صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

إيران تستنزف موارد قطر المالية مقابل دعم نظام تميم

أحمد مراد (القاهرة)

حذر خبراء اقتصاديون وسياسيون من خطورة محاولات إيران للهيمنة على الاقتصاد القطري، مؤكدين أن السلطات الإيرانية تسعى بشتى الطرق إلى بسط نفوذها وسيطرتها على الاقتصاد القطري بشكل يضر بمقدرات الشعب القطري، ويستنزف موارد قطر المالية، وذلك كله في مقابل دعم النظام القطري في أزمته الراهنة.

وأشاروا إلى أن طهران وجدت في الأزمة القطرية فرصة ذهبية لاسترداد عافيتها الاقتصادية، حيث سارعت بالإعلان عن موقفها الداعم لقطر، واستعدادها لتوفير ما يلزمها من احتياجات، وهو الأمر الذي عكس انتهازية إيرانية، تحولت فيما بعد إلى ابتزاز إيراني شبه علني، حيث تحاول السلطات الإيرانية أن تستغل الأزمة القطرية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية، وذلك تحت غطاء مساندة قطر في مواجهة الضغوط الواقعة عليها منذ قيام الرباعي العربي بقطع العلاقات معها.

بداية، حذر الباحث والخبير الاقتصادي، د. إسلام شاهين، رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية بمركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي بالقاهرة، من خطورة سياسة الابتزاز التي تمارسها إيران تجاه قطر منذ تفجر أزمتها الراهنة في أعقاب قرار الرباعي العربي الإمارات ومصر والسعودية والبحرين بقطع العلاقات مع الدوحة، وهي الأزمة التي جاءت بمثابة فرصة ذهبية لطهران من أجل تقوية اقتصادها الذي عانى لسنوات طويلة من جراء العقوبات الدولية التي كانت مفروضة عليها على خلفية مشروعها النووي، مشيراً إلى أن السلطات الإيرانية تسعى بشتى الطرق إلى بسط نفوذها وسيطرتها على الاقتصاد القطري بشكل يضر بمقدرات الشعب القطري، ويستنزف موارد قطر المالية، وذلك كله في مقابل دعم النظام القطري في أزمته الراهنة.

وأكد د. شاهين، أن هناك إصراراً إيرانياً على استغلال الأزمة القطرية الراهنة من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية عديدة تعود بالفائدة على الاقتصاد الإيراني، وهو الأمر الذي كشف عنه صراحة العديد من المسؤولين الإيرانيين من خلال تصريحاتهم لوسائل الإعلام المحلية، فعلى سبيل المثال، خرج ذات مرة رئيس اتحاد المصدرين الإيراني، محمد لاهوتي، ليؤكد أن الأزمة القطرية تشكل فرصة مهمة أمام إيران من الناحية الاقتصادية، حيث إن قطر تستورد سنوياً من البلدان المحيطة السعودية والإمارات بها في قطاع الأغذية فقط بقرابة 5 مليارات دولار، ويمكن تلبية ذلك من قبل إيران، وأكد المسؤول الإيراني أن قطر لا يمكنها تفعيل علاقاتها التجارية إلا عبر إيران، وهذا يخلق فرصة مهمة جداً لإيران من الناحية الاقتصادية، وأشار في الوقت نفسه إلى أن قطر ستكون سوقاً بديلاً لمنتجات عديدة تقوم طهران بتصديرها للبلدان التي قد ينتج معها خلاف في أي وقت.

وقال د. شاهين: استطاعت طهران طوال الستة أشهر الماضية أن تحقق العديد من المكاسب الاقتصادية من وراء الأزمة القطرية، فبعد إغلاق المجال الجوى لكل من الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية والبحرين أمام الطائرات القطرية، فتحت إيران مجالها الجوي على مصراعيه أمام الطائرات القطرية، الأمر الذي ترتب عليه زيادة أعداد المسافرين الأجانب إلى الدوحة عبر المطارات الإيرانية، فضلاً عن أن جميع رحلات الخطوط الجوية القطرية أصبحت تعتمد على المجال الجوي الإيراني كمعبر نحو أوروبا وإفريقيا، الأمر الذي يعني زيادة في دخل قطاع الطيران الإيراني، وهو الأمر الذي جعل البعض يتوقع أن تصبح طهران مركزاً للمواصلات في المنطقة في المستقبل، وهو بالتأكيد أمر يعود بالتأثير السلبي على دول المنطقة العربية.

وأضاف: من المكاسب الأخرى التي حققتها إيران من خلال سياسة الابتزاز التي تتبعها تجاه قطر زيادة حجم الصادرات الإيرانية إلى الدوحة، فمنذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة القطرية، سارع المسؤولون في طهران إلى الإعلان عن استعدادات طهران لتلبية ما تحتاجه السوق القطرية بعد المقاطعة، حيث أكد كاوه زركران، رئيس اللجنة الزراعية بغرفة تجارة طهران، على قدرة بلاده على تأمين المواد الغذائية اللازمة لتلبية احتياجات السوق القطرية، وذكرت تقارير اقتصادية أن الصادرات الإيرانية إلى الدوحة سجلت نموا بنسبة 60.57 في المئة خلال الفترة الماضية، حيث كشف سيد عطاء الله صدر، المدير العام لمؤسسة الموانئ الإيرانية، عن أن ما يقرب من 1100 طن من المواد الغذائية التي تشمل الفواكه والخضراوات، يتم تصديرها يوميا من موانئ إيران باتجاه قطر.

وفي السياق ذاته، أوضح الخبير الاقتصادي، د.يوسف الجداوي، أن قطر في السابق كانت تعتمد على السعودية والإمارات بشكل رئيسي في توفير الإمدادات الغذائية، فقد قدمت الدولتان 309 ملايين دولار من قيمة واردات قطر للمواد الغذائية في عام 2015، ومع بدء سريان إجراءات المقاطعة ضد قطر في 5 يونيو الماضي تعين على قطر البحث عن أسواق بديلة لتوفير الغذاء حتى وإن كانت أكثر تكلفة بالنسبة لها، وهنا وجدت طهران الفرصة سانحة من أجل أن تضع قدمها بقوة في منطقة الخليج العربي، حيث سارعت بالإعلان عن موقفها الداعم لقطر، واستعدادها لتوفير ما يلزمها من احتياجات، وهو الأمر الذي عكس انتهازية إيرانية، تحولت فيما بعد إلى «ابتزاز» إيراني شبه علني، حيث تحاول السلطات الإيرانية أن تستغل الأزمة القطرية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية، وذلك تحت غطاء مساندة قطر في مواجهة الضغوط الواقعة عليها منذ قيام الرباعي العربي بقطع العلاقات معها.

وأشار د. الجداوي إلى أن الاقتصاد القطري يعاني الآن من العديد من الضغوط، الأمر الذي ترتب عليه تراجع التصنيف الائتماني لقطر، فضلاً عن تراجع قيمة الريال، وهبوط مؤشرات البورصة، وخسائر شركة الخطوط الجوية القطرية، وفي المقابل كانت الأزمة القطرية مغنماً كبيراً للاقتصاد الإيراني من خلال زيادة الصادرات الإيرانية إلى قطر.

وأضاف د. الجداوي: من المحتمل أن تتزايد الضغوط الواقعة على الاقتصاد القطري في الفترة المقبلة، ما لم تتمكن الدوحة من تسوية خلافاتها الإقليمية، حيث إن الإجراءات التي اتخذتها دول المقاطعة الخاصة بتقييد معاملاتها التجارية والاستثمارية مع قطر، وإغلاق جميع منافذها البرية والبحرية والجوية أمام قطر، وتعليق جميع رحلاتها إلى قطر تسببت في ارتباك كبير طال كل المعاملات الاقتصادية والتجارية بالسوق القطري، حيث تعتمد قطر بشكل رئيسي على البلدان الخليجية في توفير الإمدادات الغذائية ومواد البناء، إلى جانب أنها نقطة مرور رئيسية لوسائل النقل الجوية القطرية بها للأسواق الأوروبية والأميركية، وهذا الاضطراب قد يقود في النهاية إلى تراجع حاد في معدلات الاقتصاد القطري.

أما البرلماني والسياسي، د. عماد جاد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فقال: من المؤكد أن أهداف إيران من وراء مساندة قطر في أزمتها الراهنة ليست بريئة، حيث أن السلطات الإيرانية تسعى فقط نحو كل ما يحقق مصالحها السياسية والاقتصادية، ومن هنا تأتي المواقف والتحركات الإيرانية المساندة والداعمة لقطر في إطار من المصالح والمنافع المتبادلة بين البلدين، فمن مصلحة إيران أن تهيمن على الاقتصاد القطري، وهو الأمر الذي يدر عليها مليارات الدولارات، وفي المقابل تأمل قطر في أن تجد لدى إيران مفراً من الضغوط الواقعة عليها، ولكن يخفى على السلطات القطرية أن الارتماء في أحضان إيران يشكل خطورة كبيرة على أمنها واقتصادها ومستقبلها، حيث إن إيران تهدف في المقام الأول إلى تعزيز تغلغلها في منطقة الخليج عبر البوابة القطرية، الأمر الذي يساعدها على تنفيذ مشروعها التوسعي داخل المنطقة العربية، ومن الممكن أن تضحي إيران بقطر عندما تصبح «كارت محروق» لا يفيدها.