الملحق الثقافي

جان دورميسون.. سليل شاتوبريان

جان دورميسون: كل شيء عابر (أرشيفية)

جان دورميسون: كل شيء عابر (أرشيفية)

أخيرا مات جان دورميسون! وكنا نعتقد أنه لن يموت قبل الوصول إلى المئة عام. وهذا ما صرح به هو شخصيا عندما قال بكل ثقة واطمئنان: لا أعرف كيف يمكن أن أتحاشى بلوغ المئة سنة. ولكن الأعمار بيد الله. وقد شاء الله عز وجل أن يموت هذا الكاتب الشهير شاباً صغيراً في الثانية والتسعين فقط! ولكنه عاش حياة رائعة من أسعد ما يكون. وربما كان آخر كاتب سعيد بعد فولتير، ولهذا السبب فهو يتحسر بحرقة لأنه اقترب من الأجل.

كان جان دورميسون من الأثرياء جداً وينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية العليا في المجتمع الفرنسي. وكان صديقاً للرؤساء والزعماء من جورج بومبيدو إلى جيسكار ديستان إلى ساركوزي بل وحتى ميتران.. وكان يتحدث معهم أحيانا من موقع الند للند. وكان رئيسا لتحرير أعرق جريدة فرنسية: «الفيغارو». وكان موظفاً كبيراً في اليونيسكو ومشرفاً على تحرير مجلة «ديوجين» الرصينة التي كتب فيها خيرة علماء أوروبا ومثقفيها. وكان عضوا في الأكاديمية الفرنسية منذ عام 1973. وكان، وكان.. وقد خلّف وراءه مؤلفات عديدة كافية لتخليده. وقد قرأت بعضها أو الكثير منها في السنوات الأخيرة، واستمتعت بها كل الاستمتاع. وتحدثت عن بعضها هنا على صفحات «الاتحاد الثقافي».

قبر شاتوبريان
ولكن ما لم أتحدث عنه كتابه عن السيرة العاطفية لشاتوبريان بعنوان: «آخر أحلامي سيكون لأجلك يا حبيبتي». وفيه يتحدث عن سلسلة قصص الحب التي عاشها كاتب فرنسا الأعظم بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومعلوم أن شاتوبريان كان قدوة جان دورميسون ولا يحلف إلا باسمه. وكان يعتبره قمة الآداب الفرنسية. وكان ينحني أمامه صاغراً متصاغراً. وكان يعتبر كتابه: «مذكرات ما وراء القبر» روعة الروائع الأدبية. ولكن سارتر كان يكرهه كرهاً شديداً إلى درجة أنه «بال» على قبره الواقع على جزيرة صخرية صغيرة مقابل مدينة سان مالو. وبإمكانكم أن تصلوا إليها سيراً على الأقدام. وقد أدهشتني جداً بموقعها وجمالها الساحر عندما رأيتها لأول مرة. فسألتهم متعجباً: ما هذا المكان؟ ما هذي الجزيرة الصغيرة؟ فأجابوني: ألا تعرفها؟ هنا يرقد شاتوبريان. هذا قبره تحت ظلال الأشجار ومياه البحر تحيط به من كل جانب. منظر ولا أروع. ياله من قبر جميل. إنه أجمل قبر رأيته في حياتي. وقد أوصى بذلك شخصياً قبيل وفاته ورفض قطعياً أن يدفن في العاصمة باريس حيث توفي. أراد العودة إلى مسقط رأسه. ما الحب إلا للحبيب الأول.. شكرا أبو تمام.
على أي حال لقد دنس سارتر قبره عن قصد لأنه كان يعتبره كاتباً رجعياً عميلاً للملك لويس الثامن عشر الذي حل محل نابليون. ولكن المشكلة يا مسيو سارتر هي أن الكاتب الرجعي الحقيقي أفضل من الكاتب التقدمي الهزيل. كان سارتر يعيش آنذاك مرحلته اليسارية المتطرفة. وكان يقول بأن كل مضاد للشيوعية فهو كلب!

..وعشيقاته
على أي حال من هذه السيرة العاطفية لشاتوبريان نكتشف أنه كان زير نساء. فالعشيقات يترامين عليه من كل حدب وصوب. وذلك لأن الشهرة تجذب النساء كثيراً مثل السلطة. اسمحوا لي أن أتساءل: كم كان عدد عشيقات نزار قباني؟ ربما ليس كثيراً. لا أعرف. على أي حال فإن عادات الفرنسيين مختلفة. فكل شخص مشهور هنا له عشيقات كثيرات ما عدا ديغول الذي لم يخن زوجته أبدا.
في غرناطة، وفي ظل الأمجاد العربية الأندلسية التقى شاتوبريان بإحدى حبيبات قلبه «ناتالي» عن طريق الصدفة المحضة حتى لكأنه نزار قباني:
في مدخل الحمراء كان لقاؤنا
ما أطيب اللقيا بلا ميعاد..
كان محظوظاً شاتوبريان. كان محبوباً جداً من قبل النساء. وكان يستغلهن أحياناً أو يضحك عليهن أو يتهرب منهن بعد أن يكل ويمل. كان يتنقل من واحدة إلى أخرى كالفراشات. وكان يوهم كل واحدة بأنها حبيبة قلبه الوحيدة من دون الأخريات. كان لعوباً طروباً. هذا وقد تركت إحداهن زوجها من أجله، وأما الثانية فقد جُنّت، وأما الثالثة فقد انتحرت أو كادت.. وأما نحن فلم تُذرف علينا دمعة واحدة حتى الآن. ولا يُتوقع أن يحصل ذلك في المدى المنظور. وهذا شيء غير جيّد من طرفه. ألا يعذبه ضميره؟ وكان يقول أحياناً عن أصدقائه بعد أن شاخ وكبر وأصبح مسحوقاً تحت وطأة الذكريات: كلّهم ماتوا، كلهم رحلوا.. لم يبق إلا أنا.. متى سأرحل عن هذا العالم وأرتاح؟.. ثم يضيف أحياناً: لو كنتُ حراً لعشت في العزلة والوحدة المطلقة. تلزمني صحراء ومكتبة وعشيقة فقط. ولكني أبالغ هنا وأشوّه صورة شاتو بريان فيما يخص النساء. فالواقع أنه كان حساساً إلى أقصى الحدود وكان يبكي الحب المنصرم بدموع حرى. وعندما نقرأ الكتاب ندرك أنه كان إنساناً حقيقياً لوعه الحب. اقرؤوا الفصل الثاني المخصص لقصة حبه مع واحدة تدعى باولين. فقد رافقها حتى اللحظة الأخيرة. ولم يتخل عنها أبداً عندما سقطت مريضة، بل وفعل كل شيء من أجلها. وعندما كانت تحتضر كان ينتحب بحرقة في الغرفة المجاورة. وبالتالي فأعتذر عن الكلمات السابقة التي وصفته فيها بأنه رجل لعوب يتلاعب بقلوب النساء. فهذا نصف الحقيقة فقط.
ولكن ليس عن شاتوبريان سوف أتحدث لكم اليوم، وإنما عن تلميذه النجيب جان دورميسون الذي فارقنا الأسبوع الماضي في إحدى ضواحي باريس الفاخرة. وشيّعته فرنسا في جنازة وطنية مهيبة، كما حصل لفيكتور هيغو من قبل. وكان على رأس المشيعين رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون وكبار الشخصيات. وهذه هي حال الدنيا كما قال شاعرنا العربي:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمول
وألقى الرئيس ماكرون خطاباً فلسفياً مهماً استشهد فيه حتى بنيتشه! ولا أعرف من أين جاء بكل هذه الثقافة وكل هذا العمق. فهل الخطاب من تدبيجه يا ترى أم من تدبيج مستشاريه ومساعديه؟ ولكن الأرجح أنه هو صاحبه. ينبغي ألا ننسى أن ماكرون كان تلميذاً للفيلسوف الكبير بول ريكور وربما سكرتيره أيضا. وهذا يعني أنه تلقى ثقافة فلسفية واسعة على يديه. وبالتالي فإذا عرف السبب بطل العجب. تقول عبارة نيتشه الرائعة: من شدّة عمقهم كان الإغريق يبدون سطحيين! وطبّقها ماكرون على دورميسون الذي كان يُتهم بالخفة والسطحية من قبل منافسيه وحساده في الساحة الباريسية.

سِيَر الأدباء
ما هي مؤلفات جان دورميسون التي أمتعتني فعلا واستفدت منها؟
إنها عديدة ولا أستطيع أن أذكرها كلها. ولكن بالإضافة إلى الكتاب الجميل السابق الذي ذكرته عن الحياة العاطفية لشاتوبريان هناك كتاب أساسي يسترعي الانتباه. وهو يحمل العنوان التالي: «تاريخ آخر للأدب الفرنسي»، في جزأين. كم هو ممتع هذا الكتاب! كم هو مفيد لمن يريد أن يأخذ فكرة عن الأدب الفرنسي عبر تاريخه الطويل! إنه يثبت لك أن جان دورميسون كان يحب الأدب، يعبد الأدب عبادة. وربما لهذا السبب فإني أحترمه. إنه يذوب ذوباناً عندما يقرأ قصيدة لفيرلين أو لرامبو أو حتى لأراغون الشيوعي المضاد له طبقياً وأيديولوجياً. فالأدب يخترق كل الحدود والسدود. الأدب يعلو على كل الانقسامات والحزازات المتحزبة أو الحزبية. يقول في مقدمته للجزء الأول من الكتاب ما معناه: «أحب الكتب. كل ما يخص الأدب أحبه ويخفق له قلبي. أحب مؤلفيه، وأبطاله، وأنصاره، وخصومه، وخصوماته، واشتعالاته».
ثم يضيف قائلا: «في هذا العصر الذي أصبحت فيه الكتب مهددة بالانقراض من قبل شيء بربري غامض، فإن هذا التاريخ الجديد للأدب الفرنسي الذي أقدمه لكم حاليا لا يهدف إلا لشيء واحد: إغراء القراء بالتعرف على شخصيات الأدب الفرنسي. وهي شخصيات أستعرضها هنا تباعاً الواحدة بعد الأخرى. وإذا ما نجح كتابي هذا بدفع بعض القراء إلى فتح كتاب واحد لستندال أو لريمون كينو أو لأراغون الخ... فإني أكون قد بلغت هدفي».
وأما في مقدمة الجزء الثاني من الكتاب فيقول جان دورميسون ما معناه: إن المنهج الذي استخدمته هنا في هذا الجزء الثاني هو ذاته الذي استخدمته في الجزء الأول. وهو يتمثل فيما يلي: التعريف بالكاتب وأعماله بشكل مختصر أولاً. ثم الكشف عن شباب هذا الأدب وطابعه التجديدي المبتكر بعد أن مرت عليه القرون ثانياً. إني أتحدث لكم عن الموتى كما لو أنهم أحياء. فراسين لم يمت بالنسبة لي ولا كذلك كورني أو فولتير وبودلير أو فلوبير.. كلهم أحياء. كلهم يبلى الزمن ولا تبلى روائعهم الخالدة. وتجاعيد الزمن عاجزة عن أن تعلو على جبين وجوههم..
وعلى هذا النحو راح يستعرض جان دورميسون كبار شخصيات الأدب الفرنسي منذ أقدم العصور وحتى اليوم. على هذا النحو راح يتحدث لنا بأسلوبه الممتع الشيق عن فيكتور هيغو، ولامارتين، وبلزاك، ورامبو، ورينيه شار، وعشرات الآخرين. وفائدة هذا الكتاب هي أنه لا يعطيك فكرة عن كبار العباقرة فقط، وإنما يبين لك معناهم في الوقت الحاضر. ومن أقدر على ذلك من جاك دورميسون؟! بمعنى آخر فانه يموضعهم في عصرهم ويموضعهم في عصرنا أيضا: أي ماذا تبقى منهم وماذا مات أو أصبح قديما بالياً.

كلماته الأخيرة
أخيراً، بالأمس القريب، ظهرت ابنته الوحيدة هيلويز دورميسون على شاشات التلفزيون وأعطت للجمهور أخباره وآخر لحظاته قبل أن يموت. ونفهم منها أنه استطاع إكمال كتابه الأخير قبيل موته بوقت قصير جدا. وهذا خبر سعيد ومفرح. فعادة ما يترك الكتّاب الكبار مخطوطاتهم ناقصة قبل رحيلهم. إنهم يموتون فجأة قبل أن تكتمل. بل ووجدت على مكتبه مخطوطة كتابه الجديد لأنه كان يكتب بخط اليد على الطريقة القديمة. تقول الصفحة الأخيرة من كتابه القادم الذي سيظهر بعد موته والتي خطها قبل ثلاثة أيام من رحيله:
«مجال لانهائي. كل شيء عابر. كل شيء ينتهي يوما ما. كل شيء يختفي ويزول. وأنا الذي كان يتخيل أنه سيعيش إلى الأبد ماذا سيحصل لي؟ ليس مستحيلا... ولكن يكفي أني عشت في هذا العالم الذي عشتم فيه أنتم أيضا. هذان حقيقة وجمال خالدان إلى الأبد. وحتى الموت لا يستطيع أن يفعل شيئاً ضدي بعد الآن».