الإمارات

«المنتدى» يكشف الدور الكبير للفكر المتطرف في صناعة «الخوف من الإسلام»

عبد الله بن بيه وجانب من المشاركين يتابعون الجلسات

عبد الله بن بيه وجانب من المشاركين يتابعون الجلسات

أبوظبي (الاتحاد)

شهد اليوم الختامي لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة أمس عقد 9 ورش عمل بحثية شاملة تتناول كل ما يتعلق بمعززات السلم وبيان وتبيين كل الأخطاء والخطايا التي تسبب فيها أصحاب الفكر المتطرف وخلقوا فكرة الخوف من الإسلام حتى بين أبناء الإسلام أنفسهم.

ظاهرة متجددة
وقال الدكتور نصر عارف، رئيس قسم الحضارة الإسلامية بجامعة زايد، خلال جلسة تحت عنوان «الإسلاموفوبيا اليوم»:إن الخوف من الإسلام ظاهرة قديمة متجددة، ظهرت مع الحروب الصليبية، عندما تعرف الغرب على الحضارة الإسلامية، وأيقنوا أنها حضارة عريقة يتوجب الخوف منها، خاصة وأنه لم يكن لديهم أي تاريخ في ذلك الوقت»، معتبراً أن ظاهرة «الإسلاموفوبيا» ليست ظاهرة موجهة ضد الإسلام بقدر ما هي موجهة لحماية الذات الأوروبية.
وتطرق عارف – خلال الجلسة التي أدارها الدكتور عبدالسلام العبادي، أمين عام مجمع الفقه الإسلامي الدولي - إلى ثلاثة نماذج للخوف من الإسلام، أكد أنها تختلف في مضمونها وتوجهاتها ضد الإسلام والمسلمين، أولها النموذج الأوروبي، الذي تختلف فيه ظاهرة الخوف من الإسلام عن النموذج الأميركي جملة وتفصيلاً، لافتاً إلى أن هجرة الشباب المسلمين إلى الغرب تعد من أهم أسباب خوف الدول الأوربية من الإسلام، لاسيما وأنهم ينظرون إليها على أنها مصدر تهديد للوجود الأوروبي خلال السنوات القادمة.
وقال:«هناك تقارير تم نشرها عن اختفاء الشباب في أوروبا بحلول عام 2050 بسبب العزوف عن الزواج والإنجاب، وحذرت هذه التقارير من تحول أوروبا إلى دولة مسنين، وهو ما خلق التخوف من أن يحل المهاجرون المسلمون مكان الأوروبيين الأصليين، وأن تتحول أوروبا إلى دول إسلامية تندثر معها المسيحية».
فيما رأى أن السبب الثاني يتمثل في عدم الاندماج الثقافي للمهاجرين، الذين فضّلوا التمسك بثقافاتهم وظلوا منفصلين عن الثقافة الأوروبية، منوهاً بأن الخوف من الإرهاب الذي يضرب أوروبا من حين لآخر، يعد سبباً رئيساً في انتشار الخوف من الإسلام بشكل عام ما بين الأوروبيين، الذين باتوا يخشون كذلك أفكار الكُتّاب والمثقفين المسلمين، باعتبارها وسيلة لنشر الفكر الإسلامي.
وأشار عارف إلى أن أسباب انتشار «الإسلاموفوبيا» في الولايات المتحدة الأميركية مختلفة إلى حد ما عنها في أوروبا، مرجعاً تنامي هذه الظاهرة في أميركا إلى انتشار اليمين المسيحي الذي قام بتغذية الظاهرة ونشرها على نطاق واسع.
وأضاف :« الحروب التي خاضتها أميركا والخطاب المتعلق بها ساهما في تشويه صورة الإسلام، إذ حاولت الحكومات الأميركية تصوير تلك الحروب من خلال وسائل الإعلام وغيرها وكأنها حروب دينية، وهو ما خلق ظاهرة الخوف من الإسلام».
كما حمّل عارف المنظمات الإسلامية العاملة في الولايات المتحدة، جزءاً من أسباب انتشار ظاهرة ومصطلح الإسلاموفوبيا، نظرا لكونها منظمات ممولة سياسياً وأيديولوجياً، مما جعلها تعمل وفق أجندات خاصة بها، وتمثل حزبها وجماعتها فقط، وهو ما روّج لانتشار فكر الجهاد وغيره من الأفكار التي أسست لمفهوم التشدد، لافتاً إلى أن تلك المنظمات تستخدم الإسلام في الدفاع عن قضاياها وليس في الدفاع عن الإسلام.
وتحدث عن ظهور فكرة ما يسمى ب«الجهاد الحضاري»، مشيراً إلى انتشار تقارير أميركية تتحدث عن خطورة الشريعة الإسلامية على أميركا، نظراً لرغبة المسلمين في إحياء الحضارة الإسلامية والقضاء على الهيمنة الأميركية.
واختتم عارف حديثه بالتطرق إلى النموذج الاسترالي فيما يتعلق بالخوف من الإسلام، مؤكدا أن 70% من الاستراليين يتعايشون مع هذا الخوف الذي تظهر خطورته فقط -بالنسبة لهم- مع ظهور بعض الأعمال الإرهابية التي تطولهم بين الحين والآخر.
وقال:«إن مواجهة هذه الظاهرة لا تأتي بالمؤتمرات ولكن من خلال ثلاثة طرق، أولها الثقافة الشعبية والكتب المنتشرة في كل مكان بأميركا، والتي تشكّل الوعي الغربي عن الإسلام، والثاني يتمثل في استخدام الفن، مثل السينما وتقديم أفلام تحسن الصورة الذهنية عن الإسلام،إضافة إلى تقوية ثقافة المهاجرين ودعم المؤسسات الإسلامية في الخارج لتقدم صورة حقيقية عن الإسلام».

نشر الكراهية
من جانبها قالت الدكتورة خولة حسن، مستشار في المجلس الإسلامي بالمملكة المتحدة:»إن كراهية المسلمين من قبل دول الغرب وظاهرة الإسلاموفوبيا، نشأت نتيجة السلوك المنحرف للجماعات المتطرفة التي تقوم بالأعمال الإرهابية والقتل العشوائي في مختلف دول العالم، وهو ما تسبب في نقل صورة ذهنية سلبية عن الإسلام والمسلمين، عرّضت الجاليات المسلمة في الغرب للعديد من المشكلات والتحديات، تمثلت في نشر الكراهية ضدهم من قبل المجتمعات التي يعيشون فيها، بالإضافة إلى التمييز ضدهم في القضايا المتعلقة برفض الحجاب والنقاب ومنع المسلمين من دخول بعض الأماكن».
ورأت أن هناك كراهية لدى الغرب لكل ما يتعلق بالدِّين الإسلامي، وأصبح المسلمون يتعرضون للكثير من الممارسات العدائية والعنيفة، لافتة إلى أن الطريقة الوحيدة للقضاء على ظاهرة الإسلاموفوبيا تكمن في البدء بالنفس وترتيب بيت المسلمين من الداخل، لا سيما فيما يتعلق بالاهتمام بالتعليم والقضاء على الجهل والأمية.
وشددت على ضرورة مواجهة المجتمعات المسلمة للفكر المتطرف في محاولة لتغيير الصورة الذهنية السلبية عن المسلمين، وذلك بمواجهة الأفكار التكفيرية التي تحاول داعش والجماعات المتطرفة الأخرى الترويج لها، مثل عودة الخلافة والبيعة وغيرها من الأفكار التي تسببت في قتل الأبرياء، ودفع بعض الشباب المسلمين من الدول الغربية إلى السفر للعراق وسوريا بحجة الجهاد نتيجة فتح المجال لتلك الجماعات للترويج لأفكارها المتطرفة بشكل كبير.

وسائل الاتصال
وشهد اليوم الختامي ورشة نقاشية أخرى حملت عنوان «الإسلاموفوبيا ووسائل الاتصال»، تناولت أسباب انتشار هذا المصطلح بصورة كبيرة، واستخدامه في كافة المنصات، إذ أرجعت الدكتورة ربيعة شوذري، مستشار قانوني ومقدمة برامج في «نيويورك تايمز»، انتشار مصطلح الإسلاموفوبيا إلى الاستخدام والتوظيف الخاطئ لهذا المصطلح من قبل وسائل الإعلام في الدول الإسلامية ذاتها، مما أدى إلى الخلط بين الإسلام والإرهاب، لافتة إلى ضرورة نشر ثقافة التسامح بين الأطفال والشباب المسلمين وتدريبهم على أن الإرهاب غير مسموح به في الإسلام.
ورأى إدريس الكنبوري، خبير بمركز أبحاث في مجلس الجالية المغربية بالخارج، أن العالم يعيش حالياً مرحلة المواجهة بين المسلمين والغرب، وهي مواجهة باتت تهدد الإنسانية بالخراب، داعياً إلى ضرورة مواجهة هذا التحدي الذي اعتبره لا يقل خطورة عن ثقب الأوزون في تهديده للبشرية.
وقال:«هناك مشاكل مشتركة ما بين الغرب والدول الإسلامية، ولذلك يجب أن تكون الحلول أيضا مشتركة، فالغرب مسؤول عن نسبة كبيرة عن الإرهاب في العالم الإسلامي الذي يذهب ضحيته آلاف المسلمين، بسبب السياسات الغربية، والتي كان آخرها قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وهو كان قراراً غريباً وغير متعقل، فكيف يجلس ترامب مع المسلمين مع قادة العالم الإسلامي ويعدهم بمحاربة التطرف، ثم يتحدث عن أن القدس إسرائيلية، هذا الأمر يعني أن الغرب يضحك علينا، وأنه جزء من المشاكل، وعليه أن يلتزم بإيجاد الحلول».
وأضاف:»إن الاسلاموفوبيا اليوم هي الوجه الآخر لعملة التطرف والإرهاب التي يمثل وجهها الأول جماعات الغرب المتطرفة، ومنها اليهودفوبيا، وهذه الفوبيا بشكل عام هي صنيعة غريبة تم خلقها لمجابهة العولمة التي خلقها الغرب أيضاً».
وقال الدكتور المدثر أحمد شريك مُسيّر، في مؤسسة «يونيتاس» للتواصل ببريطانيا:«المسلمون هم الضحية الأولى للإرهاب داخل العالم الإسلامي، وكذلك مسلمو الغرب هم أيضاً ضحايا لهذا الإرهاب من جانب، ولآثاره من العنف والكراهية من قبل جماعات التطرف الغربية من جانب آخر».
وأكد أن الإعلام الغربي يكون متحيزاً بشكل مطلق مع بعض الأقليات أو الأغلبيات، لافتاً إلى ضرورة الاستعانة بالأيدولوجيات التي تساعد على إعداد القصص والدروس المستوحاة من التعايش والتعامل ما بين المسلمين.

خطة للتعاون بين الأمم المتحدة والمنتدى لتطوير التعليم الديني
كشف آدما ديينغ نائب أمين عام الأمم المتحدة، المكلف بمنع الإبادة الجماعية، عن خطة للتعاون بين منظمة الأمم المتحدة و«منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، يجري بمقتضاها تنظيم عشر ورش للبحث العلمي في مجال تطوير التعليم الديني في العالم الإسلامي. وقال ديينغ إن الاتفاق هو ثمرة لقاءات سابقة جرت مع معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وتم بحث إمكانية التعاون بين الجانبين في مجال تطوير التعليم الديني، من خلال برامج علمية مكثفة، وأنه جرى الاتفاق على تنظيم عشر ورش علمية لهذه الغاية، سيعلن عن تفاصيلها لاحقاً.
وأضاف إن المنظمة الدولية تقدر عالياً جهود منتدى تعزيز السلم في مجال نشر ثقافة التسامح والتعايش بين الشعوب، كونها أنشطة علمية ومعرفية تنسجم مع المعايير الإنسانية المعاصرة بكل المقاييس الأخلاقية والدينية. وأن أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتابع عن كثب جهود معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، في إطار نشر ثقافة التسامح والدعوة للسلام والتعايش الإنساني السعيد، ويرى به نموذجاً لنشر ثقافة السلم والتسامح على مستوى العالم. ويشارك آدما ديينغ في فعاليات الملتقى السنوي الرابع لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» التي انطلقت أمس في أبوظبي، برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، وحضور سمو الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح، ومشاركة نحو خمسمائة شخصية من العلماء والمفكرين والعقلاء والحكماء على مستوى العالم.

وكيل الأزهر: مساعدة مستضعفي بورما جهاد في سبيل الله
قال فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، في مداخلة بالورشة الثانية بالملتقي الرابع لمنتدي تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وكانت ورشة العمل بعنوان «الجهاد في خدمة الإسلام»: «إن الجماعات المتطرفة شوهت مفهوم الجهاد، ودلسوه وجعلوه أمراً مخيفاً للآخرين، فيجب أن نرده لمفهومه الصحيح، وهو البناء التنمية والعمران، أما ميدان القتال فيه فهو ضيق، وهو لدفع العدوان فقط».
وأكد وكيل الأزهر أن هناك ميداناً للجهاد يحتاج إلى تكاتف أبناء الأمة بل تكاتف الإنسانية جمعاء من أجل حماية المستضعفين في بورما، قائلاً: «لقد عدت منذ أيام من بنجلادش في زيارة لإخواننا من مينامار في مخيمات الإغاثة، اطلعت على أحوالهم ضمن وفد أرسله فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، ومهما وصفت بكلمات لا أستطيع تصوير معاناتهم، فقد زاد عددهم عن المليون، باختصار ينتظرون إما الموت جوعاً أو الموت بالأمراض الفتاكة وما هي عنهم ببعيد»، مقدماً الشكر لشيخ الأزهر ومجلس حكماء المسلمين والهلال الأحمر الإماراتي الذين خففوا عن هؤلاء وطأة اليأس ومعاناة الظلم والاضطهاد.
وقال وكيل الأزهر: «لقد حملوني رسالة طلبوا مني أن أوصلها إليكم، وإلى كل حكماء العالم، من أجل مساعدتهم، ومن يستطيع مساعدتهم فهو من الجهاد، مؤكداً أنني أتحدث عنهم بصفتهم بشراً من حقهم العيش والعودة لبلادهم آمنين»، موجهاً رسالة إلى المجتمع الدولي الذي قرر أحد صناع القرار فيه إلغاء حق أصحاب الأرض ومنحه لغيرهم، أن ينظروا إلى هؤلاء، ويساعدوهم للعودة لديارهم والعيش الكريم.