الملحق الثقافي

الرجل الأعمى

جانب من مدينة سراييفو (الصور أرشيفية)

جانب من مدينة سراييفو (الصور أرشيفية)

ينقسم النقاد حول أعمال الكاتب البوسني ميلينكو جيرغوفيتش (1966) الذي اختار منذ عام 1993 الإقامة في زغرب. فهو إلى جانب السمعة التي يتحلى بها في الولايات المتحدة كأبرز وجوه القصة القصيرة المعاصرة اليوم، يعتبره البعض، خاصة في أعماله الأخيرة، «عشوائياً» في صياغة أحداث قصصه والمقاربة بين الشخصيات وتلاحمها مع بعضها. كتابه القصصي الأول «ساراييفو مارلبورو» والذي استطلع فيه مناخات سراييفو خلال سنوات الحرب في النصف الأول من تسعينيات القرن المنصرم، كان بمثابة المنصة التي أطلقت اسمه عالياً في أروقة الأدب العالمي. جيرغوفيتش لا يساوم عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين السياسة والأدب. ويمكن أن يسمح لنفسه بأن ينتقد الجميع بشكل متساو. في قصصه نقرأ هذه الملامح النقدية والتي تسبر غور شخصيات مضطربة، تحمل أحزانها وأزماتها النفسية معها عندما تقرر الرحيل، وفوق ذلك، تعيش نزيلة ذاكرتها التي تبدَّلتْ وسلوكها العنيف والمُنفّر الذي استجد بسبب الحرب. يعتمد في صياغة قصصه على الموروث التاريخي حيناً، والواقع حيناً آخر، ولا يتردد في المزج بين الأسلوب السردي التقليدي والحديث. ما يهمه هو أن يكتب قصة جيدة، بغض النظر عن توهج الشخصيات فيها أو خفوتها. قد لا يولي أية شخصية منها اهتماماً خاصاً. فجميعها ذائب، ذوبان تلك الجذور الألمانية في تكوينه الجيني، التي أيضاً لا تمثل له إشكالية أو سؤالاً معقداً. رغم أنه يقف أحياناً عند هذا التباين بين الهوية القومية التي تفرضها عليه الأجيال السابقة وجيل الحرب، وبين كونه ببساطة فرداً أو شخصاً ينهل من كل الأماكن والأحداث، ويستطيع أن يكتب طيفاً ملوناً من الحكايات. فالجميع يجوز أن يكون ضحية. لكن أهمية جيرغوفيتش أنه يستطيع الانسحاب تحت طبقة النوستالجيا والذاكرة الجماعية الحساسة للأفراد، وأن يصيغ لغة ماكرة، ساخرة، وتلمع بمرارتها. بهذا المعنى فإنه لا يساير في كتاباته أحداً. كما لا يمنح أفضلية لجهة قومية على أخرى. والأمر ليس بالسهولة التي يبدو عليها في مدن مثل سراييفو لم تتعاف بعد من آثار الحرب، ولا تزال تنتظر الإذن الأوروبي للدخول في عالم الشنغن. إنه بذلك كاتب ينتمي إلى بيئة أوروبية مستبعدة، ما يساعد في تعزيز السؤال التقليدي حول الهوية والانتماء وتعقيداتهما. تعقيدات إثنية نحدس ونحن نقرأ قصصه (كمجموعته «ساراييفو مارلبورو» التي أخذنا منها قصة «الرجل الأعمى»)، كما لو أن ميلينكو جيرغوفيتش يحاول زعزعتها ورمي تأثيرها المشوّش والسالب خارج
الأدب.

بدأ الشجار جدياً عندما ظهر زوران حاملاً ميزانا استعاره من الجوار. وضع وزوجته الأداة هذه في منتصف طاولة غرفة السفرة. الطاولة في نهاية كل طرف منها كان ثمة كرسي – واحد من أجل ديانا، وآخر للصبي – وفي زاوية الغرفة كان هناك كومة هائلة مكدسة تحوي أشياء مختلفة: قمصان، كنزات، أحذية، حقائب، كتب، أشرطة كاسيت، تماثيل، أكياس نوم، خوذة هوكي، واكمان، قبعة بايسبول، كرة قدم مثقوبة، كتاب مصور حول ورش الحدادة في «زِنيكا»، شنطة ماكياج، معاطف، سترة تزلج، مشعل، مايكروفون، ساعتا منبه، سكاكين عسكرية، مجلات كوميدية، علبة في داخلها صور العائلة، أمشاط، نظارات شمسية، مناشف (للبحر كما أخرى للحمام)، صندوق جواهر خشبي، نموذج أحمر لسيارة فيراري، سبعة جنود ألعاب، حقيبة يد فيها مستندات...
هناك ورقة كبيرة وقلم رصاص مقابل ديانا. الصبي الذي يشعر كما لو أنه جالس في امتحان في مادة الرياضيات، يبرّد يديه المتعرقتين بالقشرة الخشبية للطاولة. أما زوران فيضبط الميزان.
يبدأ زوران «ديانا، دوِّني: كنزة سميكة نسائية – نصف كيلو. كتابا، سجلات بلدة ترافنيك، و«رحلة آليا دجيرزيليز»* أيضاً نصف كيلو، معطفاً رجالياً – خمسة كيلوجرامات، قاموساً إنكليزياً – ثلاثة كيلوجرامات ونصف، سبع سترات للأطفال – مئتين وخمسين جراماً».
بعد ثلاث ساعات، ينتهي زوران من توزين الأغراض. الصبي يظل جالساً في كرسيه بلا حركة فيما ديانا تقوم بحساب مجموع الأوزان. تضع القلم على الورقة، وتظل صامتة بضع ثوان، ثم تتنهد، «مئة وسبعة عشر كيلوجراماً ومئتان وخمسون جراماً».
زوران يسحب بنطال جينز ويلقي به في الزاوية الأخرى من الغرفة. ثم يتبع ذلك مع الجنود الألعاب إلا أن الطفل يصرخ. زوران يحجم عن ذلك كما لو أنه وضع يده على موقد ساخن. بعد ذلك يبحث عن أكياس النوم.
«لا»، تقول ديانا «أنت لا تعلم كيف سيكون الأمر هناك».
«بالله عليك، يا امرأة، نحن لسنا ذاهبين هناك كي نبيت في أكياس نوم».
«لا، سيكونون بانتظارنا في فيلّا لورد كارينغتون وسوف يدعوننا ننام في غرفة نوم بيل كلينتون. لا تلمس كيس النوم الخاص بي ولا ذلك الخاص بالصبي. أما إذا كنت تنوي الذهاب إلى هناك والتجمد برداً، فلا مشكلة في ذلك».
زوران يجلس في الكرسي الشاغر. يمط ذراعيه ويضع يديه على ركبتيه. تتجه ديانا إلى كومة الأشياء وتتناول كتاب «سجلات بلدة ترافنيك» بيدها اليسرى والإنجيل باليد اليمنى.
«اختر!»، تقول له.
زوران ينهض، خاطفاً الكتابين بغضب. الصبي يشرع في البكاء، يضرب كرسيه بعنف قبل أن يغلق على نفسه في غرفة الحمام. مع كل هذا الصراخ سيكون من الصعب عليه أن يستخلص ما يقال من كلمات. الشجار لم يعد الآن متعلقاً بأغراض محددة أو كم وزن كل منها. من الجلي أن الرجل والمرأة يؤنبان بعضهما البعض حول نظرات الغضب التي كانا يتبادلانها وكل الأوقات السيئة التي أسبغها الواحد على حياة الآخر خلال الخمس سنوات الأخيرة. عند الفجر يهدأان مبحوحين ومتعرقين، بحركات ميكانيكية وضرب من الخدر في أعينهما، يشرعان بنقل الكنزات، الكتب والقمصان. الصبي لا يخرج من الحمام، ولا يخطر ببالهما إلا عندما يشرعان من جديد بوزن الأشياء. زوران يجد الصبي نائماً على بلاط الأرضية. فيأخذه بين ذراعيه ويحمله بلطف إلى السرير. الراشدان يوضبان الأشياء في أكياس بصمت تام ويتأكدان من الوزن لآخر مرة – إنه ستة وستون كيلوغراماً، وهو بالضبط الوزن المسموح بأن يحمله ثلاثتهم معهم كحد أقصى. وعندما يذهبان للنوم يكون النهار قد طلع. لا ينظران حتى إلى كومة الأشياء التي استبعداها.
الصبي كان أول من غادر البيت، حاملاً كيسين وبخوذة الهوكي المعلّقة برقبته من الخلف كما لو أنها قبعة راعي بقر. يتبعه زوران وديانا بالحقائب. ديانا تسلّم مفاتيح البيت للمالك.
«الشقة نظيفة، ونحن مغادرون، هناك بعض الأغراض التي لا تزال في غرفة المعيشة، إذا ما أردت أي شيء منها، فهو لك. أما الأشياء الأخرى، فبإمكانك التخلص منها».
الجيران شاهدوها وهي ترحل بصمت. أما المالك فيودعها بمصافحة رخوة. أما ديانا فتصافحه بلطف.
عند محطة الباصات، يقف الباص الذي سيقل اللاجئين البوسنيين من سراييفو إلى مطار فيينا في مكان بعيد كما لو أنه مخبّأ. دبلوماسيون من السفارة الأميركية ينادون أسماء ويسجلونها. الأقارب والأصدقاء يقفون في جهة واحدة ويذرفون الدموع. شاب أشقر بلكنة غريبة وثقيلة يكرر مراراً وبنبرة صوت رسمي قائلاً إن المسافرين لا يجب أن يختلطوا مع أولئك الذين سيبقون في الخلف. ثلاثة شبان يضحكون ويلوحون بأيديهم لامرأة شابة وهي تردّ عليهم بدورها بعكاز للمشي. واحد منهم يصيح «لا تبكوا أيها الناس، أميركا بلاد شاسعة». الكل يضحك، وتكرر المرأة إعلانه هذا مدفوعة بفرحها بردة فعل الناس تجاه ما تفوه به.
امرأة عجوز مسلمة مرتدية حجاباً تترجل من سيارة تاكسي. تتبعها امرأة أصغر سناً منها، وهي تأخذ بذراع رجل بضمادات فوق عينيه. الرجل يلبس نظارات سوداء أما حركاته المرتبكة فتوحي بأنه لم يصب بالعمى إلا منذ فترة قريبة وحسب. شخصان ضخمان يقتربان منه، يعانقانه ويقبّلانه على خديه. تسري إشاعة بأن الرجل الأعمى كان قائداً عسكرياً في آخر مدينة بوسنية تعرضت لمجازر. حشد المتفرجين يفسحون المجال للرجل الأعمى وصديقته اللذين يتجهان مباشرة، عابرين بالأميركيين، لينضما إلى مجموعة الأشخاص المنتظرين المغادرة. الرجل الأعمى يقول شيئاً. يضحك، يصافح أيادي ويقدّم لأصحابها قبلتين بالطريقة التقليدية.
بعد أن يُقال وداعاً بضع مرات، يندمج الضجر والأسى معاً. أولئك الذين على وشك أن يغادروا يبدؤون بتبادل ابتسامات بقلة اهتمام تقريباً مع الناس الذين يراقبونهم. رجل فكاهي يبدأ في الغناء «فلتذهب إلى الجحيم أميركا وكل ذهبها/‏ ما حاجتي إلى صورتك ما دمتُ غير قادر على الحصول عليك». وليس هناك من ردة فعل على ما يقوله بأية حال.
في النهاية يصل السائق، ملّوحاً للأميركيين الذين يبدؤون بمناداة الأسماء. واحداً تلو الآخر، يصعد البوسنيون الباص، يجلسون في المقاعد المخصصة لهم وينظرون إلى الوراء نحو لجنة المودّعين. الناس يدور في خلدهم الآن أشياء كثيرة نسوا قولها لأقاربهم وأصدقائهم. كل منهم يبدأ، عبر النافذة، بلفظ كلمات تتعذر قراءتها أو يظهرون استياء على وجوههم ويهتفون للآخرين بسكون. عندما يصعد الجميع إلى الباص، يشغّل السائق المحرك. لكنه بعد ذلك مباشرة يغادر الباص ويهرول نحو المحطة كما لو أنه ليس في نيته سواقة الباص إلى أي مكان.
بعد خمس عشرة دقيقة يظهر مجدداً، يصافح أيادي الأميركيين واحداً واحداً قبل أن يصعد إلى الباص. النظام الهيدروليكي يصدر صوتاً شبيهاً بالضراط عندما يُغلَق الباب. الركاب يكفّون عن الدمدمة أو قراءة الشفاه في منتصف جملة ما والباص ينطلق. الناس المتروكون في محطة الباص يلوحون بأيديهم، والباص عندما يعبر بهم يستديرون. المرأة اليافعة تدير الرجل الأعمى الذي يبدو شبيهاً بدمية ميكانيكية، يلوح نحو الصوت غير المرئي للمحرك، الصوت نفسه المنبعث نتناً من الغازولين وقوارب صيد السمك القديمة.
حفلة الوداع هذه يكسرها الصمت في النهاية. رجل عجوز يرتدي بيريه فوق رأسه كان آخر من تكلم. «حسناً، فليلعنني الله لو كنتُ فهمتُ شيئاً من هذا كله»، يقول بتعجب «مِجرا أخذتْ معها اثنين وعشرين كيلوغراماً من سراييفو، والآن، مرة أخرى، يسمح لها بأن تأخذ معها اثنين وعشرين كيلوجراماً إلى أميركا. لكن هذه الاثنين والعشرين كيلوجراماً كانت خمسين كيلوجراماً هذا الصباح. إذا ما سمحوا لها يوماً بأن تغادر أميركا، فسيكون عليها أن تفرّق الأشياء في قسمين من جديد. في النهاية، لن يكون معها الشيء الكثير. رغم ذلك سيكون سيكون الوزن أيضاً اثنين وعشرين كيلوجراماً. على هذه الشاكلة تسير الأمور».
...........................................
*«سجّلات ترافنيك» و«رحلة آليا دجيرزيليز» كتابان لإيفو أندريتش.