ثقافة

«سينتور».. نموذج صارخ للتضحية

إبراهيم الملا (دبي)

عندما تعمل النوايا النقية في اتجاه مضاد للوعي الجمعي المشوّش، فإن على صاحب هذه النوايا الخضوع لاختبارات قاسية قبل المضي في تحقيقها والإصرار على نقلها من منطقتها الافتراضية إلى واقعها الفعلي، وعليه أيضاً بذل الكثير من التضحيات والتنازلات الشخصية انتصاراً لحلم أو مبدأ ظل يمور ويعتمل ويتوالد في داخله مثل غاية كبرى مطمورة، تحتاج فقط لبارقة نور ونفحة هواء.
هذا الهاجس الفردي المفعم بالتوق والانجذاب الشديد لحنين غامض وغير مكتمل، كان ملمحاً مهماً في تشكيل عصب وأصل المقولة المطروحة في فيلم «سينتور» القادم من دولة قيرغستان ليشاهده جمهور مهرجان دبي السينمائي الدولي مساء أمس الأول ضمن عروض (سينما العالم) التي تكشف لنا عن تجارب بصرية مدهشة من بلدان بعيدة ومجهولة، لكنها تجارب لصيقة أيضاً بمرجعيات وذاكرات مخرجيها، استناداً لقصص لافتة تذهب بنا عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية، مروراً بتحولاتها العصية أحيانا على التفسير، والتي تعمل هذه الأفلام بصدق وحرارة على تحليل وكشف جوانب كثيرة مبهمة منها، بينما تبقي جوانب أخرى متروكة لوجهة نظر المتفرج، وتأويله الشخصي لها.
يتناول المخرج في فيلمه الجديد ومن خلال مشاهد عفوية وآسرة حكاية رجل أربعيني يدعى «سينتور»، يعيش مع زوجته البكماء وطفله الصغير ذي السنوات الخمس والمتأثر بحالة أمه، رغم محاولات والده المستمرة في تشجيعه على النطق والكلام.

أرض الرؤيا
تقيم العائلة وسط قرية ريفية محاذية للجبال والسهوب في قيرغستان، وتتشكل أحداث الفيلم في بيئة هادئة ولكنها موعودة بتغيرات فرضتها بعض الظواهر المدنية الجديدة، مع صعود طبقة بورجوازية من محدثي النعمة، بجانب طبقة أخرى إسلامية متشددة في مكان لم يعتد هذا النوع من الالتزام المفرط بالتعاليم الشكلية، وفرضها بالإجبار على أناس بسطاء تشكلت حياتهم في السابق على إيقاع فطري وجماعي مهادن ومتعاون وبعيد عن التزمت الديني والتسلط الاقتصادي لطبقة بعينها.
يخرج «سينتور» الذي يقوم بدوره مخرج الفيلم نفسه في هذا الظرف الاجتماعي الحرج بصيغة بديلة وبحل سحري يكتمه في داخله، ويمارسه سراً عندما يهجع الناس إلى النوم، متسللا إلى إسطبلات الخيول المملوكة لأثرياء القرية كي يسرقها ويمتطيها ليلا وسط السهول الواسعة، مستعيدا بذلك الطقس المنسي الذي مارسه أجداده كي تحلّ البركة على المكان، وكي يتخلص الأهالي من الأمراض واللعنات المحيطة بهم، معتبرا أن إعاقة زوجته، وصمت ابنه، هما جزء موصول بهذه اللعنة الشاملة، وأن الشفاء من مرض التغيرات الجديدة وتبعاتها الحالية والمستقبلية المخيفة، لا يمكن أن يتحقق دون ممارسة هذا الطقس الشعائري القديم، الذي يسترشد بحكمة مقدسة تقول: «الخيول هي أجنحة الإنسان»، وبالتالي فإن الفارس الذي يمتطي أقوى الخيول وأسرعها بشروط معينة وفي توقيت محدّد، هو المؤهل لجلب الخلاص والغفران إلى قريته الموبوءة بالخطايا والذنوب.
سيكون شقيق «سينتور» الثري هو أول ضحايا السرقات الليلية للخيول، بعد خديعته لحرّاس الإسطبل، وغيابه بعيداً مع الخيل في براري أسلافه القدامى، وفي أرض الرؤيا التي خبرها في المنام، واعتبرها مهمة مكلّف بها من السماء، وأنه الوحيد القادر على إنجازها.
تقيّد السرقة بداية ضد مجهول، ثم يتم إحضار شخص مشتبه به اشتهر سابقاً بجرائم السرقة في هذه القرية الوادعة والصغيرة، ورغم التعذيب الذي يتعرض له المشتبه به من قبل مالك الخيل المخصصة أصلا للسباقات الطويلة، إلا أن التحقيق ينتهي بلا نتيجة، خصوصا أن السارق القديم بات صاحب مهنة ولم يعد مضطرا للسرقة كما في السابق.
وعندما يفشل المحققون في معرفة مصير الخيل، يلجأ الرجل الثري لرجال الدين المتشددين باعتبارهم الأقرب إلى الخالق، وباستطاعتهم من خلال الدعاء المتواصل الكشف عن الخفايا والحجب، مع وعد مغر لهم بتحقيق أمنيتهم في الحج إلى مكة على حسابه الشخصي، إذا كشفوا له عن مكان حصانه العزيز والباهظ الثمن، ولأن «سينتور» يعمل لإنجاز هدفه النبيل فقط ومن دون اعتبارات أخرى، فإنه يعيد الخيل إلى القرية بعد انتهاء مهمته، ويضعه في مكان مكشوف كي يعثر عليه صاحبه، هذا التصرف سوف يخدم رجال الدين دون شك، حيث تأتيهم الفرصة التي انتظروها طويلا على طبق من ذهب، فمن جهة استفادوا ماديا من الرجل الثري، ومن جهة أخرى استفادوا معنويا من الحظوة الاجتماعية العالية والمقرونة بالكثير من المنافع الآنية والمستقبلية.

طقوس بدائية
يستمر «سينتور» بشغف وعنفوان في ممارسة سرقاته الليلية، وطقوسه البدائية، ولكنه يقع أخيراً في يد السلطات ويسجن وتهجره زوجته إثر هذه الفضيحة. وبعد المحاكمة التي يعقدها قضاة القرية، يصدر قرار بالعفو عنه بشروط معينة منها الالتحاق بالجماعة الدينية والالتزام بمواعيد الصلاة. ينفذ سينتور هذه الشروط، ولكن سرعان ما ينفر منها. ففي أول تجربة له مع صلاة الجماعة، يترك المصلين ويذهب إلى الغرفة العلوية للمسجد الذي كان في السابق دار سينما، ويبدأ في تشغيل جهاز العرض القديم، عاكساً على جدار المسجد أحد الأفلام الكلاسيكية من بلده قيرغستان قبل أن تعصف بها التحولات الجديدة. هذا التصرف العفوي والذي يراه المتشددون تصرفا أرعن ويمثل استهانة بالدين، تدفع القضاة والأهالي إلى طرده من القرية، فيغادرها منكسراً ومحطماً بعد أن فقد كل شيء. وقبل مغادرته حدود القرية يرى مجموعة من الخيول المحبوسة في أقفاص فيبادر إلى إطلاق سراحها، ما يعرضه لمطاردة الحرس وإطلاق النار عليه، ومع سقوطه ميتا في النهر، تنتقل لقطة الختام على طفله الصغير وهو ينادي والده بعد أن تخلص من عقدة الصمت الملاحقة له منذ خمس سنوات.
لقطة سوف تشيع حالة من الألم والصدمة الداخلية الموجعة، لكنه الوجع الملامس لحكايات مشابهة، ساقها سوء الفهم الجماعي إلى خسارات فادحة، وإلى مصائر فردية مأساوية ومغيّبة، أضاءها هذا الفيلم القوي، وصنع منها نموذجاً صارخاً للتضحية والفداء.