ألوان

عافية بن يزيد.. القاضي العادل الشجاع

أحمد مراد (القاهرة)

تميز القاضي الجليل عافية بن يزيد بن قيس بسعة العلم وغزارة المعارف، وقد لازم الإمام أبي حنيفة النعمان لفترة طويلة، ونهل من علمه كثيرا، وكان محل ثقة عنده.
تولى منصب القضاء في خلافة الخليفة العباسي المهدي، واشتهر بالعدل والشجاعة ، ويروى أنه ذهب إلى الخليفة المهدي، وأستأذن عليه فأدخله فإذا به يطلب أن يعفى من القضاء، ويستأذنه أن يولي الأمر إلى من يأمر بذلك، فسأله عن سبب استعفائه، فقال عافية: قد تقدم إلى خصمان موسران وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة مشكلة، وكل منهما يدعي أن معه البينة وأن لديه الشهود، وتم الإدلاء بحجج تحتاج إلى التأمل والإثبات، فقام برد الخصوم، راجيا أن يصطلحوا أو يتبين له وجه فصل بينهما، وأحدهما علم أني أحب الرطب السكر، فتعمد في وقتنا هذا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع لي رطبا سكرا لا يتهيأ في وقتنا جمعه إلا لأمير المؤمنين، وما رأى أحسن منه، وأن أحد الخصوم رشى بوابه بجملة دراهم على أن يدخل الطبق إليه، فلما دخل إليه أنكر ذلك وطرد البواب، وأمر برد الطبق، وعندما جاء يوم الفصل في النزاع بين الخصمين، فما تساويا في قلبي، ولافي عيني، ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟، ولا آمن أن تقع علي حيلة في ديني فأهلك وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله وأعفني.
كما يروى أنه حضر مجلسا لهارون الرشيد، وكان في المجلس جمع كبير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه ويوقفه على ما رفع إليه وطال المجلس، ثم إن أمير المؤمنين عطس فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه، فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد‏:‏ ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم، فقال له عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمتك، فقال له الرشيد‏:‏ ارجع إلى عملك فأنت لم تسامح في عطسة، وصرفه منصرفا جميلا.