعة حديثة؟ الحقيقة أن الأمر لم يكن سهلاً، وتطلب قدراً كبيراً من الطموح والإرادة والعزيمة والعمل المتواصل.

لقد لاحظ إصفهاني بعينه الثاقبة أن بلاده تعيش مرحلة نهضة وتطور إلى الأمام تشمل كل المرافق، ومن ضمنها الصحافة المحلية التي بدأت تنتشر ويتزايد عدد قرائها يوماً بعد يوم بفضل انتشار التعليم وجهود الدولة في محو أمية أبنائها. ومع تولي المغفور له الملك سعود مقاليد الحكم خلفاً لوالد المؤسس، طيب الله ثراه، وظهور توجه لمنح تراخيص إصدار الصحف في عموم مناطق المملكة من جهة، وتوسع مدينة جدة وازدياد عدد سكانها والمقيمين بها من الوافدين من جهة أخرى، ظهر العديد من الصحف المحلية مثل «الأضواء» و«الرائد» و«عرفات»، و«عكاظ» وغيرها. هذه التطورات استدعت وجود مطابع حديثة قادرة على طباعة تلك الصحف.

المواصفات الحديثة

أدرك إصفهاني حاجة جدة والمدن الحجازية القريبة الأخرى لهذه الصناعة المدرة حتماً للأرباح، فنفذ فكرتها عام 1954 شراكة مع محمد سليمان التركي وعبدالله الخريجي ومحمد سرور الصبان. وهكذا ظهرت دار طباعة بالمواصفات الحديثة تحت اسم «دار إصفهاني للطباعة والزنكوغراف»، وتقرر أن يديرها الشريك محمد حسين إصفهاني الذي قام بدوره باختيار رجل ذكي وقدير وصبور لمشاركته في العمل الإداري هو «عبدالله باعكضة»، فيما اعتمد في أعمال الطباعة الفنية على عمالة وافدة من مصر وسوريا. ومن جهة أخرى كان إصفهاني نفسه وراء جلب مطابع الأوفست للمرة الأولى إلى السعودية، ووراء الاهتمام بفنون الخط العربي المطبوعة من خلال استثمار جهود الخطاط والمصمم «أحمد غنيم المكرمي» الذي عُرف اختصاراً باسم «غنيم».

ومع مرور الأيام، ونجاح إصفهاني ومساعده باعكضة في الانتقال من نجاح إلى نجاح، توفرت لدى إصفهاني الأموال اللازمة لشراء حصتي شريكيه محمد التركي وعبدالله الخريجي في المطبعة، وفي الوقت نفسه تنازل معالي الشيخ محمد سرور الصبان، رحمه الله، بكرمه المعهود عن حصته في المطبعة للإصفهاني، وبهذا انفرد الأخير بملكية دار الإصفهاني كما انفرد بصناعة الطباعة والدعاية والإعلان في المملكة على اعتبار أنها كانت تطبع أهم الصحف والمجلات السعودية الصادرة من جدة ومكة وقتذاك مثل: صحف «البلاد» و«عكاظ»، و«الرائد»، ومجلتي «الأسبوع التجاري» و«المنهل»، علاوة على صحيفة «الخليج العربي» الصادرة من الخبر.