عربي ودولي

قطر ومفهوم السيادة.. ممارسات خاطئة وقصر نظر

مطر سعيد النعيمي

مع بداية أزمة قطر، لم تأخذ الدبلوماسية القطرية كثيرا من الوقت حتى كشفت للعالم عدة مفاهيم خاطئة تمارسها وتنتهجها للتعامل مع قضاياها المعاصرة والمستقبلية وحتى تلك التي تتعلق بوجودها كدولة عربية خليجية نشأت وترعرعت بين شقيقاتها الدول الخليجية ويربطها معهم كيان خليجي يشهد له التاريخ بصموده أمام كثير من الأزمات والمحن. ومنذ شهر يونيو الماضي ومع بداية إجراءات المقاطعة التي اتخذتها الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) للحفاظ على أمنها الوطني، بدأت قطر تتحدث عن انتهاك سيادتها عندما طلب منها تنفيذ الشروط الثلاثة عشر، فما هو مفهوم السيادة الصحيح والمتعارف عليه بين الدول ؟، وما هو مفهوم السيادة لدى قطر؟.
باختصار، مفهوم السيادة المتعارف عليه منذ نشأت الأمم هو سيطرة الدولة الوطنية على حدودها الجغرافية وعلى قرارها الداخلي والخارجي، إلا أنه في عالم اليوم ومنذ بروز وتشكل ما يسمى بالمجتمع الدولي وفي ظل عولمة الكثير من الأنشطة العالمية مثل الاقتصاد والمعلومات والأمن تنازلت بعض الدول طواعية لمشاركة دول أخرى أو حتى منظمات غير حكومية كالأمم المتحدة أو حتى منظمات رياضية كـ»الفيفا»، تطوعت في مشاركة تلك الدول والمنظمات في قرارها الوطني بهدف التكتل والاتحاد في مواجهة التحديات التي تواجه العالم كالإرهاب أو مكافحة القرصنة أو حتى القضاء على مرض يهدد البشرية على سبيل المثال.
لذا فعالم اليوم يتطلب تعاونا بين الدول في سبيل التغلب على التحديات والأخطار التي تواجهه. وبالعودة إلى قطر وأزمتها الخليجية ، فالدول الخليجية لها الحق في الحفاظ على أمنها الوطني ولها كل الحق في مكافحة الإرهاب الذي سبب الدمار والقتل في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وقد طلبت تلك الدول من قطر أن تنضم لهذا التكتل لمواجهة خطر الإرهاب، وهذا الطلب لا يتعارض مع مفهوم السيادة في عالم اليوم الذي أصبح فيه التعاون الدولي لمواجهة الأخطار شيئاً مهما وحيوياً، ومن واجب قطر أن تلتزم وتتعاون بصورة كاملة في ذلك، ولا يحق لدولة ما أن تتحدث عن السيادة ضد أي إجراء جماعي وجهد دولي مطلوب للتصدي لظاهرة الإرهاب وعلى العناصر الداعمة له ماليا أو إعلاميا أو توفير بيئة حاضنة لقادته. فكيف فرطت قطر في سيادتها بسبب مفهومها الخاطئ للسيادة وبسبب قصر نظر سياستها الخارجية؟.
- أولاً: قطر، وبعد بداية إجراءات المقاطعة مباشرة وقعت مع تركيا اتفاقية عسكرية واستدعت قوات أجنبية تركية إلى أراضيها، وهي بذلك فرطت في سيادتها ومنحت قرارها السياسي والعسكري بيد الدولة التي أصبحت ذات التواجد العسكري على أرضها. فقطر اليوم لا تستطيع اتخاذ أي موقف من القضايا الدولية يتعارض مع توجهات تركيا، وذلك بسبب التواجد العسكري التركي في قطر، وقد يستمر هذا الوضع لفترة طويلة حيث إن اتخاذ قرار إلغاء ذلك الاتفاق العسكري سيكون صعبا جدا على قطر، كونه ضد رغبة تركيا وهو نتيجة لتفريط قطر في سيادتها واستدعائها للقوات التركية، وحرفيا فقد فقدت قطر سيادتها منذ اللحظة الأولى التي وطأت أقدام الجنود الأتراك الأراضي القطرية.
- ثانياً: بالرغم من تعنتها وعنادها تجاه مطالب الدول الخليجية، سارعت قطر إلى توقيع اتفاقيات أمنية لمكافحة الإرهاب مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا، تلزمها بالكشف عن التعاملات المالية وتسمح بوجود مراقبين من دول أخرى لنظامها المالي وهو نفس الطلب الذي رفضت التوقيع عليه مع شقيقاتها الدول الخليجية. وتعتقد قطر بذلك بأنها ضمنت تأييد الدول الغربية لها في موقفها من الأزمة، بينما في حقيقة الأمر يعتبر ذلك اعترافا رسميا من قطر بأنها مطالبة باتخاذ إجراءات للتوقف عن تمويل الإرهاب ودعمه، فهذا الوضع يتعارض مع مفهوم السيادة وهي حالة نادرة في تاريخ الأمم أن تقوم دولة بالتفريط في سيادتها على أنظمتها الداخلية لدول أخرى في ظل عدم وجود قرار من الأمم المتحدة أو من محكمة العدل الدولية يلزمها بذلك.
- ثالثا: إيواء قطر للكثير من عناصر المنظمات الإرهابية بحسب تصنيف الدول الأربع وبعض الدول الغربية، جعلها رهينة للتوجهات الإرهابية لتلك العناصر، فالنظام القطري لا يستطيع معارضتهم أو طردهم خارج قطر كونهم على علم بكافة الانتهاكات التي تقوم بها قطر من خلال دعمهم وإيوائهم، وهم بذلك يشكلون دليل إدانة لقطر على دعمها للإرهاب، ونتيجة لذلك فقد رهنت قطر قرارها الوطني بتلك العناصر وبذلك تكون قد فرطت في سيادتها الوطنية.
- رابعاً: تلعب الجغرافيا السياسية للدول دورا مهما في رسم ملامح سياسات الدول وعلاقاتها مع فضائها الجغرافي وعمقها التاريخي، وفضاء دولة قطر الطبيعي هو محيطها الجغرافي وبعدها التاريخي في الخليج العربي والجزيرة العربية، ومنذ بداية أزمتها سارعت قطر إلى إيران الدولة التي تنتهج سياسة أيديولوجية تهدف إلى السيطرة على قرار الدول العربية عن طريق نشر الدمار والتخريب لزعزعة الاستقرار في دول المنطقة. فكيف غاب عن قطر محيطها الجغرافي وجذورها التاريخية!. ألم تمعن النظر وتفكر في مستقبلها ومستقبل أجيالها في السنوات والعقود القادمة؟. قطر اقتربت من إيران الدولة التي تسعى للهيمنة على دول المنطقة منذ عقود، وطورت علاقاتها العسكرية والتجارية معها، لا بل بدأت تصفها بصفات بعيدة عن الواقع الذي يعرفه العالم كله عن إيران - الدولة المارقة -، وقطر حاليا توائم قرارها السياسي مع توجهات إيران وسياستها في المنطقة وهي بذلك سلمت قرارها الوطني وسيادتها في يد إيران التي تعادي دول الخليج وثبت سعيها لنشر الفتنة والدمار في بعض من تلك الدول كالبحرين والكويت والسعودية والإمارات.
- خامساً: منذ بداية الأزمة، سارعت قطر أيضا إلى عقد اتفاقيات لشراء طائرات مقاتلة وسفن حربية وعربات قتال وأسلحة أخرى من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا وألمانيا وإيطاليا، كل ذلك بهدف دعم موقفها في أزمتها الخليجية. ونظراً لسرعة عقد تلك الصفقات وحجمها الكبير لم تتمكن قطر من فرض شروطها المالية أو الفنية على تلك العقود، حيث كان الهدف فقط التوقيع بسرعة على حساب الحاجة الفعلية والبعد الاستراتيجي والشروط الفنية، ونتيجة لذلك فقد فرطت قطر في قرارها الوطني وسيادتها في سبيل ضمان موقف مؤيد أو محايد على أقل تقدير من أزمتها مع الدول الأربع.
المراقب لما تقوم به قطر للتعامل مع أزمتها يرى بوضوح الممارسات الخاطئة لنظام الحكم في قطر، ويرى كذلك ابتعادها عن بيتها الخليجي شيئاً فشيئاً. والأصعب من ذلك ترسيخها لهذا الابتعاد بجلب القوات التركية وتطوير علاقاتها مع إيران وإيوائها للعناصر الإرهابية وهي بذلك قد سلمت قرارها الوطني وسيادتها لدول ومنظمات تعيث في الأرض فساداً. فالسيادة هي استقلالية القرار الوطني الداخلي والخارجي للمحافظة على المصالح الوطنية وهي أيضا التعاون والتكتل في سبيل مواجهة الأخطار التي تحدق بالمنطقة والعالم. فهل يستوعب نظام الحكم في قطر هذا الانحراف عن المنطق؟ أم أنه هو قد أصبح منحرفاً وبحاجة إلى من يصحح مفاهيمه ومساره؟.