ثقافة

علي بن تميم: القيم الكبرى التي شكلت حضوراً وازناً في الثقافة العربية غائبة عن الإعلام

فاطمة عطفة (أبوظبي)

في أجواء من الجدل البناء والحوار الراقي ناقش «منتدى أبوظبي للنشر» في يومه الثاني، عدداً من القضايا الثقافية الجوهرية، وأثار أسئلة مهمة فيما يخص علاقة العمل النشري بالإعلام، حيث ناقشت الجلسة الأولى موضوع (النشر والإعلام) بحضور معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، ولفيف من ناشرين وكتاب وأدباء ومختصين بصناعة النشر من الإمارات والعالم. وأكد سعادة الدكتور علي بن تميم، مدير عام شركة أبوظبي للإعلام، في حديثه خلال الجلسة الأولى على أهمية تنظيم هكذا منتدى «خاصة ونحن ننظر إلى تعثرات الثقافة العربية في محاولة تجسير العلاقة بين الإعلام والثقافة، هذا الموضوع الكبير، والمهم، الذي أقيمت حوله ندوات كثيرة». ولفت د. ابن تميم إلى فارق أساسي ينبغي التنبه إليه في موضوع العلاقة بين الثقافة والإعلام، وقال: «الثقافة تهتم بالبعد النخبوي في مسألة الكتاب والإبداع، في حين أن الإعلام ينتمي إلى اليومي، وأعتقد أن طرح مثل هذا السؤال مهم في هذا المنتدى، وعلينا أن نتأمله جيداً».
وشكر د. ابن تميم القائمين على تنظيم المنتدى، وقال: «أشكر معالي الأستاذ محمد خليفة المبارك وأحيّيه على هذه المبادرة لجمع الناشرين والمثقفين لمساءلة الإعلام».
وتابع: «في الحقيقة، ينبغي القول بأنه إذا استطاع الإعلام اليوم أن يتجرأ في محاولته لعكس ما يجري في المؤسسات الحكومية بشكل عام، إلا أنه غيب - من وجهة نظري - التحولات الكبرى التي مرت بها الثقافة العربية، وأصبحنا في الإعلام نهتم بما هو هامشي لا يمس جسد المجتمعات وجوهرها، بل أصبحنا في عالمنا العربي نسعى ونلهث خلف الأخبار التي لا تشكل أهمية كبيرة للمجتمعات لأنها لحظيَّة وسريعة»، مؤكداً أن «الإعلام محرقة، وأن ما يهتم به الإعلام اليوم ربما لا يصلح للغد». مضيفاً أن «القيم الكبرى في الثقافة العربية التي شكلت حضوراً وازناً ومهماً، ظلت غائبة عن الإعلام». وعرج د. ابن تميم على المشكلات الكبرى في ما يخص النشر مثل منافسة الكتاب الإلكتروني للكتاب الورقي، وقرصنة الكتب المنتشرة في كثير من الدول العربية، مشيراً إلى وجود ضعف شديد في الرقابة العربية، ربما لغياب الحريات، أو ربما للسلطة العالمة المتشددة التي منعت المنظمات الإعلامية، وربما لأسباب دينية أو أسباب اجتماعية، معتبراً أن هذه كلها تحديات تعكس عدم التواصل الاجتماعي، وهو تحد آخر يضاف إلى جملة التحديات التي يواجهها القطاع النشري العربي.
ونوّه ابن تميم إلى أن عملية اختيار الكتاب باتت اليوم، مع التواصل الإلكتروني، أكثر صعوبة، رغم أن عملية التواصل بين الفرد المثقف والكتاب قائمة في الأساس على عملية الاختيار وكيف يجب أن يتم اختيار الكتاب بدقة شديدة.
وبين د. ابن تميم أن عملية القراءة رغم أنها عملية صامتة، وتقتضي توافر عزلة لممارستها، إلا أنها مع ذلك عملية يحضر فيها المجتمع بأكمله، لأن هناك منظومة ثقافية ضخمة هي التي تصنع عملية اختيار الكتاب. ونحن كقراء نختار ما يريده المجتمع، فالعزلة التي يشهدها القارئ في علاقته مع الكتاب، هي ليست عزلة في الواقع، لأننا جميعاً نقرأ ما يهتم به الناس. وخلص د. ابن تميم إلى القول بأن المعطيات التي تشهدها الثقافة العربية من عمليات قرصنة للكتب، وغياب حقوق الملكية الفكرية لمعظم الكتب التي تصدر اليوم، إضافة إلى عملية التواصل الاجتماعي، كلها، لا تصنع مثقفاً حقيقياً.
وعن سؤال حول الكيفية التي يمكن من خلالها للإعلام أن يقدم وجبة ثقافية مفيدة، قال د. ابن تميم: الإعلام يعيش تحديات كبيرة بين ما تتطلبه المؤسسات الحكومية من متابعة وأخبار يومية وبين ما تتطلبه الثقافة، والتي تفرض علينا، اليوم، أن نطرح السؤال الكبير والأساسي والمهم وهو: كيف يمكن في الإعلام وتحديدا في الإعلام الحكومي أن لا نكون حكوميين، وإنما أن نكون ثقافيين، بمعنى، أن يركز الإعلام على أمر الثقافة الحقة وأن يضع الآليات، وأن ينقل هذا الكتاب بصورة رشيقة تصل إلى الإعلام.
وقال: أظن حتى في عام القراءة في دولة الإمارات لم توضع الأطر الحقة في جلب مشاهدين لقراءة الكتاب، شهدنا مجموعة من البرامج، لكنها ظلت برامج باردة لا تمس جمهور الكتاب ولا تحفز العربي على إعادة الاعتبار للكتاب، وإعادة علاقته بالكتاب، موجها التحية إلى دائرة الثقافة والسياحة لدورها الأساسي الأول واستمرارها في دعم المشاريع الثقافية التي يمكن أن تسجل في الكتاب المسموع. وهنا الكرة في ملعب دائرة الثقافة وملعبنا أيضا، لأننا فعلاً نريد إعادة الاعتبار لمثل هذه المشاريع المهمة والأساسية، وأن ننقلها في كتاب مسموع يصل إلى القارئ لعلها هي الرحلة الأولى في هذا الدرب الطويل. ثم تحدث الكاتب والإعلامي السعودي سليمان الهتلان، فقال إن الإشكالية بين المثقف والإعلام، تكمن في نظرة التعالي الموجودة عند المثقف على الإعلام. واستعرض الهتلان التجربة الثقافية المهمة في المملكة العربية السعودية، خاصة في المجلات والملاحق الثقافية خلال التسعينيات. ولفت إلى أن واجب المثقف أن يكون متفاعلاً مع التجارب الإعلامية الحديثة، وهو يرى أن ليس هناك وسيلة تلغي وسيلة أخرى. وعرج على البرامج الثقافية، ودعا إلى التنوع والتعاون بين الأفراد والشركات في إنتاج البرامج الثقافية. منطلقاً من خبرته العملية الممتدة لأكثر من 30 عاماً، أشار الكاتب والإعلامي علي عبيد الهاملي، إلى أن الإعلام المقروء يهتم بالنشر أكثر من المرئي، مرجعاً ذلك إلى قناعة مفادها أن الإعلام المرئي بعيد عن الثقافة وأنه موجه لفئة أكبر من المجتمع.
وقال إن البرامج الثقافية لا تجد رعاة لها، كما في البرامج الترفيهية، لافتاً إلى ضرورة الاهتمام بالبرامج الثقافية وتشجيع القطاع الخاص على دعمها أسوة بالترفيهية.
ونفى باول هوربازسكي أن تكون الكتب الرقمية عائقاً في وجه طباعة الكتب الورقية وتوزيعها، مشيراً إلى أنهم في أوروبا يهتمون بالكتاب الورقي إلى جانب الكتاب الرقمي.