ألوان

الحوار.. فضيلة إسلامية يمحو الاختلاف

أحمد مراد (القاهرة)

شدد علماء الدين على أهمية الالتزام بالآداب التي وضعها الإسلام الحنيف للحوار، باعتباره السبيل الأمثل للوصول إلى الحق في الأمور التي تمثل منعطفاً من منعطفات الأمم، والوسيلة السلمية لإنهاء النزاع والخلاف، وخلق مناخ صالح للتعاون والتآزر.
وأكد العلماء أن الحوار أداة لضبط الاختلاف وتفعيل قيم التآلف والاتفاق، وهو أساس التفاهم مع الغير، واكتساب العلم وتلقي المعرفة، وإظهار القواسم المشتركة بين المتحاورين.

معرفة الحقيقة
أوضح د. حسن خليل، الباحث الشرعي بالأزهر، أن الحوار معناه مناقشة بين طرفين، أو أطراف يقصد بها تصحيح كلام، وإظهار حجة، وإثبات حق، ودفع شبهة، ورد الفاسد من القول والرأي، فهو تعاون بين المتناظرين على معرفة الحقيقة والتوصل إليها، ليكشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق، وثمة غايات وأهداف فرعية، أو ممهدة للغاية من الحوار، منها لإيجاد حل وسط يرضي الأطراف، والتعرف على وجهات نظر الآخر، والتنقيب والبحث من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى والتصورات المتاحة من أجل الوصول إلى نتائج أفضل.
وقال د. خليل: عندما يدخل المتحاوران في الحوار فلا بد أن يلتزما الطرق العلمية، ومنها تقديم الأدلة المثبتة، بمعنى أن كل طرف يقدم أدلته المثبتة أو المرجحة للدعوى، أما أن يكون كلاماً في هواء، وكلاماً هباء، فهذا بعيد عن الحوار، فمن أصول الحوار أن تأتي بأمر واضح بيّن إما بجلاء عباراته، أو دليله، وفي التنزيل الحكيم جاء قوله سبحانه وتعالى: «قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين» (البقرة:111).
وأضاف د. خليل: ولا بد في المتناظرين أن يكون كلامهما وأدلتهما سالمة من التناقض، فالمتناقض ساقط بداهة، ومن أمثلة ذلك وصف فرعون لموسى عليه السلام بقوله: «وَفِي مُوسَى? إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى? فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ فَتَوَلَّى? بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ...» (الذاريات: 38)، وهو وصف قاله الكفار لكثير من الأنبياء بمن فيهم كفار الجاهلية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فوصفوه بالوصفين «ساحر ومجنون»، وهذان الوصفان السحر والجنون لا يجتمعان، لأن الشأن في الساحر العقل والفطنة والذكاء، أما المجنون فلا عقل معه البتة، وهذا تناقض بيّن.
كما شدد د. خليل على ضرورة الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاورون، والالتزام بها وبما يترتب عليها، فهذا الأصل لا بد أن يكون متفقاً عليه بينهما.

الوصول إلى الحق
أما د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، فقال: الحوار نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين‏، ‏ يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة‏، ‏بحيث لا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب‏، وقد ثبتت مشروعية الحوار مع الغير بنصوص كثيرة في الكتاب الكريم والسنة، ورد فيها محاورة بين الحق سبحانه وبين ملائكته، إذ قال الله تعالى لهم: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة: 30)، وكانت المحاورة بينه سبحانه وبين أنبيائه ورسله وخلقه، من ذلك محاورته موسى عليه السلام، ومحاورته عيسى، بقوله: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (المائدة: 116)، ومحاورة بين الأنبياء والرسل وبين من بعثوا أو أرسلوا إليهم، وهذا وارد كثيراً في القرآن الكريم.
وقال د. إدريس: ونظراً لما للحوار من أهمية في التوصل إلى حل المشاكل، فقد شرع في هذه الأمة وغيرها، بحسبانه السبيل الأمثل للوصول إلى الحق في الأمور التي تمثل منعطفاً من منعطفات الأمم، والوسيلة السلمية لإنهاء النزاع والخلاف، وخلق مناخ صالح للتعاون والتآزر، وهو السبيل الأقوم لضبط الاختلاف وتفعيل قيم التآلف والاتفاق، وهو أساس التفاهم مع الغير، واكتساب العلم وتلقي المعرفة، وأنه أداة التفاهم مع الآخرين، وإظهار القواسم المشتركة بين المتحاورين، وإيجاد وجوه النفع وتبادل المصالح.

الطريق السوي
وأكد د. منصور مندور، كبير الأئمة بوزارة الأوقاف المصرية، أن الحوار هو السبيل الأمثل لحل المشكلات، باعتباره الطريق الشرعي والمنهج الذي تتقبله العقول للوصول إلى ما يرضي الأطراف المتحاورة التي تبغي بحوارها الوصول إلى الطريق السوي.
ورصد د. مندور بعض الآداب التي يجب على الجميع أن يلتزم بها عند الحوار، وأهمها التزام القول الحسن وتجنب منهج التحدي والإفحام، والتزام الحسنى في القول والمجادلة، لقوله تعالى: «وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل: 125)، فعلى كل من يحاور غيره أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والتهزئة والسخرية وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز.