عربي ودولي

بروفيسور بريطاني: غموض أوضاع العمالة الوافدة في قطر يخلق «متاهة أخلاقية»

أوضاع العمال في قطر

أوضاع العمال في قطر

دينا محمود (الاتحاد)

في انتكاسة جديدة لحملات التضليل الإعلامي التي يشنها النظام القطري في الوقت الراهن، في مسعى لإيهام العالم بأنه نجح في وضع حد للانتهاكات المروعة التي يتعرض لها العمال المهاجرون، الذين يشاركون في تشييد المرافق التي يُفترض أنها ستستضيف بطولة كأس العالم لعام 2022، أكد البروفيسور البريطاني المرموق سايمون شادويك أن «التقدم الذي يُحرز على هذا الصعيد أبطأ مما كان متوقعاً»، واعتبر أن الغموض الذي يكتنف أوضاع العمالة الوافدة في قطر يمثل تحدياً من الوجهة الأخلاقية.
وفي اتهامٍ واضحٍ للسلطات القطرية بالكذب والخداع بشأن هذا الملف، أشار شادويك إلى أن «الطبيعة غير الدقيقة لبعض التقارير التي تتناول قطر.. تجعل الوضع الفعلي هناك غير واضح في كثيرٍ من الأحيان»، ما يوحي بفشل محاولات الدوحة لإخفاء سجلها المخزي في ذلك الصدد، لاسيما في ظل البيانات التي تفيد بوفاة ما لا يقل عن 1200 عامل أجنبي في هذا البلد خلال العامين الأولين من الإنشاءات الخاصة بكأس العالم.
وفي مقالٍ نشره موقع «إي جيه. إنسايت» الإلكتروني، قال البروفيسور البريطاني - الذي نشر الكثير من المقالات والدراسات الخاصة بشؤون الإدارة والرياضة والقضايا الجيوسياسية - إن الغموض المتعلق بوضع العمالة الأجنبية في قطر يخلق «متاهةً أخلاقية»، في إشارة إلى ما يعانيه العمال الوافدون الفقراء، ممن يُشيدون الملاعب والفنادق المخصصة للمونديال المشبوه، من أوضاعٍ مزرية يندى لها الجبين، من بينها دفعهم لرسوم توظيفهم، وإقامتهم في معسكرات عمل حقيرة، واضطرارهم لتسليم جوازات سفرهم إلى أرباب عملهم، ما يعني حرمانهم من مغادرة الأراضي القطرية.
وأضاف شادويك بالقول إن ملف العمالة الوافدة، والمعاملة التي تلقاها هذه الشريحة في قطر، من بين الملفات التي يتم النظر فيها عن كثب من جانب الإعلام العالمي بخصوص النظام القطري وسياساته وتوجهاته.
وشدد الكاتب في مقاله - الذي نشره «إي جيه. إنسايت»، ذاك الموقع الإلكتروني الذي يُبث من الصين وهونج كونج - على أنه من حق وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية المختلفة في العالم تسليط الضوء «على الحاجة لإجراء إصلاحات في سوق العمل» في قطر.
من جهة أخرى، لم يغفل المقال الإشارة إلى أن «الادعاءات والادعاءات المضادة (المتعلقة بكأس العالم 2022).. تكاثفت مؤخراً بفعل الخلاف الدبلوماسي بين قطر وبعض جيرانها»، وهو ما يعني به بطبيعة الحال المقاطعة التي تفرضها الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) منذ مطلع يونيو الماضي، على النظام القطري لحمله على التراجع عن سياساته الداعمة للإرهاب والتطرف، والمُزعزعة للاستقرار خليجياً وعربياً.
وأشار إلى أن القصص الإخبارية التي تتناول «عدم ملاءمة قطر لاستضافة هذا الحدث (الكروي) الضخم المقرر في عام 2022 تزايدت» في ظل تفاقم الأزمة القطرية المستمرة منذ أكثر من ستة أشهر، جراء تشبث النظام الحاكم في الدوحة بموقفه المتعنت والرافض للامتثال للمطالب المطروحة عليه من «الرباعي».
وفي ما يؤكد اتساع نطاق الوعي الدولي بحقيقة السياسات التي ينتهجها النظام القطري، سواء على صعيد تمويل التنظيمات الإرهابية، أو فيما يتعلق بتعريض العمال المهاجرين لديه إلى ما بات أشبه بـ «العبودية»، أوضح شاوديك أن «تغطيةً واسعة كُرست من جانب وسائل إعلام عالمية (لنشر) تحليلاتٍ سلبية بشأن قطر».
وأشار البروفيسور البريطاني إلى أن بعض هذه التحليلات تتناول «تمويلاً (قطرياً) مُفترضاً للإرهاب»، بينما يتمحور البعض الآخر على «مدى عدم ملاءمة هذا البلد (قطر) لكي يصبح مُضيفاً لكأس العالم».
وحرص شادويك في هذا السياق على الإشارة في مقاله إلى أن قطر تخضع لـ «تدقيق مفرط»، منذ حصولها على حق تنظيم البطولة الكروية الأكبر على مستوى العالم أواخر عام 2010، بعد جولات تصويت متعددة أجراها أعضاء اللجنة التنفيذية بالاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
المعروف أن من بين البلدان التي شاركت في التنافس على استضافة هذه البطولة، دولاً مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، والتي سبق لها جميعاً استضافة المونديال الكروي بنجاح، ما أكد الفساد الذي شاب إسناد المونديال للنظام القطري، وهو ما تثبته إفادات شهود الإثبات الذين تستمع لهم محكمة فيدرالية أميركية تعقد جلساتها منذ عدة أسابيع في مدينة نيويورك، ويمثل أمامها ثلاثة من المسؤولين الكرويين البارزين في أميركا اللاتينية.
وكشفت إفادات هؤلاء الشهود عن أن قطر رصدت ما يصل إلى 15 مليون دولار، لضمان تأييد ممثلي أميركا اللاتينية في اللجنة التنفيذية لـ«الفيفا»، وأنها قدمت كذلك رشوة تُقدر بمليون دولار على الأقل، لنائبٍ سابق لرئيس الاتحاد الدولي للكرة، وذلك بهدف ضمان حصول الدوحة على عدد الأصوات اللازم لتنظيم كأس العالم، وهو ما اعْتُبِر بمثابة شراء للبطولة بأساليب لا أخلاقية.
ومن بين أمثلة التدقيق الذي يخضع له الملف القطري في هذا الصدد حالياً على ما يبدو، ما أشار له سايمون شادويك من بحث لهذا الملف خلال منتدى عُقد أواخر الشهر الماضي في مدينة إيندهوفن الهولندية، بحضور 450 من الصحفيين والعلماء والمسؤولين في مجال الرياضة، وبتنظيمٍ من موقع «بلاي ذا جيم» الإلكتروني الذي يتخذ من الدنمارك مقراً له، ويسعى إلى تعزيز القيم والأخلاق ومبادئ الديمقراطية والشفافية وحرية التعبير على الساحة الرياضية في العالم.
ولفت الكاتب الانتباه إلى أن حسن الذوادي الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث، وهي اللجنة القطرية المنظمة لمونديال 2022، كان أحد المتحدثين أمام هذا المنتدى، الذي شدد شادويك على «الأجندة الأخلاقية الصلبة التي يتبناها.. الموقع المُنظم له»، وهو ما يبدو اتهاماً ضمنياً لقطر بتجاهل المعايير والاعتبارات الأخلاقية في تعاملها مع المونديال، سواء قبل حصولها على حق استضافته، أو خلال استعداداتها لتنظيمه.
وأقر شادويك في مقاله بأنه لا يوجد أي «مؤشر على تراجع (حدة) الأزمة الخليجية» الناجمة عن سياسات النظام القطري. كما توقع في المقال استمرار الجدل المحيط بمونديال 2022 خلال عام 2018، مُشيراً إلى أنه «يبدو حتمياً.. أن تتزايد حدة حرب المعلومات المتصلة بكرة القدم (على مستوى العالم) حتى نهاية العام المقبل».
وكان سايمون شادويك شارك في إعداد دراسة مُطولة نشرتها صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» الصينية المرموقة قبل أيام قليلة، وفضحت فيها الأساليب التي يسعى من خلالها حكام الدوحة إلى استغلال الرياضة والأندية الكروية البارزة على الساحة الدولية لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية.
وأكدت الدراسة التي حملت عنوان «القوة الناعمة المُستمدة من عقود الرعاية: كيف استغلت قطر الرياضة لترويج صورة إيجابية عن نفسها أمام العالم الخارجي»، أن النظام القطري يستغل «عقود الرعاية للمنافسات والأندية الرياضية الكبرى.. لتغيير المفاهيم السائدة بشأنه»، وذلك في إشارة واضحة إلى ما يلطخ صورته في العالم من أدرانٍ بسبب دعمه للإرهاب وتمويله لمنظماته، ورعايته لدعاة التطرف والكراهية.
كما شدد شادويك وبول ويدب، الذي شاركه إعداد هذه الدراسة، على أن هذه الاستراتيجية مُتبعة منذ نحو 10 سنوات، ولا تزال قائمة بطبيعة الحال، دون أن يغفلا أنها «تأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان»، وذلك في إيماءة لا تخفى إلى الفضائح التي تطارد قطر في الوقت الراهن على مستوياتٍ عدة.