الملحق الثقافي

الأسطورة تصنع البطل أم العكس؟

جدارية تصور البطل أوليمبوس في الأسطورة اليونانية المعروفة

جدارية تصور البطل أوليمبوس في الأسطورة اليونانية المعروفة

تُشكل الأساطير أو القصص الميثولوجية، والتي أفنى جوزيف كامبل عمره في البحث عنها وجمعها وتحليلها، مصدر إلهام لا غنى عنه لفهم الإنسان وتجربة حياته على وجه الأرض. وكما هو معروف فقد ازدهرت الأساطير منذ فجر التاريخ وقدمت الإبداع الإنساني في أقصى حالته، حيث مثّلت الرافد البشري الذي تتدفق عبره طاقات الكون التي تشكل ظاهرات الثقافة البشرية في أوسع مدى تخييلي ممكن.

إن الرؤى والفلسفات والفنون وحتى أحلام نومنا ويقظتنا إنما تختمر وتتصاعد من الفضاء السحري للأسطورة.
فحتى في حكايات الأطفال البسيطة أو الأساطير الساذجة الموجهة لهم نجد قدرة الأسطورة الفائقة على ملامسة النفس الإنسانية. السبب هو أن الأسطورة أو القصص الميثولوجية لا تُصنَّع تصنيعاً ولا تُخترع، بل هي إبداعات تلقائية تعكس حاجة داخلية في قلب وروح الإنسان.

بناء أسطوري
إن الأسئلة حول الأسطورة لا تنتهي: من أية أعماق تبرز هذه الأساطير؟ ما هو سرّ الرؤيا العميقة للأسطورة والمنفلتة من قيود الزمان والمكان؟ من أين تأتي ولماذا تتمكن من البقاء في الأزمنة المتعاقبة بحيث تصلح ليس فقط لعدة أزمنة بل لجغرافيات شديدة الاختلاف والتباين؟ لا نهدف هنا إلى الإجابة عن مثل هذه الأسئلة وإنما نشير فقط إلى سعة هذا الموضوع وتنوعه وتباينه. نحن هنا نتعرف على وجهة نظر واحد من أهم الدارسين للأسطورة من خلال إلقاء الضوء على نظريته فيما يسمى رحلة البطل الأسطورية.
يرى جوزيف كامبل أن تطور العلوم والنظريات قد أسهم في حل العديد من ألغاز أساطير العالم. لقد قدم علماء الآثار والإثنولوجيون والمستشرقون الأساس الراسخ للمنطق السيكولوجي للغة والأسطورة والدين. كما وجدنا أن علماء مثل فرويد ويونغ وتلامذتهما قد قدموا إنجازات هامة في هذا السياق. بيد أن الأمر الهام في تلك التحليلات هو أن أبطال الأساطير ومجريات أحداثها مازالت حيَّة ومستمرة في عصرنا الحاضر.
في معظم أساطير العالم نرى تماثلاً لرحلة وشخصية البطل الأسطوري. هذه الرحلة، التي تضم عدة مراحل، تتشابه في العديد من قصص الأطفال والقصص الشعبية والروايات وحتى الأفلام السينمائية. إننا نجد نموذج بناء القصة الأسطورية الكلاسيكي يدرس في ورش الكتابة الإبداعية في القصة القصيرة والرواية وسيناريو الفيلم السينمائي.
عادة لكل قصة بداية ومنتصف ونهاية، إلا أن هذا الترتيب ليس ضرورياً أي أن النهاية يمكن أن تأتي أولاً على سبيل المثال. في البداية يتم إعداد البطل أو البطلة وتحضير قصته، ثم يتضح هدفه وبعد ذلك يظهر أمامه الصراع أو الصعاب والمتاعب وعليه مواجهتها والتغلب عليها.
وبالرغم من هذا الشرح التبسيطي فإن هناك أشكالاً شتى من طرق السرد وابتكار الحبكات والتي يبدع أصحابها في تقديمها لنا للتشويق والمتعة وتوسيع مخيال القارئ. مع هذا لا يمكننا إلا أن نلاحظ بعض ملامح البنية الأسطورية أو أي قصة أو رواية أو فيلم نشاهده.
حسب كامبل هناك ثلاث مراحل رئيسة لرحلة البطل أو (المونوميث) Monomyth وهو مصطلح ابتكره كامبل خلال تحليله لرواية «يقظة فينيغان» لجيمس جويس. بداخل هذه المراحل مراحل فرعية إضافية.
هنا تعريف بهذه الرحلة ومراحلها:

الانفصال والمغادرة
المرحلة الأولى، الانفصال أو المغادرة: وهي حول انفصال البطل عن عالمه الآمن والاعتيادي. هذا الانفصال له رمزية انفصال الجنين عن الأم والذي يوحي بنوع من الألم والخوف. وفي هذه المرحلة توجد مراحل فرعية ومنها:
مرحلة النداء إلى المغامرة. في بداية مرحلة انفصال البطل عن عالمه يتلقى معلومة ما قد تكون مشكلة أو تحدٍ أو طلب، والهدف من هذا النداء تفعيل رغبة البطل في الدخول في دراما حياته الكبرى. نجد مثلاً ظهور تهديد مباشر لحياته أو لعائلته، أو لعله يتلقى اتصالاً هاتفياً يعلمه بأمر خطير. قد يتم نقله إلى مكان بعيد وعليه أن يتكيف مع تحديات جديدة. قد تظهر له الرغبة في أن يحصل على الفتاة التي يحبها، أو بدء الصراع مع خطر يواجه قبيلته أو شعبه أو ما شابه. هذا النداء يوضح لنا هدف وغاية البطل ويبدأ في خلق علاقة تعاطف بينه وبين المستمع أو القارئ. تلي ذلك مرحلة رفض أو قبول نداء المغامرة. فقد يتردد البطل في ترك عالمه الآمن والمغامرة، وتتزايد مخاوفه، أو لعله يوافق بعد ذلك التردد. في هذه المرحلة يتم اختبار شخصيته وقوتها أو نقاط ضعفها، حول ما إذا كان على مستوى التحدي.
ثم تظهر مرحلة «المساعد» حيث يأتي من يساعد البطل على هذا التحدي. قد يكون ذلك في أن يحصل على معلومة هامه أو خريطة، أو سلاح، أو شخص موجّه أو ملهم أو معلّم، أو مجموعة أشخاص. في هذه المرحلة قد يظهر بصيص أمل للبطل في ذلك التحدي أو المشكلة أو يحصل على نصيحة هامة، أو تدريب ما، يعمل على تبديد مخاوفه ويعطيه القوة والشجاعة لبدء سعيه نحو هدفه.
المرحلة الفرعية التالية يسميها كامبل «عبور العتبة» وفيها نرى أن البطل الآن على استعداد للعمل بناء على دعوته للمغامرة والبدء في سعيه، قب يكون هذا العبور جسدياً أو روحياً أو عاطفياً. قد يذهب البطل عن طيب خاطر أو قد يتم دفعه دفعاً، ولكن في كلتا الحالتين، فهو في نهاية المطاف يعبر عتبة بين العالم الذي كان على دراية به نحو العالم المجهول للمغامرة. إنها نقطة اللارجوع. قد يكون ذلك بالخروج من المنزل للمرة الأولى في حياته أو مجرد القيام بشيء كان دائماً خائفاً من القيام به. ومع ذلك فإن عبور العتبة يدل على التزام البطل برحلته نحو هدفه.
المرحلة التي تلي هي «الدخول في بطن الحوت» وتعني أن البطل يلج عالماً خطيراً ويبدأ في المواجهة الحقيقية. إن الرمز هنا يعيدنا إلى قصة النبي يونس الذي عاش في بطن الحوت، أو يونان كما جاء في الإنجيل، وهو يحيلنا إلى مواجهة الأخطار.

عالم خاص
المرحلة الثانية، الشروع في دخول العالم الخاص: في هذه المرحلة يلج البطل في العالم الآخر بعد أن تركه عالمه الاعتيادي. تظهر أمام البطل مجموعة من الاختبارات، والحلفاء، والأعداء. إنه يواجه أصعب التحديات ولكن قد تظهر أمامه مجموعة من الحلول أو طرق الخروج من هذه المصاعب. وسواء أكانت العقبات مادية أو أن هناك أشخاصاً عازمين على إحباط تقدمه، فإن على البطل التغلّب على كل تحدٍ في رحلته نحو هدفه النهائي. قد يكسب الحلفاء أو يصادف أشخاصاً لا يمكن الوثوق بهم، كل ذلك يساعده لمواجهة المزيد من المحن. هذه هي المرحلة التي يتم فيها اختبار مهاراته أو صلاحياته، وكل عقبة يواجهها تساعد القراء أو المستمعين للقصة أو الأسطورة على اكتساب نظرة أعمق في شخصية البطل وإمكانياته.
في الكثير من القصص الأسطورية يحدث في هذه المرحلة أن يلتقي البطل بامرأة يتحد عاطفياً وروحياً معها، أو قد تلتقي البطلة برجل يكون حب حياتها. لقاء المرأة أو الرجل بالآخر يكشف لنا الجوانب العاطفية في الشخصية أو الجانب الأنثوي في الرجل والجانب الذكوري في المرأة. إنه اتحاد روحي يزيد البطل أو البطلة قوة وصلابة. في الميثولوجيا الإغريقية نجد الأم ريا تنقذ الطفل زيوس من إبيه كرونوس. إن شخصية المرأة هنا ترمز إلى الخلق والولادة.
ثم يظهر «الطريق إلى الكهف الأقصى». والكهف الأقصى قد يمثل أشياء كثيرة في قصة البطل مثل الموقع الفعلي الذي يشكل خطراً فظيعاً أو صراعاً داخلياً لم يكن على البطل أن يواجهه حتى هذه المرحلة. إنها القفزة الأخيرة إلى المجهول الكبير. على عتبة الكهف الأقصى قد يواجه البطل مرة أخرى بعض الشكوك والمخاوف التي ظهرت في بداية الرحلة.
إنها مرحلة التحدي الأكبر. قد تكون اختباراً جسدياً خطيراً أو أزمة داخلية عميقة على البطل يجب أن يتصدى لها من أجل البقاء على قيد الحياة. سواء كان ذلك في مواجهة خوفه الأكبر أو العدو الأكثر فتكاً، يجب على البطل الاعتماد على جميع مهاراته وتجاربه من أجل التغلب على التحدي الأكثر صعوبة.
قد يكون التحدي من خلال شكل من أشكال «الموت» حيث يمكن للبطل أن يولد من جديد، إنه يعاني القيامة المجازية التي تمنحه بطريقة أو بأخرى قوة أكبر أو البصيرة اللازمة من أجل تحقيق حلمه أو الوصول إلى نهاية رحلته.
تظهر مرحلة المكافأة هنا. وقد نراها في أمور رمزية، كأن يستولي البطل على السيف بعد هزيمة العدو، أو أنه يتمكن من البقاء على قيد الحياة. يتحول البطل في نهاية المطاف إلى حالة جديدة، حالة تنشأ من الصراع أو المعركة فيصبح شخصاً أقوى، وغالباً مع الحصول على «جائزة» أو تحقيق حلمه أو ما كان يبحث عنه. قد تأتي المكافأة بأشكال عديدة: كمرافقة كائن ذي أهمية كبيرة أو قوة، أو التعرّف على سرّ ما، أو بصيرة أكبر، أو حتى المصالحة مع أحد أفراد أسرته أو حليفه. مهما كان الذي يحصل عليه فإن هذا قد يسهل عودته إلى عالمه العادي.

رحلة العودة
المرحلة الثالثة، طريق العودة: في هذه المرحلة من رحلة البطل نرى الدعوة إلى المغامرة التي كان بدأها البطل حين عبر العتبة الأولى. يجب عليه الآن أن يعود إلى دياره مع المكافأة أو الجائزة أو الحلم الذي حققه. لكن رحلة البطل لم تنته بعد، وقد لا يزال بحاجة إلى دفعة أخيرة مرة أخرى إلى العالم العادي. اللحظة التي يلتزم فيها البطل أخيراً بالمرحلة الأخيرة من رحلته قد تكون لحظة يجب أن يختار فيها بين هدفه الشخصي وهدفه السامي.
العودة هي المرحلة الأخيرة من رحلة البطل التي يعود فيها إلى عالمه العادي وهو رجل متغير أو امرأة جديدة. لقد نمى كشخص، وتعلم أشياء كثيرة، وواجه العديد من الأخطار الرهيبة بل قد يكون قد الموت نفسه. هي أو هو الآن يتطلعان إلى بداية حياة جديدة. قد تجلب عودة البطل أملاً جديداً لأولئك الذين تركهم وراءه، أو حلاً مباشراً لمشاكلهم أو ربما منظوراً جديداً للحياة.
تحولات البطل ورحلته الأسطورية التي قدمها جوزيف كامبل طوال مسيرة حياته الغنية شكلت إطاراً ومنظوراً جديداً في الدراسات الميثولوجية، وأنارت جوانب عديدة كانت تقبع في الظلام عن دور وأهمية الأسطورة ودورها في تشكيل ثقافات وهويات الشعوب.

خبير الأساطير
يُعد جوزيف كامبل (1904 - 1987) أحد أشهر فلاسفة الميثولوجيا والأساطير في الولايات المتحدة، وهو كاتب ومحاضر وشارح ومترجم لأهم أساطير العالم. ولد في نيويورك، وانكب في شبابه على دراسة طقوس ورموز تراثه الكاثوليكي الإيرلندي وثقافة الهنود الحمر والشعوب التي يطلق عليها بدائية. درس أدب القرون الوسطى في جامعة كولومبيا كما درس في فرنسا وألمانيا.
خلال وجوده في أوروبا، تعرف إلى أدب جيمس جويس وتوماس مان وكتابات فرويد وكارل يونغ، بالإضافة إلى الأعمال الفنية لبيكاسو وبول كلي وغيرهم الأمر الذي ترك أثراً كبيراً في تشكل ثقافته. وحين عاد إلى أميركا رفض عدة عروض لدراسة الدكتوراه والعمل، وفضل الارتحال لاكتشاف ما سماه (روح أميركا). بعد سنوات عدة، انضم إلى إحدى الجامعات مدرساً وباحثا.
بدأ في التعرف إلى ثقافات وأديان وأساطير الشرق وأصدر كتابه الهام «البطل ذو الألف وجه»، ثم توالت أبحاثه ومؤلفاته، ومنها «أقنعة الإله» و»أساطير شرقية» و»قوة الأسطورة» و»الصورة الميثولوجية»، كما قام بتحرير «مختصر ألف ليلة وليلة» وسلسلة «الإنسان والأساطير» ومختصر «دراسات كارل يونغ». حقق شهرة واسعة كمحاضر في عالم الأسطورة في الجامعات الأميركية وحاز على عدة جوائز وأوسمة. بعد وفاته عام 1987 تم إنشاء مؤسسة جوزيف كامبل والتي تهتم بطبع ونشر أعماله.