الملحق الثقافي

العباءة.. تمرّد ناعم

المرأة العصرية بحثت عن عباءة بسيطة تناسب كل الأماكن

المرأة العصرية بحثت عن عباءة بسيطة تناسب كل الأماكن

يُنظر للعباءة، كرداء تجاوز مفهوم «اللباس» ليكون مظهراً من مظاهر تنظيم اجتماعي يحدد للمرأة السلوك الذي ينبغي أن تسلكه، والأماكن التي توجد فيها. فالعباءة ليست رداء لستر الجسد فقط، بل إن في لبسها استبطان لفكرة جسد يُحجب، وحضور يجب أن يُطمس. فهل هي مصادفة أن تكون العباءة بلون السواد. لون الليل، حيث تصعب الرؤية وتغيب الأشياء؟ لفهم بعض دلالات العباءة لا بد من استعراض التاريخ الحديث للعباءة، لكننا سنطلّ عليه هنا بشكل موجز.

مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، بدأت النساء، وتحديداً نساء نجد، في إسدال العباءة حتى تصل الأرض بعكس أمهاتهنَّ اللاتي كن يرفعن أطراف عباءتهن السفلى بأيديهن إلى أعلى الأفخاذ وأحياناً إلى الخصر ليكشف عن فستان «الكرته» الملون. إخفاء الألوان، ألوان فستان الكرته، وانتشار السواد لم يعترض عليه أحد وربما لم يلحظه أحد، مرَّ الأمر هادئاً. وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، بدأت النساء ما اعتبر تمرداً، وإن كان تمرداً غير مباشر، حيث أُسقطت العباءة بضع سنتيمترات، لتنزل من أعلى الرأس إلى الكتف، وللمفارقة، حدثت حينها ضجة واستنكار رغم أن السواد لا زال يحيط بجسد المرأة. فلماذا أحدث (تغير) ضجة كبيرة و(آخر) لم يحدث رغم أن الموضوع واحد: عباءة المرأة؟ هل لأن التغير إن توجه نحو مزيد من المحافظة لا يشكل قلقاً. هل هو تواطؤ، أم أن الأمر لم يتم بشكل يثير الانتباه، خاصة أنه حدث في السبعينيات، في وقت كان يشهد فيه المجتمع حدوث تغيرات دراماتيكية عديدة، ما يجعل تغييراً في عباءة المرأة مجرد تفصيل لا يلفت الانتباه؟

أماكن محظورة
في المقابل، في بدايات هذا القرن، حين قامت النساء بتلوين عباءاتهن كمن يلوِّن سجنه، قامت احتجاجات، ووصل الأمر حدَّ وضع قوانين وتعاميم رسمية جعلت بعض الأماكن محظوراً على «النساء الملوَّنات» دخولها. وأصبح ارتداء هذه العباءات الملونة تصريحاً بتوجه فكري ما. وبهذا، تحولت العباءة إلى أداة تمييز وتصنيف، من تريد أن تثبت أنها امرأة عصرية ومنفتحة ترتدي عباءة ملونة. وإن كانت تريد تمييز هويتها بشكل أدق - كأن تعلن مثلاً - أنها تعتز بانتمائها لإسلام منفتح وعصري فعليها لبس حجاب أبيض أو بيج مع عباءتها الملونة، كما يمكن لمن تريد أن تعلن عن عصريتها وربما ليبراليتها أن تزيل الطرحة عن الرأس بالكامل. لعل ما سبق ليس مجهولاً للقارئ.. ولكن هل هذا وحده ما يختصر علاقة المرأة بالعباءة، قيد يفرضه الآخرون بشكل مباشر أو غير مباشر، ليصبح عند البعض مجالاً للزينة؟

للعباءة.. وظيفة جديدة
في تجربة التدريس في جامعة مقصورة على النساء تعرفت على وظيفة جديدة للعباءة كما تُقدمها مرتدياتها. وفقاً لحديث إحدى المنتسبات لتلك الجامعة، حتى حدود عام 1995 تقريباً، لم يكن ارتداء العباءة داخل حرم الجامعة شائعاً كما هو الآن. الآن، تدخل قاعة محاضرة تضم ما بين 70- 100 طالبة، فتجدهن جميعاً يرتدين العباءة وطرحة الرأس، لا يكشفن إلا عن الوجه فقط، رغم خلوِّ المكان من الرجال تماماً. بدخول الأستاذة للقاعة، يصبح المشهد ساخراً، فهي وحدها التي لا ترتدي العباءة، وكأن الطالبات مستعدات لرحلة سفر، والأستاذة هي قائد الرحلة التي ستنطلق بعد قليل، إنها الكابتن، ألا يختلف زي الكابتن عادة؟ هذا المشهد في حقيقته، غالباً ما تستشعره الأستاذات، كما صرحن، بأن الطالبات لسن في قاعة محاضرة، بل هن في غرفة بوابة الجامعة، ينتظرن السائق ليحضر، ليضعن الغطاء على الوجه ويخرجن، والأستاذة عائق لهذا الخروج. تشعر الأستاذة بأن وجودها غير مرحب به، فهي كمن يُعطلهن عن الخروج من هذا المكان. إحساس اكتشفت أنه مشترك بين الأستاذات، بل إن بعض الأستاذات أصابتهن الريبة من إصرار الطالبات على ارتداء العباءة، لدرجة التشكك بأنها وسيلة تساعد على الغش في الاختبارات أو إخفاء أجهزة تسجيل!

درع ودريئة
قبل أن نغوص في تحليل أسباب الإصرار على ارتداء العباءة من قبل الطالبات رغم خلو المكان من الرجال تماماً كما سبق وذكرت، لنعد قليلاً لتاريخ العباءة داخل الحرم الجامعي كما حدثتنا أحد منتسبات الجامعة المخضرمات. تقول: إلى ما قبل عام 1993 كان لبس العباءة داخل حرم الجامعة يتم من قبل مجموعات قليلة جداً لا يمكن حتى الانتباه لوجودها، وهن الطالبات الفقيرات، اللواتي لم يكن يمتلكن القدرة المالية لمسايرة الفتيات في استعراض ملابسهن المتنوعة بشكل يومي. تصبح العباءة هنا، مجالاً للاختباء الاقتصادي والاجتماعي. في حدود عام 1993، بدأت تظهر وللمرة الأولى المشاغل النسائية لتصميم وبيع عباءات مزخرفة يمكن لبسها في النهار، كانت لا تزال عباءات سوداء. قبل ذلك التاريخ، كان هناك عباءة بسيطة جداّ للنهار وعباءة مزخرفة للسهرة. التغيير كمُن في استحداث عباءات نهارية مزخرفة وبأسعار مرتفعه تتراوح ما بين (1500- 3500 ريال) وإن قسناها بأسعار هذه الأيام فقد كانت مكلفة. انتشار العباءة تلك جعلها تفرض نفسها داخل أروقة الجامعة. أصبحت الفتاة لا تخلع عباءتها غالية الثمن داخل الحرم الجامعي لتشاهدها صديقاتها. وفجأة انقلب الوضع، بعد أن كانت العباءة لإخفاء الفقر، أصبحت مجالاً لإظهار الغنى أو ادعاء الغنى، ففتيات الطبقة المتوسطة يستطعن التحايل عبر مكافأة الجامعة الشهرية للحصول على تلك العباءة. بعد عدة سنوات، خفّ وهج تلك العباءات المتكلفة وظهرت عباءات أكثر بساطة وراحه، كما تعددت وتنوعت المحلات التي تصنعها مما خفف من أسعارها كثيراً. وهذا جعل الجميع تقريباً يمتلك عباءة جميلة يُبقيها أثناء التجوال في حرم الجامعة، لتنقسم الجامعة وبشكل صارم وواضح بين مرتديات العباءة «الطالبات» وغير مرتدياتها «هيئة التدريس وموظفات الجامعة». تقسيم أتى من الأسفل إلى الأعلى، وهو ما يشكل تحديا للسلطة، فعادة تصدر القرارات من الأعلى «مسؤولي الجامعة» إلى الأسفل «الطلبة». فمسؤولو الجامعة هم من يحددون زي الطالبات، ومن يفرضون علامات تمييزها. هنا، حدث العكس، الطالبات هن اللواتي اخترن وضع قانون التميّز، حتى وإن كان القرار غير مقصود، بل حدث بمصادفات تراكمية، لذا ومنذ عام 2005 وبعض الجامعات تصدر تعليمات بعضها مكتوب وبعضها شفهي بمنع ارتداء العباءة داخل قاعة المحاضرات أو حتى في أروقة الجامعة. والآن، ونحن في عام 2018 لا تزال بعض الجامعات تصدر تلك القرارات ولا تزال الطالبات متمسكات بارتداء العباءة داخل أروقتها. ما سبب إصرار الطالبات هنا؟ إن كانت العباءة تُعرف كأداة قيد، فلماذا تصر الطالبات عليها خاصة وأنهن في مكان لا يتواجد فيه رجال، وهو ما يفترض أنه الوظيفة التقليدية للعباءة؟
هنا، لم يكن من بُد، إلا سؤال الطالبات مباشرة، ولكن مع مقدمة تطمينيه بأن السؤال لا يحمل احتجاجاً أو اعتراضاً، بل مجرد سؤال من متخصصة بالسلوك الإنساني.

وسيلة للاحتجاج
جاءت إجابات الطالبات في مجملها تتلخص حول فكره واحدة، الجامعة تفرض على الطالبات قيوداً في اللباس، بعضها غير واضح، وبعضها يخضع لأهواء شخصية عند التطبيق، فكان الحل بالتحايل: ارتداء العباءة. فمثلاً، ممنوع على الطالبة ارتداء تنورة ضيقة أو قصيرة أو بلوزة شفافة، وكلها أوصاف عامة، فما هي حدود شفافية أو ضيق أو قصر لباس ما؟ وفوق هذا يمنع على الطالبات ارتداء البنطلون، فكانت الطالبات تحتال على ذلك بالاحتفاظ بالعباءة فوق البنطلون. إصرار الطالبات على ارتداء البنطلون وإصرار إدارة الجامعة على منعه جعل الطالبات لا يجدن مخرجاً إلا في الإبقاء على العباءة. لتكتشف الفتيات أن العباءة لا تخفي البنطلون الممنوع فقط، لكنها تمنح مجالاً لإخفاء أي لباس لا يُقبل الخروج به، فأصبحت الطالبات تحضرن للجامعة بالبيجامة (المنامة)، وبلباس رياضي قصير، بل وفي إحدى المرات، وأثناء أداء أحد الاختبارات، أصرَّت مشرفة على إحدى الطالبات بأن تخلع عباءتها، باعتبار ذلك أحد قوانين الاختبار، ومع إصرار الطالبة على الرفض، وجدوا أنها حضرت للجامعة بقميص خفيف فوقه عباءة. لباس لم يكن من الممكن الخروج به من البيت لولا العباءة.
وفقاً لإجابات الطالبات، فالعباءة تمنحهن مجالاً للتخلص من مزاجية موظفات الجامعة في تحديد الملابس الملائمة، وللتخلص من لتعليمات يرينها غير واضحة وغير منطقية، فقد يكون لباس ما مسموح من قبل موظفة ومرفوض من قبل أخرى، وحتى لا تدخل الطالبات في جدل، يعلمن نتيجته بحتميه خضوعهن، وحتى لا يمنحن الموظفات مجالاً لإصدار تعليمات وأوامر عليهن، فقد كانت العباءة درعاً يحتمين به من ذلك كله. العباءة تحولت إلى وسيلة احتجاج على قوانين يرينها غير مقبولة، وأيضاً وسيلة لمنحهن حرية اختيار ما يردن من لباس. هو تمرد ناعم، استطاعت فيه الطالبات الصمود لما يقارب الثلاثة عشر سنة أمام تعميمات وقوانين يُصدرها القابعون خلف مكاتبهم.
أمر آخر، هذا الإصرار على ارتداء العباءة يصبح تمثيلاً لانتمائهن لهذا العصر بإيقاعه السريع، الذي يتطلب سرعة حركة يناسبها اللبس «الكاجوال»، أما اختيار لباس يصح ارتداؤه داخل الحرم الجامعي المقصور على النساء ولباس آخر يصح ارتداؤه في الفضاء العام حيث يحضر الرجال، فأمر لا يتناسب وفتاة تريد التحرك سريعاً، وهكذا، تم اختيار لباس واحد لكلا الفضاءين. أليس في هذا كسر للفضاءات، وبشكل أدق، كسر للحواجز بين الفضاءات، فضاءات مخصوصة «للنساء» وفضاءات عامة «للرجال»؟
لم تخرج الفتيات للشارع احتجاجاً ليمزقن عباءاتهن، لكنهن احتفظن بالعباءة داخل محيط النساء كما يفعلن في محيط الرجال، هو رفض لا واعٍ لازدواجية الفصل هذه. الإصرار على ارتداء العباءة تحول هنا إلى أداة لإعلان أن العباءة ليست لاحتجاب الجسد فقط، بل لإعلان رفض سطوة الآخرين.
الأشياء، ومنها العباءة، لا تُعرَّف فقط من قبل منتجها وواضعها، أي المجتمع، ولكن من قبل مستخدميها، فالمستخدم يقوم بإعادة تعريفها. لتصبح العباءة هنا، وفق تعريف طالبات الجامعة، مجالاً لمنحهنَّ صوتاً. ومع هذا لا يمكننا إلا أن نختم بهذا التساؤل: هذا الاحتجاج الصامت للطالبات ينتهي بنا إلى منظر لقاعات محاضرات جامعية يكسوها سواد كامل، منظر لا يُرى عادة إلا في صالات العزاء، أهكذا تُرى الجامعات بعيون الطالبات؟

لكلِّ زمن عباءته
لا تبدو العباءة في نظر علماء الاجتماع ودارسي السلوك الإنساني مجرد لباس فقط.. بل علامة سيميائية تضيء على واقع المرأة، وتفسر ما يعتوره من مفارقات، وما يحفل به من حدود أو خطوط يراد للمرأة أن تسير عليها، ولا تخرج عن إطارها.
فالعباءة تستر، وتغطي، وتحجب الجسد، وتحدد للمرأة الأماكن التي ينبغي أن تذهب/‏ لا تذهب إليها، وترسم حدوداً لنوعية المكان المسموح/‏ أو الممنوع دخوله من قبل المرأة.. لكن وظيفتها لم تبق في هذه الحدود، بل تغيرت، وصارت لها وظائف أخرى ربما لا يخطر على بال كثيرين الانتباه لها.. أحياناً.
كانت وسيلة لإخفاء الفقر ثم صارت وسيلة لإعلان الغنى، وفي الحالتين كانت تغمر المرأة بالسواد، ثم لما تلونت باتت وسيلة للتمييز والإعلان عن هوية من ترتديها، لكن العباءة يمكنها أن تكون فعل تحرر، تماماً كما هو نزعها... إنها وسيلة احتجاج يبدو صامتاً على قوانين يراد للمرأة أن تتقيد بها، لكن في العمق تعبير عن صوتهنّ المخنوق.
وهكذا.. لكل زمن عباءته.. ولكل عباءة ما تبوح به عن أحزان النون.

أداة تمييز
في بدايات هذا القرن، حين قامت النساء بتلوين عباءاتهن كمن يلوِّن سجنه، قامت احتجاجات، ووصل الأمر حدَّ وضع قوانين وتعاميم رسمية جعلت بعض الأماكن محظور على «النساء الملوَّنات» دخولها. وأصبح ارتداء هذه العباءات الملونة تصريحاً بتوجه فكري ما. وبهذا، تحولت العباءة إلى أداة تمييز وتصنيف، من تريد أن تثبت أنها امرأة عصرية ومنفتحة ترتدي عباءة ملونة. وإن كانت تريد تمييز هويتها بشكل أدق - كأن تعلن مثلاً - أنها تعتز بانتمائها لإسلام منفتح وعصري فعليها لبس حجاب أبيض أو بيج مع عباءتها الملونة، كما يمكن لمن تريد أن تعلن عن عصريتها وربما ليبراليتها أن تزيل الطرحة عن الرأس بالكامل.