ثقافة

«حافي القدمين».. مغامرة طفولية في زمن الحرب

مشهد من فيلم «حافي القدمين» (الصور من المصدر)

مشهد من فيلم «حافي القدمين» (الصور من المصدر)

نوف الموسى (دبي)

خلع الصغير «إيدا» حذاءه في المرة الأولى عندما وصل إلى الريف، أخبره أصدقاؤه بأنه يستطيع فعل ذلك والمشي على تلك الحشائش الطويلة والأتربة الرطبة بأمطار الطبيعة الساحرة، لم يكن ليحدث هذا لو لم يهرب والداه من المدينة، بعد رفضهما التعاون مع المحتل النازي. يعيش «إيدا» بروح المغامرة في اكتشاف الحياة بين أطفال الريف، يركضون بأسرع ما يمكن ويختبئون في مكانهم السري. هناك تحت الأشجار، يتحدثون عن أنفسهم وعن ما يعرفونه عن الحرب، ربما سمعوه بالصدفة من الكبار، أو شاهدوه أمامهم واستشفوه عبر الجوالات العسكرية، يحملون البندقية كأنها لعبة عابرة، يركضون بعضهم خلف بعض، ويحاولون إصابة شيء ما، لا يدرون ما هو، ولكنهم تعلموا أن ينظروا من حولهم، ويسددوا باتجاه المنطقة الأكثر خطورة والأكثر خوفاً أيضاً، لم يتوقف يوماً هؤلاء الصغار عن رسم أحلامهم في اللحظة وتحويلها إلى مشهد خلاق يحركه الفضول التام، ببراءة خالصة لا تفهم معنى الحرب، معنى أن يقتلك إنسان لمجرد أنك مختلف عنه!
الأطفال عندما يجدون برميل الوقود يسقط من طائرة حرب مرت فوق رؤوسهم يتخيلونها قنبلة، وبعد سقوطها يذهبون بقربها دون رهبة، يحملونها على رؤوسهم، ويخفونها في مكانهم السري، ويغطونها بالأشجار والحشائش، حتى يتسنى لهم تفريغها من بعض البنزين، الذي يأخذونه ليستخدمه صديقهم المقعد في تشغيل كرسيه المتصل بماكينة دفع تحتاج للوقود لتشغيلها. وفي اليوم التالي، يتحرك الكرسي كأنه صاروخ يطير بشكل أفقي، بين يمنى ويسرى وبشكل دائري، يراقبه الأطفال والابتسامة تملأ قلوبهم الرحيمة، تلك التي تحول كل مخلفات الحروب إلى أغان وقصص وحكايا تثير الحب في كل مكان.
يسمع والد «إيدا» لغة الحرب المشفرة عبر الراديو، وبعد أن يدون ما خطه في الورقة، يبتلعها حتى لا يكتشف أحد تلك الطلاسم الغريبة، بينما «إيدا» يراقب امرأة جاءت لبيتهم الريفي، حيث يقوم أحد أفراد العائلة بوضع أكواب صغيرة الحجم على ظهرها، بعد أن خلعت ملابسها، مستعجباً من المادة الداكنة التي تخرج من جسمها، باندفاع قوة السحب إلى داخل الكوب الزجاجي. يجلس الجد بالقرب من المدفأة، ويضع قطعة خشب سميكة، كأنه يود أن يطفئ برودة اجتاحت جسده وروحه، سأله «إيدا» عن تلك الخيول العزيزة على قلبه، التي خسرها في مقامرة طائشة، أراه جده لحظتها، بعضاً من شعر خيوله يحتفظ بها معه أينما ذهب، لمسها «إيدا» بيده وهو ينظر إلى عين جده.
في المدرسة عندما يبدأ المذياع ببث حديث الجيش، يتعمد المعلم الذهاب مباشرة نحو النافذة، ويرفع صوته واصفاً أشياء مبعثرة، ليلفت انتباه هؤلاء الصغار، بعيداً عن ما يزج به المذياع في آذانهم الحساسة جداً، تتحرك رؤوس الأطفال وقتها شمالاً باتجاه المذياع، وبرغبة في الاستماع، وجنوباً باتجاه المدرس احتراماً لما يود قوله، أخبر «إيدا» أمه بالذي حدث في المدرسة، أخبرته أمه بأن كل ما يعمله المدرس هو في مصلحته.
في مصنع السكر، دخل «إيدا» وصديقه لزيارة المكان، ليشاهدا تلك الآلات الضخمة وطريقة عملها، تلك التي يعمل عليها أهالي الريف، حيث يمرون بعملية تفتيش أثناء دخولهم وخروجهم للمصنع، فجأة يخلع إيدا بنطاله، ويستخرج أكياساً ليضع فيها السكر، يمشي مع صديقة بهيئة حركة حيوان البطريق، على الطرق الثلجية، حتى يصل إلى بوابة التفتيش، هناك يلمح عيني الجندي العجوز، وهو يدفع بيديه على طول جسم إيدا، ليتأكد بأنهما خرجا دون أن يسرقا شيئاً، يلمس الجندي العجوز جسد «إيدا» مفتشاً إياه تحت ظن أنه يخفي شيئاً في تلك الملابس الرقيقة، ثم يتركهما في النهاية يعبران بسلام. يصعد إيدا فوق الطاولة ويبدأ أهل البيت باستخراج السكر بتفاعل لطيف وضحكات.
صداقة «إيدا» بالأطفال في الريف لافتة، سريعة جداً، تحتفي بالأسرار، وتحتفظ بالمواقف، صادقة حد الألفة، متينة حد الدفاع بعضهم عن بعض دون مبرر أو سبب أو مصلحة متبادلة، رغم عالم الحروب الذي اجتاحهم، فإنهم لم يفقدوا متانة أرواحهم. في أحد الأيام، احترق البيت السري للأصدقاء، خرج الجميع وقتها، إلا أن «إيدا» علق في الداخل، توقف الأصدقاء في الخارج وبدؤوا ينادونه، وعندما تأخر دخل أحدهم، وسحب الحبل المتسبب بعرقلة «إيدا» وأخرجه. في ذلك الحب العفوي، لا يتسنى للكبار رؤية شيء بتفاصيله الصغيرة، ولا يلمحونه إلا ما ندر فيهم، مشغولين بصراعاتهم الداخلية، وخوفهم المتشظي مع حروب الدمار والقتل.
يتجرأ الأطفال على خوض الحروب بعفوية أكثر. غالباً ما تنتهي حروب الأطفال بلا سفك للدماء، يتفق الأطفال في نهاية الشجار أن عليهم أن يبقوا معاً. في فيلم «حافي القدمين» للمخرج التشيكي «يان سويراك»، بحث آخر عن طفولة جيل كامل، عاش ويلات الحروب النازية، قدمها كموسيقا تعزفها الطيور الريفية التي تنتقل مع الأهالي، كلما اضطروا لتغيير بيوتهم وأحياناً أخرى أوطانهم. وسط حضور عائلي جميل في مهرجان دبي السينمائي، تذكر الكثير من التشيكيين تلك الأوقات التي عاشوها مع أهاليهم، واصطحبوا معهم أبناءهم، ليخبروهم بتلك الدهشة المستمرة التي عاشوها مع أهليهم إبان الحرب.