صحيفة الاتحاد

الإمارات

«كاسرات الصمت».. عندما تسبح الصحافة ضد التيار

أحمد مصطفى العملة

غدا تكسر مجلة تايم الأميركية عادة حافظت عليها تقريبا منذ 1927. شخصية العام التي ستظهر على غلافها لن تكون رئيس دولة ولا رئيس وزارة ولا بابا الفاتيكان ولا حتى وزير.. هذه المرة الغلاف من نصيب «كاسرات الصمت».. ممثلة ومطربة وناشطة وموظفة وعاملة زراعية وممرضة.
في العادة تختار المجلة لغلاف نهاية العام الشخصيات التي كانت أكثر تأثيرا في الأحداث خلال السنة، بصرف النظر عن طبيعة التأثير، سلبياً كان أم إيجابياً.
فلماذا إذن اختار مجلس تحرير المجلة الشهيرة هؤلاء من بين قائمة قصيرة، ضمت شخصيات بوزن الرئيس دونالد ترامب والزعيم الصيني القوي تشي جينبينغ، والمدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي روبرت مولر المحقق الخاص بقضية الاتصالات مع روسيا خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون؟!
ببساطة لأنهن يمثلن مئات النساء اللواتي قررن بشجاعة «مع بعض الرجال» الخروج للعلن والتحدث بصراحة عن تعرضهن لاغتصاب أو انتهاكات جنسية من رجال ذوي نفوذ.
«كاسرات الصمت»، اللواتي يظهرن غدا على غلاف تايم هن آشلي جود «ممثلة» وسوزان فولر «موظفة في أوبر» وآداما إيو «ناشطة« وتايلور سويفت «مطربة» وإيزابيل باسكول «مكسيكية تعمل في جمع ثمار الفراولة»، بالإضافة إلى ذراع امرأة مجهولة، (قالت المجلة إنها موظفة بأحد مستشفيات تكساس، رفضت الكشف عن هويتها خشية تعرض أسرتها للانتقام ممن أساؤوا إليها).
فجرت هذه المجموعة، كما قال إدوارد فيلسينثال، رئيس تحرير المجلة «أسرع حركة تغيير اجتماعي» تشهدها أميركا منذ عقود، بعدما شجعت مئات النساء والرجال حول العالم على الحديث صراحة عن تجاربه‏‏‏نّ مع التحرش الجنسي.
وهو محق بدرجة كبيرة، لأن الصرخة التي بدت ضعيفة واهنة (وغير متخيلة) في بدايتها، صارت الآن تشبه ثورة عاتية لها دوي هائل يهز المجتمعات الغربية، فالاتهامات طالت وأطاحت برؤوس كبيرة بدوائر السلطة والإعلام، ولا يبدو أن أمواجها العاتية سترسو قريبا على بر.. فهل كان لهذا التسونامي أن يحدث لولا الصحافة، والصحافة التقليدية المطبوعة على وجه التحديد؟!.. على الأرجح لا.
فالرجل الذي انطلقت ضده الاتهامات في البداية، هارفي واينستين.. إمبراطور غير متوج في هوليوود وشبكة علاقاته واتصالاته ونفوذه رهيبة، ومن ثم لم يكن ليقدر على فضحه سوى مؤسسة عريقة بحجم نيويورك تايمز. فالصحيفة العريقة هي التي منحت، بحرفية وشجاعة، الضحايا الفرصة ليتحدثوا علنا عما فعله بهن صانع النجوم ، صديق الرؤساء والملوك هارفي واينستين.
ثم جاء دور السوشيال ميديا، التي التقطت طرف الخيط ومدته إلى أقصى حد في شتى الاتجاهات عبر وسم #MeToo، فجرى استخدامه ملايين المرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 85 دولة، لتحكي نساء العالم عن حقيقة معاناتهن من التحرش.
تثبت هذه التجربة بوضوح، أن الحديث عن موت الصحافة التقليدية، أو تراجع دورها، بعيد عن الصواب، فلولاها ما كان من الممكن لضحايا التحرش الجنسي أن ينقلن قضيتهن للعلن، ومن دونها كن سيواصلن المعاناة في صمت، ولم تكن حماقات الجناة لتتوقف، لتتسع دائرة الضحايا إلى ما لا نهاية، في الوقت ذاته تكشف التجربة أيضا أن تناغم وتكامل وسائل التواصل الاجتماعي مع الصحافة المطبوعة، يدعم قضاياها ويزيد من حدة تأثيرها ويسهل وصولها بسرعة للملايين حول العالم. لكن على الضفة الأخرى، يطرح الأمر تساؤلات عديدة أمام الصحافة العربية، التي تبدو حتى الآن غارقة في أعماق بحور القضايا الكبرى التي تستنزف وتستثمر فيها كثيرا من الجهد والوقت والمال.
أقل هذه التساؤلات أهمية، يتعلق بمدى قدرتها على تقديم تغطية جادة وموضوعية لقضايا المرأة «الريفية خصوصاً» أو الأطفال، المعاقين، الفئات المهمشة، الأقليات أو حتى أندية القاع في بطولات الدوري، نجوم اللعبات الأخرى غير كرة القدم، سكان المدن البعيدة عن العاصمة أو المناطق الحدودية. بدرجة كبيرة لن تجد لهذه المجموعات حضوراً جاداً كبيراً في الميديا العربية، إنهم غائبون بجدارة، اللهم إلا قليلاً مما يمكن وضعه في خانة الترفيه والتسلية.. وبالتأكيد هذا الغياب ليس بقرار أو باختيار هذه المجموعات المغلوبة على أمرها، لكن الإعلام العربي قرر لسبب أو لآخر أن يكون دوماً مع الـ Mainstream ، التيار السائد.
طبعاً هذا خيار أكثر راحة وأمناً وأقل إزعاجاً بالنسبة للميديا، لكنه يضر كثيراً بفرص تطور المجتمعات التي هي أشد حاجة من الغرب لصحافة تفتح صدرها للجميع، وتضع يدها على الجروح بشجاعة لعلاج مشاكل اجتماعية كثيرة، لا تجد لها حلاً بالطرق التقليدية، ولمساعدة الحكومات على إدراك مواطن الخلل.لكن، ويا للمفارقة ، هناك من يخشى أن تتحرش الصحافة ذاتها بقيم المجتمع وتقاليده، إن هي قررت التعامل مع قضايا المجتمع الحساسة، فمن يضمن أن تلتزم حينئذ بالمهنية والموضوعية من دون إثارة قد تفاقم المشكلات؟!.