الملحق الثقافي

تأملات في الموت.. والحياة

أسس الإنسان الأول الفن التشكيلي في الكهوف سعياً وراء تخليد أثره

أسس الإنسان الأول الفن التشكيلي في الكهوف سعياً وراء تخليد أثره

علَّمنا شوبنهاور أن الحياة تتحكم فيها وتسيِّرها الإرادة التي يسميها «إرادة الحياة»، أي تلك الطاقة الباطنية التي تدفعنا إلى الحفاظ على حياتنا، وتأكيد وجودنا دائماً بكل السبل الممكنة. يصدق هذا على مسلك الأفراد مثلما يصدق على مسلك الأمم، فالأمم والدول العظمى عبر التاريخ هي تلك التي سعت إلى السيطرة على غيرها من أجل تأكيد قوتها وهيمنتها، وهكذا يفعل الأفراد أيضاً في كل زمان ومكان: السعي الدائم إلى السيطرة والهيمنة، وهم يبذلون في ذلك كل جهد، ويسعون في ذلك ما وسعهم السعي، وهذا أمر مفطور في طبائع عموم البشر لأجل الحفاظ على حياتهم وتأكيد وجودهم، فترى الأفراد في حالة تدافع، وكل فرد يسعى إلى إزاحة وجود شخص أوشيء غيره، إذا كان يهدد وجوده الخاص، ولكن البشر في سعيهم هذا يتناسون أن مآلهم جميعاً في النهاية إلى الموت، سواء كانوا أفراداً أو أمماً وشعوباً.

يسلك أغلب الناس مسلك الحيوانات في مواجهة الموت، إذ يعرفون الموت فقط حينما يهدد حياتهم ويرونه ماثلاً أمامهم، ولذلك تراهم في سرادقات العزاء يذكرون الموت ويدركون حقيقته وحضوره الطاغي، فإذا انصرفوا راحوا يلهثون وراء أغراضهم الحياتية التافهة، بل أصبحنا نرى بعضهم في أيامنا هذه يثرثرون أثناء العزاء حول صغائر الحياة، فلا يتأملون جلال الموت وحكمته، ولا ينصتون إلى القرآن الذي يُتلى عليهم، ولو كان صوت القارئ جميلاً شجياً بحيث يُضفي على حالة العزاء جمالاً على جلال.

سؤال ساذج
طالما أيقنت بالموت وبيوم الحساب. لم يكن يفجعني تذكره، بل طالما أثار تذكره عندي فضولي واشتياقي الخفي إلى معرفة كنهه ودلالته. متى وأين يأتي الموت؟! هذا سؤال ساذج لا يرد إلا على عقل فاسد! سؤال نعرف إجابته من الخبرة التي نعيشها كل يوم، ونعرفها من خلال فهمنا للحكمة الإلهية التي تلخِّص مجمل خبرتنا بالموت في كلمات قليلة، فالسؤال عن «أين»، يجيب الله تعالى عليه في محكم آياته ليوفر علينا الحيرة بقوله: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»، أما السؤال عن «متى»، فيجيب عليه بقوله: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ»، أي لكل مستقبل نهاية، ولكل نهاية ساعة معلومة. لا يهمني أن تؤمن بأن ميقات هذه الساعة معلوم عند الله، ولكن يهمني أن تؤمن بهذه الحقيقة الميتافيزيقية أو الوجودية التي لا يمكن الشك في صدقها. طالما تأملت هذه الحقيقة، وتأملت بلاغة القرآن في التعبير عنها في قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»! فهذا القول البليغ يلخص الأمر كله! تأمل كلمة «ذائقة» على وجه التحديد، ستجد أنها كلمة تدل على الحال والاستقبال في آن واحد، فهي تنبئنا بأن حال الموجود يتمثل في أنه سيذوق الموت حتماً أينما كان ومتى كان! فالوجود نفسه وجود عابر، ومن ثم لا معنى له من دون الزمان. وإذا فهمنا هذا المعنى حق الفهم، فسوف نفهم شيئاً من المغزى البعيد لكتاب هيدجر الخالد عن «الوجود والزمان».
كل من عليها فان، والموت كأس دائر، و«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ». هذا حق، بل ربما يكون الحقيقة الوحيدة اليقينية بشكل مطلق. ولكن من الذي يعي هذه الحقيقية بحيث يعرف أنها ليست حقيقة تخص غيره، لأنه هو شخصيّاً ليس له مهرب منها، فهي ليست حقيقة يمكن أن نعيها لحظيّاً في المناسبات التي تذكرنا بالموت، بل هي حقيقة أزلية أبدية. وقد عبر شوبنهاور عن هذه الحقيقة في صورة بليغة، حينما بيّن لنا أن إرادة الحياة مصيرها أن تنكسر في النهاية أمام الموت: إذ يرجع مرح بعض الشباب وحيويته إلى أنه لا يدرك هذه الحقيقة، فإرادة الحياة (التي بؤرتها الغريزية الجنسية) لا تزال نشطة في بدنه، ومن ثم في روحه ودافعيته نحو الحياة باعتبارها غاية قصوى، ولذلك فإن مرح هؤلاء الشباب وحيويتهم يرجع إلى أنهم في أثناء صعودهم تل الحياة، لا يكون الموت مرئيّاً بالنسبة لهم، إذ يكون قابعاً أسفل السفح الآخر من التل، منتظراً إياهم حينما يهبطون إليه، فالموت آتٍ لا محالة، وهو إن أبطأ أو تأخر عنا، فإنما يكون في ذلك أشبه بالوحش الذي يداعب فريسته قبل أن يفتك بها.

الفارس الشبح
لقد أدرك هذه الحقيقة الفنان المبدع هانس هوفمان، وجسدها في إحدى لوحاته التي يصور فيها الموت فارساً مغواراً أشبه بالشبح الذي يمتطي رهواناً يحوم مسرعاً في حومات دائرية أشبه بحلبة السباق، على نحو يوحي لنا بأنها حومات الفارس المنتصر، ولذلك فإن الفارس/‏ الشبح يحوم شاهراً سيفه الذي يبدو أشبه بأداة حصد الرؤوس لدى المحاربين القدماء، وهي سلاح معكوف يحصد الرؤوس بالجملة، مثلما تحصد المنجلَة حشائش الأرض. الفارس/‏ الشبح يحوم ممتطياً رهوانه في حومات دائرية شاهراً سلاحه، مزهواً بانتصاره باعتباره الفارس الأخير والوحيد الذي يبقى وحده في الميدان، فما الميدان في اللوحة؟ صور هذا الفنان العبقري الميدان ساحةً تخلو من أية صورة مباشرة، فليست هناك جماجم أو رؤوس مقطوعة حصدها فارس الموت، لأن الفنان يعرف أن الفن ضد المباشرة في التصوير والتعبير، ولأنه يريد أن يصور الموت، لا باعتباره موت البشر فحسب، وإنما باعتباره موت كل موجود في هذا الوجود. فليس هناك في الساحة مع فارس الموت سوى رموز الموت: شجرة ذابلة، وحية رقطاء فاغرة فاها، وتراب تعلوه سماء مكفهرة، وقد سيطر على اللوحة لون رمادي ترابي ممزوجاً بلون فوسفوري باهت أقرب إلى الاصفرار الذي يشبه صفرة الموت.
وليست هذه بدعوة إلى اليأس والإحباط والامتناع عن الأمل والرجاء من خلال الجهد والعمل والإبداع، وإنما هي تشخيص لحال الموجود البشري الذي ينبغي أن يعي أن سعيه لا قيمة له ما لم يهدف إلى أن يخلده بعد مماته، وهذا يصدق على مستوى الفرد مثلما يصدق على مستوى الأمم والشعوب. وهذا هو السبب في أن أمماً وحضارات تندثر فلا يبقى منها شيء يُذكَر، في حين أن أمماً وحضارات أخرى تبقى حتى بعد موتها، فهي تترك شيئاً قادراً على البعث من جديد. وهذا يصدق أيضاً على مستوى الأفراد المبدعين حينما يسعون إلى كتابة شيء يبقى على مر الزمان، مثلما بقيت كتابات غيرهم. لوحة هانس هوفمان عن الموت هي نفسها قد ساهمت في خلوده بعد موته.

وُجِدَ ليموت
إن الرغبة في الخلود هي رغبة يتميز بها الموجود البشري دون الموجودات جميعاً، لأنه هو الموجود الوحيد الذي يعي تناهي الوجود، فهو الموجود الوحيد الذي يعرف أنه موجود «مائت»، أي «مصيره الموت»، أو هو «متجه باستمرار نحو الموت»، كما لو كان الموت هو غايته. إن كل هذه المعاني العميقة عن الموت التي نجد بعضها في كتابات فلاسفة كبار من أمثال هيدجر، نجد نظائرَ لها أكثر عمقاً في بلاغة القرآن الكريم، حينما يقول المولى عز وجل مخاطباً الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): «إنك ميت، وهم ميتون». تأمل هذا الاستخدام الإلهي للغة العربية: استخدام الصفة، لا للدالة على الحال فحسب، وإنما على الاستقبال في المقام الأول، أي على المصير الذي يتجه إليه الحال! غير أن ما نود أن نضيفه هنا لهذه التأملات، هو أن هذه الحالة التي يكون عليها الموجود البشري هي الأصل في سعيه الدائم نحو الخلود. ولكن الساعين إلى الخلود هم تلك القلة من البشر الذي يعرفون أن وجودهم عابر في الحياة، ويدركون على الدوام أن مآلهم هو الموت، فهم مجرد وجود «متجه نحو الموت» على حد تعبير هيدجر، أي «وجود وُجِد ليموت». وإذا كان كل البشر وجودوا ليموتوا دون أن يهتموا بمعنى هذه الحقيقة الأبدية اليقينية، فإن قلة قليلة منهم ممن يهتمون بهذه الحقيقة يحاولون البقاء رغم الموت وفي مواجهة التناهي: يريدون أن يبقوا في الحياة، حتى بعد مماتهم.. أول هؤلاء هم المبدعون في كل زمان ومكان.

إرث للبقاء
لو تأملت تاريخ البشرية، لوجدت أنه كان موجهاً بهذا الدافع عند المبدعين الذين كانوا كأسلافهم المنحدرين منهم عبر العصور. حقاً إن البشر الأوائل كانوا مشغولين بالدفاع عن حياتهم ضد أخطار الطبيعة، ولكن حتى من بين هؤلاء الأوائل من حاولوا أن يجسّدوا أو يخلّدوا حالهم هذا من خلال الرسومات على جدران الكهوف، ذلك هو الفنان الأول. وليس حال الفنان في كل عصر ببعيد عن هذا، فالحقيقة أن كل فن هو محاولة للبقاء والخلود في مواجهة الزوال والفناء. ذلك هو الأصل الأنثروبولوجي البعيد للفن والإبداع على الصعد كافةً. وهذا هو الحال في نشأة الفنون التشكيلية وتطورها، مثلما هو الحال في فن الأدب أو الكتابة الإبداعية. حدث هذا في فن المعمار حينما لم يكتف الموجود البشري المبدع الأول بأن يرسم مخاوفه وأحلامه على جدران الكهوف، بل سعى بعد ذلك إلى أن يجسد إبداعه في فنون المعمار والتصوير، وغير ذلك من الفنون التشكيلية، ففن المعمار على سبيل المثال قد انتقل من الكهف باعتباره مأوى إلى التعبير الجمالي عن فكرة المبنى في ذاته، سواء كان مأوى أو قصراً أو معبداً أو قبراً للموتى! كذلك فإن الكتابة في جوهرها، مهما تعددت أشكالها هي سعي نحو تخليد صور صادقة معبرة عن جوهر حياتنا... تتعدد الصور إلى ما لا نهاية، وتتعدد معها أشكال الكتابة والتعبير إلى ما لا نهاية. ولذلك فإنه لا يبقى من هذه الكتابة إلا ما حاول منها أن يلتقط صورة جوهرية من صور وجودنا أو لمحة من لمحاته. المبدعون من العلماء يتركون لنا معادلة أو نظرية ستظل خالدة باعتبارها جزءاً من تاريخ تطور العالم، وبالتالي تطور الإنسانية نفسها.
أدرك المصريون القدماء أن الحياة مجرد معبر إلى الخلود... إلى الحياة الأبدية التي لا تسرى عليها قوانين الحياة التي تبلى وتفنى بفعل الزمان، فأعدوا العدة لهذا الزمان الأخروي الأبدي الذي لا تسري عليه قوانين الحياة الدنيوية، ومن هنا كانت عبقريتهم في فن التحنيط، وإيمانهم بالخلود الذي جعلهم يدفنون مع الميت أشياء من حياته الدنيوية التي قد يحتاج إليها، وهذا يعني أن الحياة الدنيوية موصولة بالحياة الأخروية، إذا أعددنا لها العدة من خلال أعمالنا في الحياة.
كل هذا يستدعي السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعاً حكاماً وشعوباً نعيش على أرض عربية شهدت حضارات على مر الزمان، حتى قبل أن تصبح عربية: متى يشعر أهل تلك الأرض بالتحدي الذي يخلق فيهم الإرادة في البقاء من جديد بعد الموات الذي ران عليهم طويلاً؟!

الشعوب والموت
كثيرة هي الشعوب التي تؤمن أن الجسد يفنى ووحدها الروح خالدة إلا أن لكل منها طريقتها في التعامل مع مراسم الدفن. ومن بينها، نذكر الزرادشتيين، الذين يعيش بعضهم في إيران، ويعتبرون إحراق الجثة أو دفنها تدنيساً لعناصرها المادية، ما يحتّم عرضها فوق «أبراج الصمت» لتلتهمها الطيور، وبالتالي يضعون أجسام الموتى على سطح برج عالٍ مستدير ومبلط، تتوسطه بئر عميقة. وعندما يموت أحدهم، يضعون جثته عارية مكشوفة للشمس على الألواح الحجرية، المكونة من ثلاثة صفوف، الصف الخارجي للرجال، والمتوسط للنساء، والداخلي للأطفال. وتبقى الجثث تحت حرارة الشمس ومياه الأمطار، إلى أن تتلاشى، تاركة العظام فقط التي توضع في تلك البئر. ويؤمن الزرادشتيون أن نور الشمس وحرارتها يطهران هذه الأجسام من دنس الخطيئة، فتدخل النعيم مطهرة.
أما في التيبت، فتُعرف هذه العادة بـ«الدفن السمائي» Sky burial. فالبوذيون الذين يؤمنون بالولادة الجديدة، لا يعتبرون أنه من الضروري الحفاظ على الجسد بعد الموت، لأن الروح قد انتقلت إلى عالم دنيا، وبالتالي يأخذون جثث موتاهم إلى أماكن مرتفعة، ويتركونها كـ«صدقة» للنسور، وهذا تقليد أثار الكثير من الجدل، لجذبه العديد من السياح. وفي منغوليا، تجري أيضاً العادة نفسها، لأن الأجساد ليست إلا أوعية فارغة.