الاقتصادي

عشق الاقتصاد العالمي للسكر يقوض النمو

 عمال في أحد حقول قصب السكر (أرشيفية)

عمال في أحد حقول قصب السكر (أرشيفية)

حسونة الطيب (أبوظبي)

ارتفع متوسط استهلاك الفرد العالمي من السكر، بما يقارب خمسة أضعاف على مدى القرن الماضي، مدفوع بزيادته في الأسواق الناشئة، رغم تراجع استهلاكه في الدول المتقدمة، وتوجه بعض الحكومات لفرض ضريبة عليه.
الاقتصاد العالمي الذي يعشق السكر لمذاقه الحلو، ولمردوده المادي الكبير، يعرض حركة النمو مع ما يسببه من تكاليف لعلاج الأمراض الناجمة عنه.النمو.
ويعتبر السكر المسبب الأساسي للسمنة، ومرض السكري واسع الانتشار عالمياً، وهو ما يزيد تكلفة العلاج لهذا المرض المزمن الذي تتحمله الحكومات ليصبح، ورغم ذلك يتوقع أن يرتفع إنتاج السكر خلال السنوات المقبلة، ويوفر استهلاك السكر وتاريخه نظرة ثاقبة في قضايا متداخلة ومتباينة مثل، الاقتصادات وحقوق الإنسان والرق وقضايا البيئة، بالإضافة إلى التكاليف والتأثيرات الخفية التي تقع على المجتمعات.
وقبل ألف عام تقريباً، انحصر استهلاك السكر في أغراض علاجية وكمادة حافظة ونوع من التوابل، بجانب التحلية الصفة الرئيسة المعروف بها السكر.
لكن كان السكر وحتى القرن السابع عشر، من السلع الثمينة وغالية الثمن، لكن وبمرور الوقت، تحول السكر لسلعة ضرورية ذات استهلاك يومي، وبسعر في متناول الجميع.
وارتفع إنتاج السكر واستهلاكه، حيث أصبح يستخدم بكميات ضخمة في الشاي وصناعة الحلويات والمشروبات والمخبوزات، وغيرها.
وارتفعت تبعاً لذلك، مساحة الأراضي لزراعته وتكريره، ما وفر للقطاع حماية كبيرة وتسبب في نمو قطاعات أخرى.
وينتمي السكر لفئة من الأطعمة تعرف باسم المواد الكربوهيدراتية، وأشهرها سكر الطعام المستخرج من البنجر وقصب السكر، الذي كانت تتم زراعته في المناطق الحارة في جنوب وجنوب شرق آسيا منذ القرون الوسطى، ليتوسع بعدها في القرن الثامن عشر في جزر الهند الغربية والأميركتين ليصبح ولأول مرة متاحاً للعامة.
وغيّر إنتاج السكر مجرى تاريخ البشرية في مناحٍ كثيرة، وأثر على تشكيل المستعمرات واستمرار العبودية وهجرة الشعوب والحروب بين الدول للسيطرة على نسبة السكر والتجارة في القرن التاسع عشر، بالإضافة لتأثيره على التركيبة العرقية والهيكل السياسي للعالم الجديد.
ومر تاريخ السكر بخمس مراحل، استخلاص عصير القصب وزراعة النبات في جنوب شرق آسيا في سنة 8000 قبل الميلاد، ثم تصنيع حبيبات السكر من هذا العصير في الهند قبل نحو ألفي سنة، لتنتشر زراعة وصناعة السكر في العالم الإسلامي في القرون الوسطى، مع إجراء بعض التحسينات على طرق الإنتاج.
ومن هنا اتجهت هذه الطرق، لأوروبا في القرن السادس عشر تبعها المزيد من التحسينات في القرون التي تلت ظهور سكر البنجر. وتختلف أنواع السكر باختلاف مصادرها، حيث سكر القصب والسكر البني الناتج عن تكرير قصب السكر والبنجر، وسكر الفاكهة الموجود بصفة طبيعية في الفواكه وسكر الشعير المستخلص من نبتة الشعير، وسكر الخروع، وهو عبارة عن كريستالات من السكر الأبيض، وسكر البلح المأخوذ من التمر. كما توجد أنوع من السكر الصناعي مثل، الفركتوز الأكثر حلاوة من بين جميع أنواع السكريات، والجلوكوز من الفواكه والعسل، وبعض النباتات الأخرى.
ويتم إنتاج السكر في الوقت الحالي، في أكثر من 130 دولة حول العالم، سواء من قصب السكر أو البنجر، بينما تقوم عشر دول منها بإنتاجه من العنصرين معاً.
ويشكل سكر القصب، نحو 80% من جملة الإنتاج العالمي، وتذهب النسبة المتبقية للبنجر. ويوفر محصول السكر منتجات بديلة للغذاء، مثل علف الحيوانات وللألياف والطاقة، خاصة الوقود الحيوي «الايثانول المصنوع من قصب السكر» وتوليد الكهرباء من مخلفات القصب.
ويعتبر القصب واحداً من بين أهم المصادر كفاءة للكتلة لإنتاج الوقود الحيوي.
وشهد العام الماضي أداء مميزاً لسلعة السكر استمر خلال هذا العام، حيث تشير العقود الآجلة لارتفاع الأسعار نتيجة لشح العرض الذي لم يرق لمستوى الطلب. وربما يعوّض السكر العجز خلال الجزء الأخير من العام الجاري أو حتى حلول السنة المقبلة.
ومن المتوقع زيادة الإنتاج العالمي للسنة التسويقية 2017/‏18، بنحو 13 مليون طن إلى 185 مليوناً.
وفي حالة تحقيق هذا الرقم، سيكون الإنتاج أعلى بنحو 20 مليون طن، بالمقارنة مع أدنى مستوى كان عليه خلال خمس سنوات، وذلك قبل سنتين فقط.
ومن بين العوامل التي ساهمت في ذلك، الإنتاج القياسي في البرازيل وتعافي الناتج في كل من الهند وتايلاند، نتيجة لتحسن ظروف الطقس ونهاية حصص «كوتا» الإنتاج في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى زيادة المساحة المزروعة في الصين.
وفي أميركا، تشير التوقعات، لتراجع الإنتاج إلى 8 ملايين طن، نظراً للشح المتوقع في إنتاج البنجر وقصب السكر.
ومن المرجح، ارتفاع واردات البلاد بنسبة تصل إلى 14,3% إلى 3,4 مليون طن، يجيء نصفها من المكسيك.
ومن المتوقع، زيادة الإنتاج في البرازيل، بنحو 1,1 مليون طن لتحقق رقماً قياسياً قدره 40,2 مليون طن، قياساً على ملائمة الطقس وتحسن إدارة المحصول وتقليص استخدام القصب لإنتاج الايثانول.
وربما ترتفع الصادرات بنحو 1,1 مليون طن لنحو 29,6 مليون طن، بصرف النظر عن التدابير التي اتخذتها الصين للحد من واردات السكر البرازيلي.
وارتفع الاستهلاك نسبياً في حين ظلت الأسهم على حالها. كما تعود الهند لدائرة التعافي بنسبة قدرها 25% إلى 27,7 مليون طن، نظراً لزيادة المساحة ومعدلات الإنتاج في كل من ماهاراشترا وأتر برديش وكارناتاكا في الشمال.
ومن المنتظر، تراجع واردات البلاد في الوقت الذي يرتفع فيه الاستهلاك للمستويات القياسية في 2015/‏16.
وفي غضون ذلك، تشير التوقعات، لحدوث قفزة في الإنتاج في الاتحاد الأوروبي بنحو 3,6 مليون طن، لرقم قياسي قدره 20,1 مليون طن، نسبة لزيادة المساحة المزروعة ومعدل الإنتاج. ومن المرجح، ارتفاع الصادرات لمستوى قياسي بنحو 60% إلى 2,5 مليون طن، في الوقت الذي تتقلص فيه الواردات بما يزيد على 25% وتزيد فيه عائدات الأسهم ويستقر الاستهلاك.
وسنة 2017/‏18، هي السنة الأولى التي تعمل فيها سوق السكر الأوروبية، من دون نظام الحصص وقيود الصادر التي استمرت لنصف قرن، والتي تم رفعها في الأول من أكتوبر هذا العام.
وفي تايلاند، من المتوقع ارتفاع حجم الإنتاج بنحو 1,2 مليون طن إلى 11,2 مليون طن، ليتعافى من جفاف امتد لفترة سنتين، ليرتفع بفعل ذلك، معدل الصادرات.
ورغم أنه من المتوقع إعادة الشركات المنتجة للمشروبات غير الكحولية، تنظيم منتجاتها، كاستجابة لضريبة الاستهلاك الجديدة على المشروبات المحلاة، إلا أنه من المرجح تراجع إجمالي الاستهلاك، بنسبة طفيفة.أما الإنتاج في الصين، فمن المتوقع أن يحقق ارتفاعاً بنحو 1,2 مليون طن إلى 10,5 مليون طن، بفضل توسيع المساحة المزروعة من قصب السكر والبنجر.
وأسهمت عوامل مثل، زيادة الإنتاج والاستهلاك، مصحوبة بالتدابير الوقائية على واردات السكر، في تشكيل عقبة في طريق الواردات.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع إنتاج السكر في باكستان بنحو 6% لتحقق رقماً قياسياً إلى 6,5 مليون طن، ما يؤكد توفر طقس ملائم، وزيادة المساحة وتحسن المحصول.
وفي ظل القانون الذي أطلقته الحكومة مؤخراً بتقديم بعض المساعدات، من المتوقع ارتفاع الصادرات إلى 500 ألف طن، بينما يقدر الاستهلاك بنحو 300 ألف.
ومعظم السكر المُنتج، إما أن يتم استهلاكه محلياً بموجب أسعار تحددها الحكومة، أو أن يُصدر لبلد آخر حسب الاتفاقيات المبرمة بين كل بلدين.
ويباع السكر الذي لا يخضع لمثل هذه الاتفاقيات ويُشترى، بحرية بين العديد من الدول والشركات والأفراد. ويعتبر ميزان العرض والطلب الذي يتميز بحساسية كبيرة، السبب الرئيس وراء المستوى العالي من تقلبات أسعار السكر على مر التاريخ. العرض يوجد نوعان من السكر المزروع حول العالم، القصب والبنجر، وتتولى «هاتون جروب» الأميركية وأفرعها، توريد سكر القصب.
وتتم زراعة القصب في المناطق التي تتميز بالمناخ شبه الاستوائي والاستوائي، حيث تتوفر الأمطار الغزيرة واشعة الشمس، ويشكل هذا النوع 70% من الإنتاج العالمي.
وعلى الجانب الآخر، تتم زراعة نبتة البنجر، في المناخات ذات درجة الحرارة المعتدلة، لتشكل النسبة المتبقية من الإنتاج العالمي. وفي المناخ المعتدل، تؤثر الأمراض والحشرات وجودة التربة، على إنتاج القصب والبنجر معاً.
والبرازيل والهند وتايلاند والصين وكوبا والمكسيك، من بين أكبر الدول المنتجة لسكر القصب في العالم، في حين تنتج دول الاتحاد الأوروبي والاتحاد السوفييتي وأوكرانيا، الجزء الأكبر من سكر البنجر.
وتشكل أميركا، 9% من الإنتاج العالمي للقصب ونحو 3% من البنجر.
وتستحوذ كل من البرازيل والاتحاد الأوروبي وتايلاند وأستراليا وكوبا وأكرانيا، على معظم صادرات السكر في العالم.
تستهلك الدول الصناعية الجزء الأكبر من السكر، حيث تعتبر أميركا والاتحاد الأوروبي والصين واليابان، أكبر الدول المستوردة للسلعة في العالم.
ونتج عن عدم توازن الاستهلاك العالمي والإنتاج في 1980، ارتفاع كبير في أسعار عقود السكر الآجلة من 15 سنتاً للرطل في بداية السنة، إلى 45 سنتاً في خريف ذات العام. وبحلول 1982، عادت الأسعار لمستويات 1977/‏79 عند متوسط ما يزيد على 8 سنتات. وتراوحت الأسعار منذ ذلك الوقت بين 2 إلى 16 سنتاً، نتيجة لوفرة الإنتاج وللتغيرات الجيوسياسية.

نشاط التكرير ودخل المستهلك
من بين الأسباب الأخرى التي أثرت على طلب السكر، نشاط التكرير ودخل المستهلك ومبيعات الحلويات والتغيير الذي طرأ على عادات الأكل واستخدام السكر في التقنيات الجديدة مثل، إنتاج الإيثانول.
وكانت الصين تحتل المركز الأول كأكبر دولة مستوردة للسكر في العالم خلال موسم 2011/12، تليها إندونيسيا والولايات المتحدة الأميركية.
ومن المتوقع أن يؤول المركز لإندونيسيا في موسمي 2016/17 و2017/18، نتيجة لزيادة وارداتها من البرازيل، وذلك ليس بسبب ارتفاع الطلب في إندونيسيا، بل نتيجة للسياسات الجديدة التي تنتهجها الصين. ومع أن قطاع السكر يوفر عدداً ضخماً من فرص العمل، لكنه يلقي بآثار لا تقل ضخامة على البيئة المحيطة، حيث تشمل استخداماته الشاي وصناعة الحلويات وبعض المواد الغذائية والمشروبات الغازية والعصائر.
كما تتطلب مراحل صناعته وتكريره وترحيله، أعداداً كبيرة من العاملين.
وتنعكس آثاره على البيئة في قطع الأشجار، لتوفير المساحات الزراعية واستخدام الوقود الأحفوري والأخشاب لمعالجته. لكن مع كل ذلك، تظل حلاوة السكر حقيقة قائمة لحد التشبيه بكل ما هو جميل وحلو.