الملحق الثقافي

اجعلني أتخيّل أني وقعتُ في الحُب

سيطرت عليّ الكثير من الأفكار وأنا أعدّ هذه الحلقة، لم تكن أفكارًا في الحقيقة بقدر ما كانت هواجس وهذيانات لها علاقة باللغة، ربما من أثر النصوص ذاتها، أثر الكلمات حين تظهر وحشيتها وعنفها وجنونها ورقّتها وغنجها لتستنّ سحرها الخاص بنفسها، السحر الناتج عن تجاورها جنبًا إلى جنب، لتصنع - جملة وراء جملة - ما نسمّيه المعنى، حتى تكتمل في صورة نصّ لا يشبه سواه.
الأبجديات عديدة، تزيد حروفها في لغة وتنقص في أخرى، لكنها تبقى المفتاح الوحيد الذي يُمكِّننا من التعبير عن أنفسنا، أيًا كان لوننا أو عرقنا أو سلالتنا، ديننا أو مذهبنا أو طائفتنا، كلّنا نعبّر عن أنفسنا بالوسيلة ذاتها؛ اللغة.. الرئة الأولى التي أخرجت ما بداخلنا من تناقضات وجنون في أصوات مسموعة، مؤكّد أن ما أقوله الآن له علاقة مباشرة بنص البحريني مهدي سلمان، دائمًا ما أصف مهدي بأنه «لا يكف عن التجريب داخل نصه»، يُنكِّل سلمان بفمه / لغته / لسانه في نصه الملحمي ذي الوقع السريع واللاهث، بحثًا عن إجابات لأسئلة لا إجابات لها: «منذ أي أزل / بنتْ عناكب القواميس / بيوتها الهزيلة تحت لسان الشِّعر»؟
ومن سؤال سلمان إلى حكاية لؤي حمزة عباس: رجلان يتحدثان عن قناص عاد إلى منزله، تتكوّن القصة من خلال الحوار وحده، نرى المشاهد جملة وراء جملة كما لو كنّا ننظر من عين بندقية يرفعها قناص مصوبًا على قلب ضحية لا تعرف عن أجلها شيئًا، هذا الرعب المشهدي يقابله انكسار عين القناص وهو ينظر إلى أصابعه: «أنزل نظراته عنّي، إنه ينظر ليديه الآن، يتفحّص أصابعه المشبوكة ويقول: ما يُقلقني حقًا هو بأية عين يعيش»؟
سؤال آخر لا إجابة له، والغريب في الأمر أنني حين رتبت النصوص، وجدت الشاعر السوري المقيم بألمانيا عارف حمزة يبدأ قصيدته هكذا: «تمّ قتلي عشرات المرّات / في حرب مملّة كهذه الحرب / عشرات المرّات بسبب الملل / وسبع مرّات على يد الأمل / أمّا أجمل مرّتين / فكانتا / على يد قنّاص عنيد»..
أفكّر أحيانًا في المعنى الذي يحمله كلّ منّا لكلمة «لعنة» أو «حياة» مثلًا، مؤكّد أنّ لكل منّا انطباعه الخاص عن المعاني التي تحيلها الكلمات بداخله، بالضبط كما أن لكل منا انطباعه الخاص عن كلمات أخرى: حرية، ولادة، بنت، حرب، لسان.. إلخ، لكني وجدتني فجأة أرجع إلى سطور من قصيدة المصرية هدى عمران تقول فيها: «اجعلني رقيقة / كما أبدو لنفسي حينما أتخيّل أني وقعتُ في الحُب / اجعلني أتخيّل أني وقعتُ في الحُب / اجعلني أتخيّل أني سأتألم بعنف إذا ذهبت بعيدًا / ثم اذهب بعيدًا». سحر الأبجديات واللغات والآداب والفنون كلها كامن في كلمة «اجعلني أتخيّل» الجميلة هذه يا هدى!

غربان تنمو تحت لساني
مهدي سلمان (البحرين)

في فمي غابةٌ، تمرّ إلى الأحلام، ليلٌ زمانها، لا نهارٌ يجيء من بعده، تترامى بلا انتهاءٍ، فمي فمي يا مصيري، خرساء لا صوت فيها، غابةٌ للسكونِ، لا وحش يصطاد فيها ولا غزالٌ يرى في الماء قرنين ثم يحسب أن الوجود من خلفه.
ظلامٌ عظيمٌ كالصمت من بعد كلمة العدم، الطير لا يحط على الأغصان، والماء لا يخرّ ولا تزحف الأفعى على خوفها، فمي فمي يا نذير الفزع الآتي، يمرّ السحابُ مثل عجوزٍ هرم في شجيراتها، الرطوبة مثل الدعاء تهبط في خيسها، ولا تبتني العناكب فيها لها بيوتًا ولا تنق الضفادع، ذاك أزيز الورق العالق في فرعين، لا شيء، يا غابتي فمي يا مصيري ومنتهاي ورغبة العالم، والحلم لا يجيء، ولا تنتهي إليه مسافاتُ الكلام، فمي يا فمي، كيف أعبر الغابةَ؟ والغابةُ تاريخ ما نقول، وتمتد في الكلام فيا أين أين عنها الوصول؟
* * *

لفمي مثل كلِّ المقابرِ سورٌ وأغنيةٌ، وانتظار
لفمي صمته، لفمي خرَسٌ لا يكادُ يغادرهُ، وانكسار.
* * *

لفمي، قبلةٌ نُسيت فوقه
مثل لغمٍ قديم
لفمي، حزنهُ
وانتظارُ انفجارٍ يفاجئه بالجحيم.
* * *

لفمي الليلُ يملؤه بالصدى والنشيج
لفمي ظلمةُ الخوفِ والمعدنُ المتآكلُ
يعكسُ في لمعةِ العينِ هذا الضجيج.
* * *

لفمي كلمةٌ بهتت فوقَ حبلِ الغسيل
لمْ تُقلْ أبدًا،
فتفتّت حرفان منها
وذابت بقيّتها، في السكوتِ الطويل.
* * *

لفمي الرعشةُ المستحيلةُ، والتأتأة
لفمي إصبعٌ ناحلٌ
وبكاءُ امرأة.
* * *

لفمي، صرخةٌ، حرقةُ، وعويلٌ... وآه
ولهُ مثلُ نافذةٍ
عزلةٌ، واشتباهُ حياة.
* * *

لفمي، كعجوزٍ تخيط نهايات قصتها في هدوءٍ مهيض
إبرةٌ الندَمِ المطمئنِّ، وخيطُ الخيالِ المريض.
* * *

ثمةَ غربان تنمو تحت لساني، إنني أفقد السيطرة عليه، عشٌّ كبيرٌ يُبنى في فمي، ولا أقدر على توجيه تهمة لأحد. لم أرَ أحدًا ينظر إليه بِكُره، لم أشاهد من دسّ شيئًا فيه، لم أسمع خشخشة. كل ما أعرفه أن هذه الغربان تتكاثر هنا، وأنا.. أووه.. لا يمكنني، لا يمكنني أن أسكت أبدًا.
* * *

لئلا تسقط قطعة الملح من فمي، لكي أواصل السير بعينين مغمضتين، أشياء كثيرة وليست واضحة، متداخلة بشكل غريب، ضحكٌ يعرجُ في ردهةٍ ضبابية، وجهُ امرأةٍ يمشي وحيدًا دون جسد، علب كولا مكدسة على رفّ وترتجفُ من البرد، لكي أظلّ واقفًا، أدعية تتصارع بشراسة في حارة ضيقة، يفجّ أحدها رأس الآخر بحجرِ الإجابة، فقدٌ أملس يأتي متأبطًا ذراعَ النسيان، وهكذا حياةٌ كاملةٌ وممتلئة باللاشيء، طَرقٌ متباعدٌ على أصابع بيانو يرتعد وحيدًا في دمٍ قاسٍ، كاملةٌ كصورة فوتوغرافية لا مشهدَ بعدها، كم يمكنك التحديق فيها؟ الانبهار بها؟ ملاحظة تفاصيلها الدقيقة؟ كم يلزمك من الوقت لكي تضجر؟
يقلقني فقط أني لم أعد أهتم بشيء سوى الكتابة، هذياناتي لا تتوقّف، أشعر أن فمًا ينمو هنا، خلف رأسي الفارغ.
* * *

أود لو أتذكر
لِكَم من الوقت، بقيت الكلمة في فم الشيطان.
لكم من الوقت، تمضمض بها؟
لو تومض في رأسي اللحظة
لو تحك لي جبهتي
لكم من الوقت، ظلّ الصدى
يتردد في المسافة القصيرة
بين عيني الخير والشر؟

منذ أي أزل
بنتْ عناكب القواميس
بيوتها الهزيلة تحت لسان الشِّعر؟

أودّ، كأنّني الأبد كله
كأنّني الزمن في ثنية أثوابه
لو ترفّ بين عينيّ أجنحة التاريخ
فأنتفض، وأتململ، وأفتح فمي، وأشهق، وأتذكر
لِكَم؟ لكم حفيت قدما الشيطان؟
وهو يسحب جثة الكلمة، في ليلها الحالك
باحثًا عن قبرٍ يليق
أو قصيدةٍ تستر

أتذكّر،
أيتها الكلمة منذ البدء
ظَهرَ الشيطان
مغادرًا
وأنتِ مثل طفل لقيط
في قماط التأتأة
بين شفتي الإنسان الأول.
* * *

في عيني ترابٌ وطين
في يدي نفخة الله بصدر آدم،
على فمي طريقٌ مرصوفٌ بشموسٍ مبتورة

آهٍ يا لثغتي في المرآة
يا قفصي، يا جلدي اللزج
يسحبك للأقصى أقزامُ الكلام
تمطك السخرية نحو البعيد
تمتم كالمحموم، واهذِ بالصرخة
نعشي أيها المتفتت من تحتي
ماذا لو سقطتُ منك؟
ماذا لو دُفنتُ في عينيّ المفتوحتين؟
في فمي الذي تئز حوله ذبابات العدم
كان الضوء يقيء ماءً أصفر
يدكن شيئًا فشيئًا، فلا أعود أرى،
كان وجهي تنفر منه عروقٌ بكماء
ولم يكن بإمكاني، إلا الصراخ
آه يا لساني، يا كلبًا يجرّني كعربة في الثلج
يا النظرة الأخيرة على القبر الوحيد
ستخرج من فمي حينها،
ولن يكون لك مكانٌ تلجأ إليه، غير الصمت
غير السكوت الرحب والوحدة الضيقة.
* * *

ماذا يفعل الشاعر أكثر من ذلك؟
إنه يكمم فم القصيدة، ويترك لعينيها المتسعتين، والمختنقتين، حرية الصرخة.

عودة القنّاصين إلى منازلهم
لؤي حمزة عبّاس (العراق)

قلت:
- كلُّ شيء ممكن..
على عادة الكثيرين ممن يتركون الكلام معلّقًا، غير محسوم، فواصلَ النظرَ إليّ منتظرًا أن أضيف شيئًا يمنح حديثي معنى، وبعد أن قدّر أنني لن أقول عاود الحديث من النقطة التي توقف عندها:
- إنه ينتقل من مدينة إلى أخرى، يدور سنواتٍ طويلة، ويرى العالم في كلِّ وقت من ناظور بندقيته.
قال، كأنني لم أسمع ذلك منه قبلًا، وربما ظنَّ أنني سمعته ولم أفهم، أو فهمت ولم أقدّر أهميته.
قلت:
- مثل آلاف القناصين، كلِّ يوم له مكان، يواصل مهمته في مراقبة الناس والطيور والأشجار من ناظور بندقيته، ويرى العالم محددًا وصغيرًا.
لم يكن مقتنعًا بما أقول، ذلك ما بدا واضحًا على ملامحه، فاقترب مني أكثر وقال:
- ليس الأمر نزهة، ناس وطيور وأشجار، ومن ناظور البندقية لن يكون المشهد محدّدًا وصغيرًا، تختلف الأشياء والمسافات في عين العدسة، لن تبدو كما هي عليه في الواقع.
- تختلف؟
سألتُ فخفَّ انفعاله وتغيّرت ملامحه، هدأت قليلًا، وأجاب:
- ما أن يُغمض إحدى عينيه ويضع الأخرى على فتحة الناظور حتى يغيب عالمٌ ويكون عالمٌ جديد، وهو يعبر بينهما بلمحة خاطفة، يتغيّر خلالها كلُّ شيء ولن يظل الناس والطيور والأشجار على حالهم. إطلاقة سريعة واحدة تهزّ المشهد وتحطّم تماسكه، يسقط أحدهم، يُغمض هو عينه لحظة يراه، يفضّل أن يتصوّره يتهاوى ببطء ويُطيل أمد السقوط، إنها عادته، قبل أن يفتح عينه ويحرّك بندقيته باحثًا عن مشهد جديد. بدأت الفكرة تشغلني بالفعل وأنا أتصوّر الرجل يتنقل من مكان لآخر وبيده بندقيته الطويلة، حتى إذا أراد أن يرى الأشياء على غير ما يراها الناس صعد على أقرب مرتفع، بناية أو تل أو برج مراقبة أو اتصالات، ثبّت جسمه وركّز بندقيته على كتفه، في نقرة الكتف كما يقول، أغمض عينه غير المستعملة ووضع الأخرى على الفتحة. ستتبدّل المعالم أمامه وتتغير الأشياء، كأنه يتنقل بخفّة بين غرفتين.
أنزل نظراته عنّي، إنه ينظر ليديه الآن، يتفحّص أصابعه المشبوكة ويقول:
- ما يُقلقني حقًا هو بأية عين يعيش.
- نعم؟
- أقصد بأية عين سيرى العالم، بعد أن ينتهي كلُّ شيء ويعود القناصون إلى منازلهم، ليس جميعهم بالطبع، لكنه سيعود مع من يعودون منهم، يرمي ملابسه القذرة وقد أثقلتها رائحة العرق والتراب والبارود، ويلبس أخرى نظيفة، بعد أن يكون قد وقف تحت الدش وأحسَّ الماء على جسمه رائقًا، منعشًا ولذيذًا، ورائحة الصابون تملأ أنفه وتمحو كلَّ ما عداها، وزاوله لوهلة شعور الإنهاك الذي لازمه لوقت طويل، كأنما أزاحه الصابون عن جلده فسال مع مجرى الماء، ثم يتمدد على سريره، يمرّ وقت يفكّر خلاله بسنواته الطويلة العابرة، ويسمع أصواتًا خاطفة تخدش الصمت من حوله، ينام بعدها حتى يشبع، تعاوده في نومه كثير من الوجوه التي رآها من قبل، يشاهد من سقطوا يسقطون مرّة أخرى ويسمع أصواتهم، ويظل على هذه الحال يتقلّب بين الوجوه والأصوات حتى يصدّق أن كلَّ شيء قد انتهى وأنه الآن في منزله، وأن الوجوه تأتي وتروح. هل سيفتح عينه غير المستعملة فيرى الناس والطيور والأشجار كما يراها الآخرون، أو يتركها مغمضة ويواصل النظر بعينه الأخرى، المستعملة، فيرى الأشياء كما كان يراها عبر العدسة؟ لكنه لن يحيا إلا بهما، مثل كلِّ البشر، هل رأيت أحدًا من قبل يُغمض عينًا ويعيش بعين؟ مع صاحبنا الأمر مختلف، صدّقني، مختلف تمامًا، إنه لا يفعل ذلك بدافع من مزاج أو رغبة عابرة، لقد عاش سنوات بعين واحدة، تصوّر، رأى الأشياء تتغيّر كلَّ يوم في أي مكان يكون فيه، قرّب الكثير منها، وضعها في عين العدسة، عند نقطة التهديف، وأطلق الرصاص. كان يلهو أحيانًا فيُطلق على النوافذ المغلقة، والأشجار البعيدة والطيور، ويفرح كثيرًا باللعب مع حيوانات الرمال الحذرة، لم تكن تفكّر أبدًا أن عينًا تترصدها عبر ناظور بندقية، تتابعها بهدوء وهي تدخل الدائرة وتقترب من نقطة التهديف، إلا في اللحظة التي يضغط فيها على الزناد ويراها تتقلّب على الرمال.


في عكس اتجاه النجاة
عارف حمزة (سوريا - ألمانيا)
حرب مُملّة

أتذكّرُ بأنّه تمّ قتلي عشرات المرّات
في حرب مملّة كهذه الحرب.
عشرات المرّات بسبب الملل
وسبع مرّات على يد الأمل
أمّا أجمل مرّتين
فكانتا
على يد قنّاص عنيد.
2
قبل أن أصعد الدرجات الثلاث عشرة إلى غرفتي
أربطُ الحياة في المكان المُخصّص للدرّاجات الهوائيّة.
أسمعُ أنينها في الليل فأنزلُ
وأضعُ لها طبقًا مليئًا بالأمل
كمية من الأمل كافية لقتلها حتى الصباح.

3
إزالة السنوات العالقة بين الأسنان
هو العمل الإضافي
الذي وجدته بسهولة.

4
حتى في أحلامي كنتُ شخصًا مفقودًا
جنديًّا مصابًا
يركض ويركض
في عكس اتجاه النجاة.

مطر خفيف
صفيرُ المدفعيّة القويُّ ذاك
مع الخراب الذي تُحدثُه القذائفُ فيما بعد
لطالما ذكّرني
بحياتي
من دونكِ.

2
الناسُ ماتت
الأنقاضُ ظلّتْ تعيش.

3
مطر خفيف مثل ستارة تُنزلها السماء
النوافذُ تتعكّر
فيتوقف هناك ويهطل في العينين
الأشجارُ تتمدّد بالماء الخفيف
فتصبحُ لوحة زيتيّة
أمرّر عليها أصابعي
لأتحسّسَ خشونة الألوان.
مطر خفيف
وبيتي الخشبيّ الكبير
يتداعى.
* القصيدتان من مجموعة شعرية تصدر قريبًا في القاهرة بعنوان «عشب مكسور من وسطه».

الحب لعبة خاسرة
هدى عمران (مصر)
1
أنا وأنت مهووسان
في عالم عاقل.
أو عاقلان في عالم مجنون.
حتى إذا افترقنا غدًا
ابق معي.

كانت لي أمنية قديمة
بأن أسكن داخل شرخ في صوت جميل
في صوت «نينا سيمون» بالذات وهي تغني بالفرنسية
لأسمع الآلاف يبكون معي.
فابكِ معي،
ولا تقل أحبك
لا أحب كلمة «أحب»
لابد أن نكبح هذا المجنون
قبل أن يحاول الجري
ليس العصفور الرقيق ليسمح بذلك، أعرف
لا ولا الثعبان الضخم هو النسيان الكبير،
العمى الحُلو؛
فاعطني عينيك.

دخّن معي سيجارة في هدوء
غنِ لي برقة
اركض في مرآتي المكسورة
قبلني في حقل ذرة
وخذني لننام عند النهر.
دعني أغفو
وابق معي.

2
اتركني أطير
حتى أستطيع الكتابة عن الرِّقة
عن خطوتي الواهنة من الصالة إلى المطبخ
كمغنية جاز سمراء

حتى أستطيع الرقص ونسيان القهوة لتفور
لأقبِّل الصُدَف السعيدة التي أتت بك إلى هنا
اتركني حرة
حتى أستطيع تقبيل الهواء الذي يصلني بك
حتى أستطيع تقبيل القُبلة المعلقة بيننا في هذا الهواء
حتى أكون قادرة على السعادة
ولا أتوقف كثيرًا على تحليل مؤشراتها
فأبدو غبية لنفسي
فأكرهك بكل بساطة.

اجعلني سعيدة كعُصفور
يمتلك ريشة زرقاء في ذيله
يحركها من وقتٍ لآخر
أمام كل العصافير الرمادية في الساحة الكبيرة
فيحبك الجميع
لكنك لن تحب سواي.

اجعلني رقيقة كما أبدو لنفسي حينما أتخيّل أني وقعتُ في الحُب
اجعلني أتخيّل أني وقعتُ في هذا الحُب
اجعلني أتخيّل أني سأتألم بعنف
إذا ذهبت بعيدًا
ثم اذهب بعيدًا.

3
أنا وحيدة بدونك. وحيدة للأبد
دموعي متحجِّرة وقلبي مثل جمرة وضعوها في الجَليد.
لا أستطيع الرجوع. لا أستطيع الذهاب
أنا حزينة بكل شجاعة
ولستُ من هؤلاء الذين يموتون من الحزنبكلِ بؤس
مثل عُصفور فقد صوته أو حرمه الله من الغناء
أنا وحيدة. وحيدة للأبد
مثل كأس ويسكي نُسي على البار في العتمة
مثل أغنية ساحرة وحزينة بلا انفعال
وليست لدي فضيلة النعيق.

أنا حزينة مثل مغنية مضطرة للغناء على مسرح حتى تأكل
لأنني لم أتمكن من المشي مع الأشباح على طولِ النهر
لأني وجدتُ حذاءً ولم أترك قدمي حافية للريح.

أنا وحيدة بدونك. وحزينة للأبد
حزينة لأنك هناك،
وحيد وسكران
لأنك لم تستطع فهم الحكاية.
وأنني سأضطر للذهاب بعيدًا كل يوم
ولأنني صرتُ وحدي أمام القدر
وأننا هنا للأبد
أن رُوحي ستظلُ عالقة.
وأنّ رُوحك ستظلُ عالقة.