صحيفة الاتحاد

دنيا

ناجية من هيروشيما: لم نجد وقتاً للكراهية.. تفرغنا للعودة إلى الحياة

كييكو أوجورا أمام صرح المذبحة

كييكو أوجورا أمام صرح المذبحة

أحمد عبد العزيز (هيروشيما)

قالت السيدة كييكو أوجورا مديرة مؤسسة «هيروشما للسلام»، وإحدى الناجيات من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إلقاء الولايات المتحدة الأميركية القنبلة الهيدروجينية عليها في السادس من أغسطس لعام 1945: «إن اللحظات الأولى لإلقاء القنبلة على هيروشيما وما تلاها من أهوال، سببت معاناة نفسية وإنسانية استمرت لسنوات لجميع سكان هذه المدينة بشكل عام، وللناجين من الموت في المناطق المحيطة لمركز إلقاء القنبلة بشكل خاص، ولم يكن لنا أن ننسى هذه المأساة الإنسانية الأبشع في العصر الحديث، إلا أننا لم نجد وقتاً للكراهية وتفرغنا للبناء والبحث عن طعام وكساء والعودة إلى الحياة».

وتروي قصتها قائلة: «بعد إسقاط القنبلة على هيروشيما لم يعد الموضوع يتعلق بالتسامح أم عدمه، إلا أن التفكير كان ينصب على كيف نأكل ونعيد الحياة. وبشكل عام فإن اليابانيين لا يكرهون وليس من السهل أن يعبروا عن غضبهم بشكل علني، ولكن الأمر كله كان في كيفية تجاوز الغضب بفعل شيء ما حتى نتجنب حدوث هذه المأساة لأجيال قادمة، وخاصة أن الأمر يزيد من مخاوفنا ويزيد الرعب بعد ظهور تهديدات لكوريا الشمالية وتجاربها النووية والخوف الشديد من حاكمها الذي يتخذ قرارات شديدة التهور، ولا يعرف ما هي مخاطر الأسلحة النووية، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان هذه الذكريات المؤلمة، خاصة في ظل وجود دونالد ترامب المتسرع أيضاً، الذي يمكن أن يمهد الطريق لإشعال حروب نووية، وعلى العالم أن يتحد في مواجهة هذا الخطر».

اللحظات الأولى

بكلمات ثابتة وملامح واثقة تحدثت السيدة أوجورا عن اللحظات الأولى بعد إسقاط القنبلة الهيدروجينية على المدينة التي ولدت وعاشت بها حياتها إلى يومنا هذا، ووصفت تلك اللحظات قائلة: «في صباح ذلك اليوم بدت الحياة مستمرة، إلى أن سمعت دوي انفجار هائل وغبار أحاط المنطقة بأكملها، وكنت وقتها في الثامنة من عمري ولم أستطع أن أشاهد أي شيء، حيث تحولت الرؤية إلى غمامة بيضاء ولم أشعر بعدها بشيء، وفقدت الوعي لساعات إلى أن أفقت أنا وأهلي في الظلام». وتضيف: «تلك اللحظات كانت الأكثر صعوبة عليّ، وبدأت بعد الصدمة الأولى عدة صدمات ومحن نفسية وإنسانية، لا تنسى أولها أنني لم أر بعد هذا اليوم زملاء من المدرسة لأنهم وأسرهم قتلوا جميعاً في واحدة من أسوأ المجازر الجماعية في عصرنا الحديث، تلا ذلك صدمة أكبر عندما شاهدت من نجا وأصيب بحروق شديدة، وإن لم تكن هناك حروق أصيبوا بأمراض سرطانية أدت لوفاتهم بعد ذلك».

وتؤكد السيدة أوجورا (80 عاماً): «كل يوم كان يمر بعد إلقاء القنبلة كان يزداد الأمر سوءاً، حيث إن الطعام لم يكن يسيراً وكذلك الماء لم نجده، وبدأ الأطفال يأكلون أوراق الكتب المدرسية، ولم يعد هناك كسرة خبز أو أرز نقتات عليه بسبب تدمير الأرض الزراعية، وكانت المعاناة تزداد والجميع يحمل عبئاً ثقيلاً من الآلام النفسية أو الجسدية أو الحزن عمن فقده في هذه المجزرة البشرية البشعة التي لم يكن لأحد أن يتصور فداحتها إلا من عايشها».

وتعبر عن حزنها العميق، واصفة ما شاهدته من مآسٍ، قائلة: «توجه الآلاف من البشر إلى المعبد الموجود في مركز المدينة معتقدين أنهم سيجدوا إغاثة طبية أو مستشفى ميدانياً، إلا أن الأمر تحول إلى سيل من البشر الذين تتعالى صرخاتهم من الحروق التي أصابت أجزاء كبيرة من أجسادهم ووجوههم، باحثين عن شربة ماء قد تنهي حياتهم، بسبب إصاباتهم بالإشعاع أو دواء - لن يجدوه - ليسكن آلامهم التي لا تنتهي، في الوقت الذي صنفت فيه الحكومة اليابانية الناجين أربع فئات، الأولى: الأشخاص داخل مدينة هيروشيما في محيط إلقاء القنبلة 4-5 كيلومترات، والثانية: الذين كانوا في محيط 2 كيلومتر في الأماكن المتضررة منذ إلقاء القنبلة في 6 أغسطس وحتى قبل 20 أغسطس، والثالثة: الطواقم الطبية الذين قاموا على تقديم الرعاية للضحايا، أما الرابعة: النساء الحوامل والأطفال الذين في بطون أمهاتهم والذين تأثروا بشكل كبير من أثار القنبلة وولدوا صغار الرؤوس ومعاقين ذهنياً».

معاناة مستمرة

تمضي السيدة أوجورا في حديثها قائلة: «لم تتوقف المعاناة، حيث كان الناجون من البالغين والأطفال الذين ولدوا لأمهات كانوا في مدينة هيروشيما وقت إلقاء القنبلة، يواجهون صعوبات اجتماعية بسبب تجنب الأسر لهم وعدم تزويج أبنائهم لهم خشية إصابتهم بأمراض غير ظاهرة أو تشوهات خلقية تظهر في أبنائهم فيما بعد، وكذلك المعاناة في عدم حصول ناجين على فرص عمل، الأمر الذي أدى إلى أن العديد من الناجين لم يكن يرون ما شاهدوه، حتى لا يواجهوا هذه المعاناة وظلوا محتفظين بشهاداتهم ولم يفصحوا عنها إلا عندما بلغوا من العمر 70 عاماً وأكثر، فأغلب المتضررين لم يكن يظهر عليهم أي أعراض خارجية، بل كانوا يمرضون كثيراً بسبب تأثرهم بالإشعاع».

وتضيف: «من قتلوا بعد إلقاء القنبلة في دائرة قطرها كيلو متر واحد من مكان القنبلة بلغت نسبتهم 60% من المتواجدين في هذه المساحة الضيقة، علاوة على أن عدد الذين توفوا من جراء القنبلة بلغ عددهم 140 ألف شخص بنهاية عام 1945 بعد أن احترقت المدينة بعد سقوط القنبلة على مركزها، وبسبب أن البيوت خشبية فقد احترقت وتهدمت المدينة بالكامل والناجون هم من كانوا في المناطق التي كانت - لحسن حظهم وأنا أحدهم - تجاور مدى القنبلة أو من هم في أطراف المدينة، وإننا كنا من المحظوظين، حيث إن والدي في عام 1944 كان قد استأجر بيتاً جديداً وتركنا البيت القديم الذي كان بجوار مركز إلقاء القنبلة، ولولا هذا الانتقال لكنت وأسرتي في عداد الموتى الآن».

تفاصيل لا تُمحى

تروي السيدة أوجورا، قصتها التي لم تنس تفاصيلها حتى وهي في العقد الثامن من عمرها: «مدرستي احترقت بالكامل، فهي كانت بالقرب من مركز إسقاط القنبلة ولحسن الحظ أننا كنا في الإجازة الصيفية، ولكن ما سمعناه من روايات الناجين فيما بعد، أنه مع أول وميض من القنبلة بدأت ملابس الضحايا تحترق من على بعد 2000 -2500 متر من مركز الإسقاط، وكذلك أوراق الأشجار والمنازل الخشبية التي تهدمت بفعل الانفجار، وبعد ذلك بفترة وجيزة سقطت على المنطقة أمطار سوداء، وتحديدا على بعد 30 كيلومتراً وأصيب سكان هذه المناطق أيضاً بالإشعاع».

وعن شهادات المقربين من أسرتها، تقول: «إن أخي شاهد القنبلة حيث إنه كان يعمل وقتها في هدم البيوت لمنع امتداد النيران، حيث إن التحذيرات كانت قد وصلت إلينا بأن الولايات المتحدة ستلقي القنبلتين، وذلك لعمل حزام يحول دون اشتعال النيران في البيوت التي كانت تبنى وقتها من الأخشاب، وبعدها بأيام بدأت رائحة الموت التي لا يمكن نسيانها، والتي باتت هي عنوان المشهد المفزع، فالجميع يعمل في حرق الجثث، وكان والدي أحد هؤلاء الذين اشتركوا في إحراق الجثث حتى لا تتفشى الأوبئة التي انتشرت بعدها.

وتضيف السيدة أوجورا:«بدأت أعاني من كوابيس متواصلة بسبب ما شاهدته وما عايشته خلال سنوات حياتي المبكرة، بسبب الإشاعات التي كانت تطال مسامعنا بقدوم جنود القوات الأميركية لاغتصاب الفتيات وخطف الأطفال، الأمر الذي أدى إلى فرار 4000 طفل وطفلة نصفهم كانوا من الأيتام بسبب فقد ذويهم عقب إسقاط القنبلة، علاوة على الندرة الشديدة في الطعام وكنا نأكل الجراد وأوراق المجلات والجرائد، واستمرت معاناتي حتى إنني بعد أن تزوجت في سن 25 عاماً، حرصت ألا أقدم على الإنجاب بسبب خوفي الشديد من أن يتأثر أبنائي من الإشعاع وكان زوجي يعلم أنني من الناجين، ولكننا لم نكن نتحدث في الأمر حتى إننا كنا لا نتسلم بطاقات الناجين، وانتهت الكوابيس بعد أن تحدثت عما عايشته وبدأت في التعافي تدريجيا».

حديقة السلام

تروي السيدة أوجورا، لحظات بداية التعافي بفخر، قائلة:«وقف الجميع متكاتفاً إلى أن بدأنا عملية إعادة الإعمار وأول ما تم إنشاؤه كان «حديقة السلام»، وتلا ذلك تأسيس أول فريق رياضي بعدها بخمس سنوات، وبدأت الحياة تعود وبدأنا بالتعافي النفسي، فرغبتنا كانت قوية والعزيمة كانت دافعاً لجميع اليابانيين لتخطي المحنة، ومرت السنين، وحرصت على أن أنقل ما شاهدته إلى الأجيال القادمة في مختلف البلدان، وفي عام 2003 زرت الولايات المتحدة وكنت في أحد متاحف نيويورك، وتحدثت للإعلام عن مشاهد المأساة الأسوأ في تاريخ البشرية الحديث، وتم بث صوري عبر وسائل الإعلام، ووقتها علمت عائلة زوجي التي لم تكن تعرف بأنني من الناجين المتضررين من هيروشيما».