الملحق الثقافي

أنت.. الوجود!

التجربة أساس مدرسة «الفيدانتا»

التجربة أساس مدرسة «الفيدانتا»

من المعروف أن الإيمان بوحدانية الوجود ظهر في كل الأديان على وجه العموم. وقد قدم الفكر الصوفي في الإسلام إنجازات هامة في هذا الجانب على يد كبار المتصوفة. إلا أنه من الضرورة التعرف على ما قدمته الأديان الأخرى، مما يمكننا من معرفة كيف تتلاقى وتتقاطع الفلسفات فيما بينها. هنا تعريف بالوحدانية كما جاءت في الفكر الهندي، خاصة في سفر الهند الأكبر، الأوبانيشاد.

ظهرت فكرة الوحدانية في أقدم نصوص الفلسفة الهندية وهي الأوبانيشاد  Oppanishad، التي يمكن اعتبارها أحد أقدم كتب الفلسفة في تاريخ الفكر البشري. يؤرخ معظم الدارسين ظهور الأوبانيشاد إلى حقبة تعود من 600 إلى 800 قبل الميلاد. والفلسفة التي ولدت من تفسيرات الأوبانيشاد، والتي نتحدث عنها يطلق عليها الفيدانتا Vedanta. والفيدانتا هي كلمة من جزئين، تعني حرفياً (آنتا) أي نهاية، والفيدا تعني (المعرفة)، أي أنه لا توجد معرفة بعدها. كما تطلق تسمية الفيدا على نصوص فلسفية هندية، وهي، بهذا الاعتبار، مجمل (المعرفة). والمعرفة المقصود بها هنا غير محددة بالمعارف التي نأخذها حين نقرأ الكتب على سبيل المثال بل تعني معرفة حقيقة الوجود، وحقيقة الروح التي تكمن في الإنسان، والذي هو جزء لا يتجزأ من الوجود. بهذا يمكن تعريفها بمعرفة أو إدراك حقيقة النفس.
تعتبر هذه المدرسة الفلسفية اليوم إحدى أهم ست مدارس فلسفية هندية، وهي كذلك تحتوي بداخلها تفريعات عدة إلى درجة أن اعتبارها فلسفة واحدة قد يكون تجاوزاً هنا، ولكننا سنختصر التعريف بأهم تفسير للوحدانية في الفيدانتا وهو الأكثر انتشاراً، ليس في الهند وحدها، بل في العديد من ثقافات العالم.

الواحد دون ثانٍ
تتعدد تفسيرات الوحدانية لكننا هنا سنقتصر على هذا التفسير الذي يبدو أنه هو الأقرب لروح فلسفة الفيدانتا. توجدت مقولات عدة في الأوبانيشاد تختصر الوحدانية مثل هذه المقولة، وهي بالسنسكريتية: (سرفام ميدام براهما) أي: كل شيء هو براهما. هذا يعني أن كل ما نراه هو براهما. أي براهما هو الأوحد. وبراهما في اللغة السنسكريتية تعني الحقيقة المطلقة.
ثم يتم شرح الحقيقة المطلقة بالقول بالسنسكريتية: (إيكام أدفيتيام) أي: الواحد دون ثانٍ. أي لا توجد حقائق بل حقيقة واحدة، ولا توجد حقيقة ثانية. وحين نتأمل هذه المقولة نكتشف أن الفلاسفة الكبار لهذه الفلسفة لم يكونوا يؤمنون بتعدد الآلهة كما يبدو في الديانات الهندوسية، بل يؤمنون بحقيقة واحدة مطلقة. كذلك فإن الإيمان بالوحدانية يلغي ثنائية الخالق والمخلوق والإنسان والكون والإنسان والآخرين وبقية الكائنات. إنهم يرون أن كل مظاهر الوجود تنويعات وتمظهر للحقيقة الواحدة في أشكال لامتناهية. كل هذا الوجود يعيش وفق قانون كوني واحد بتناغم وانسجام. 
بكلمات أخرى تعني الوحدانية هنا اللاثنائية أو Non- Duality، أي لا يوجد انفصال بين الإنسان والوجود، وأن الوجود وحدة واحدة. قد تبدو هذه الفكرة غريبة، وضد أي تجربة نعيشها في الحياة. إنها تتناقض مع أكثر الحقائق التي نعرفها. هناك الملايين من الأشكال في الوجود والكثير منها لا علاقة بينها أبداً. أي ترابط هناك بين الهواء والماء؟ أي ترابط بين الصخور والأشجار؟ كيف تكون هذه الأشياء شيئاً واحداً؟ تجيب الفيدانتا عن هذه الأسئلة، لكن قبل ذلك يجب المضي لشرح مجمل هذه الفلسفة.
الجانب الأكثر خصوصية هنا، أن تلك الحقيقة الواحدة، والوجود والوعي أو الروح، والنعيم اللانهائي هو أنا وأنت وهي وهذا وذلك وكل شيء. هذا الوجود اللاثنائي، النعيم الذي لا يتغير، الموجود وراء الزمان والمكان هو أنت أيضاً. أنت لن تصبح ذاك في المستقبل، أو عندما تجلس لعمل أي شيء ما، أو عندما تموت. أنت كما تشعر بروحك الآن وهنا وفي كل وقت وزمن. هذه هي طبيعتك وطبيعة الوجود الأبدية.
من الواضح أنه من الصعب على العقل البشري غير المهيأ أو المدرب الوصول إلى هذه الحقيقة. لأنه لإدراكها يجب الذهاب إلى ما وراء العقل والتفكير الاعتيادي. الوحدانية تجمع المتشابهات والمتناقضات في جوهر واحد. ويقارن الدارسون لهذه الفكرة وصعوبة إدراكها بأن العين لا تستطيع أن ترى نفسها. أنت لا تستطيع أن ترى نفسك إلا إذا نظرت في المرآة. كذلك فإن السكين لا تستطيع أن تقطع نفسها. والوضع يشبه الأسماك في البحر، فهي بداخل وحدانية الماء ولا تستطيع أن تدرك أي عالم يوجد خارج الماء الذي تعيش فيه حيث أنها لم تجربه أو تعشه.

أنا هو..  
ثم تقدم هذه الفلسفة العبارة الأكثر تحدياً للعقل والمنطق وهي عبارة: أنا هو، I am That، أي أنا هو الأوحد. وهذه المقولة تذكرنا بالطبع بمقولة الحلاج: أنا الحق.
المنطق العقلي دون شك يرفض ذلك، غير أن نصوص الفيدانتا في الأوبانيشاد ترى أنك وكل الموجودات والكون شيء واحد. هذا الوعي والوجود هو روح واحدة، وهذه الروح هي مشاهد ومراقب WITNESS لكل فكرة من أفكارك. الوعي هو المراقب لك أنت بما فيك من اسم، وأشياء تملكها وتشعر بها. هي أمور يمكنك أن تراقبها أمامك، هناك شيء ما فيك يمكنه أنه يراقب كل هذا.
من هذا الذي يراقب؟ تلك أشياء وأفكار وأحاسيس تظهر لك. تظهر لهذا الوعي المُراقب والذي يشاهد كل شيء هو الأوحد، وهو الموجود الدائم.
 
ما الدليل؟  
تقول هذه الفلسفة إنه لا يمكن لفكرة ما أن تظهر إن لم يكن هناك من يكوِّنها ويشاهدها أو يراقبها. لنراقب الأفكار، لنرى الحالة التي تحدث بين فكرتين. تظهر الفكرة الأولى، وتمر، ثم هناك مساحة خالية دون أفكار حتى وإن كانت برهة قصيرة، بعدها تأتي فكرة ثانية لتظهر. السؤال هنا: أين يذهب المراقب والمشاهد في المساحة الفارغة بين فكرتين. إنه لا يذهب إلى أي مكان، هو موجود. جاءت الفكرة وذهبت وبقى الشاهد موجوداً.
إذن أنت في جوهرك هو الروح الواعية بهذه الأفكار ولست الأفكار أو حتى العقل الذي ينتجها. روحك تستطيع تغيير أفكارك أي تستطيع تغيير مضمون عقلك وبالتالي أنت كروح من تمتلك هذا العقل. أي شيء يحدث للأحاسيس أو الأفكار لا يؤثر في المراقب والمشاهد. فهي تتغير ويبقى هو كما هو.
كل الموجودات وتلك الأحداث التي تحدث أمامنا في الزمن تتغير إلا أن الوعي المراقب أو الوعي الموجود فينا لا يتغير بتغير الزمان ولا المكان ولا الأحداث. 
ما هو هذا الوعي؟ ماهي هذه الروح؟ تجيب هذه الفلسفة، كما تجيب كل الفلسفات التي تؤمن بالوحدانية، أنه ليس لهذه الروح شكل أو لون أو طبيعة. إنها طاقة لا يمكن تعريفها بالكلمات، وهي أكبر بكثير من قدرة العقل البشري على أن يفهم كنهها. هذا الواحد يحتوي الأسماء والأشكال ولا تحتويه.
إلا أنه من خلال المراقبة والتأمل يمكن للإنسان أن يشعر بهذه الطاقة من خلال بصيرته وحدسه وليس من خلال بصره وعقله. 

«الفيدانتا» ليست ديانة
ما تتحدث عنه فلسفة الفيدانتا من الحقيقة الواحدة التي ليس لها ثانٍ، هو تفسير جاء في نصوص الأوبانيشاد وليست ديناً رسمياً. وهي ليست الديانة الهندوسية كما يفهم خطأ. التدين الهندوسي جاء بعد ذلك وتم استخدامه كمعتقدات وأيديولوجيات وعبادات وطقوس متعددة لا حصر لها.   
هذه الفلسفة لا تعتمد على الإيمان بها كدين منزل، له شريعة محددة يجب الالتزام بها. إنها مجموعة أفكار فلسفية تركز على التجربة، ويمكن للإنسان تجربتها. والسبب، كما يقولون، لأن ما تتحدث عنه موجود لدى كل شخص مهما كان دينه أو ثقافته أو لغته. 
يطالب أصحاب الفيدانتا بالنظر إليها من منظور شخصي تجريبي. على الفرد أن يتعرف إليها من خلال تجربته الشخصية وليس من خلال الفلسفة والكتب. أنت لن تستطيع أن تقتنع بفكرة الوحدانية حتى تجرب الأمر بنفسك. والتجربة بالنسبة لهم تتم من خلال التأمل العميق والدخول إلى عالمك الداخلي وطرح سؤال: من أنا؟
من خلال التأمل تأتي الإجابة للمتأمل: وهي أنك روح ووعي أكبر من الجسد والعقل والأحاسيس.

التحول نحو الداخل
لإدراك هذا الوعي المراقب علينا الاتصال به والبقاء معه. نحن ننشغل دوماً بالعالم من حولنا. حين يكون عقلنا مشغولاً بأشياء العالم فإن المراقب والشاهد بداخلنا غير ظاهر وبعيد ويكاد يكون غير موجود.
حين نقوم بتحويل تفكيرنا من العالم الخارجي إلى عالمنا الداخلي، عندما تصمت الأفكار ويصبح الدماغ صافياً، نتصل وندرك ذاتنا الحقيقية. توجيه العقل للتأمل الداخلي يجعله قادراً على تلقي إشارات الروح العميقة، لأن العقل في حالة التفكير في أشياء العالم الخارجية هو في حال متغيرة ومتبدلة لأن العالم متغير ومتبدل. هذا العقل، من الصباح إلى المساء، يقفز من فكرة إلى أخرى، من التفكير في العمل وفي الأسرة، إلى الطقس والمال والسياسة وغيرها. كل هذه الأمور متغيرة ومتبدلة ولا تبقى على حال. حين يتجه العقل إلى وعينا الداخلي الذي لا يتغير ولا يتبدل فإنه يصبح متخلصاً من التبدل والتغير. إنه يتصل بالسكون والسلام والسعادة الدائمة.  
الرحلة نحو الروح كما ترى الفيدانتا لا تكمن في العبادة نفسها أو التأمل نفسه بل في قدرتنا على تغيير دفة تفكيرنا وعقلنا من الخارج إلى الكائن الداخلي أو Inner Being. في داخلنا يمكن لنا إدراك هذه الحقيقة عن أنفسنا. نحن في الجوهر هذه الروح أو الوعي الداخلي. حين تدرك ببصيرتك وحدسك الداخلي أنك هو I am That، ستكتشف الحقيقة الباقية والأبدية كما تقول نصوص الأوبانيشاد أو الفيدانتا. الأشخاص الذين يدركوك هذه الحقيقة هم الذين لا يبحثون عن السعادة في العالم الخارجي بل في عالمهم الداخلي، حيث الجوهر الذي لا تتغير ولا تتبدل.
تقول المصادر أن المعرفة المتضمنة في الفيدانتا مكتملة ولكن يمكن أن تكون صعبة للفهم من الإنسان العادي. يؤكد معلمو هذه الفلسفة ضرورة رفع درجة الوعي الإنساني بروحه الداخلية. هذا يتم من خلال توسيع الرؤية وتدريب البصيرة على إدراك حقيقة الوجود من خلال إدراك الروح التي بداخلنا.
هذه الروح ليست بداخلنا فقط وإنما هي موجودة في كل زمان ومكان وكل شيء، وعلينا فقط استيعاب طاقتها الكونية الشاملة والاتصال بها دوما من خلال المراقبة الدائمة. قلما نجد فلسفة في تاريخ الفكر البشرى تحدثت عن الوحدانية أو فسرتها كما فسَّرتها الفيدانتا. وقد رفضتها وانكرتها العديد من مدارس الفكر الهندوسي إلا أنها استمرت وتوسعت. وهي ليست فلسفة ميتة وإنما حيّة منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وهناك الملايين ممن يدرسونها ويؤمنون بها حتى اليوم.  

انتشار وعلاج
هناك اليوم شعبية واسعة لأفكار هذه المدرسة الفلسفية (الفيدانتا) ومثيلاتها في البوذية والتاوية وفلسفة الزن، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. إننا نجد ذلك بوضوح في انتشار علوم التأمل والتركيز الذهني والتطوير الذاتي ومراكز التدريب الروحي والعلاج بالطاقة، وغيرها.
هذه الممارسات ارتبطت بانتشار الفكر الروحاني الشرقي على وجه العموم، والهندي على وجه الخصوص منذ نهاية القرن التاسع، واستمرت خلال القرن العشرين، مع ظهور الترجمات للنصوص القديمة فيها، واهتمام العديد من الفلاسفة والكتاب الغربيين، ممن قاموا بالترجمة والكتابة، ثم ظهرت التخصصات الجامعية، وأقسام الفلسفة الشرقية في الجامعات الأوروبية والأميركية.