تقارير

«ترامب» يجهض اتفاق «كوشنر»!

على أي أساس يفكر ترامب؟ هذا سؤال يُطرح في أحيان كثيرة عن الرئيس الأميركي، بيد أن التناقض بين إعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل -في الوقت نفسه الذي حاول فيه صهره إبرام اتفاق «نهائي» بين الإسرائيليين والفلسطينيين- هو بمثابة تناقض صريح مع سياسات إدارته.
ومن ناحية، قام صهره «جاريد كوشنر»، جنباً إلى جنب مع محامي ترامب العقاري «جيسون جرينبلات»، بعدة رحلات إلى الشرق الأوسط خلال الأشهر العديدة الماضية في محاولة للتوصل إلى خطة سلام لا تزال تفاصيلها سرية. وكان من المفترض أن يتم الكشف عن الخطة في مطلع العام الجديد.
ومن ناحية أخرى، فإن مستقبل القدس -الذي كان من المفترض أن يضمن فيها عاصمتين فلسطينية وإسرائيلية في أي حل معقول- هو واحد من أكثر المواضيع حساسية في أي مفاوضات. وقضية السيادة على المناطق المقدسة في القدس -التي يقدسها اليهود والمسيحيون والمسلمون- هي مصدر قلق على الصعيد العالمي. ولهذا السبب لم تعترف أي من الـ160 دولة التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بالقدس عاصمة لها.
ولم يعترف أي من الرؤساء الأميركيين من قبل على الإطلاق بسيادة إسرائيل على القدس لأنهم كانوا يعرفون أن هذا من شأنه عرقلة أي احتمال للتوصل إلى «اتفاق سلام نهائي»، من النوع الذي كان ترامب يصر على أنه هو وحده الذي يستطيع إبرامه.
وفي الأسبوع الماضي، قال لي صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين: «لقد اتفق الإسرائيليون والفلسطينيون على أنه لا ينبغي لأي طرف اتخاذ إجراءات تستبق اتفاق الوضع النهائي». وأضاف عريقات، الذي التقى كوشنر وجرينبلات 11 مرة منذ شهر سبتمبر إنه «لا يمكن للولايات المتحدة أن تملي مآلات القدس، التي يجب أن يتفاوض عليها الجانبان». وكان الكونجرس قد دعا في عام 1995 إلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس من موقعها الحالي في تل أبيب، ولكن لأن المسألة كانت حساسة للغاية، فقد سمح للرئيس بإصدار قرار كل ستة أشهر بتأخير نقل السفارة، وكل رئيس منذ ذلك الحين كان يفعل هذا -بما في ذلك ترامب نفسه في وقت سابق من هذا العام. ولكن الآن، اتخذ الرئيس خطوة -ليس فقط بالاعتراف، ولكن البدء في عملية نقل السفارة- التي من الممكن أن تثير موجة من العنف والمواقف المناهضة لأميركا في العالم الإسلامي. ومن شأن هذه الخطوة أن تؤجج الإرهاب بعد «داعش» وتقوية موقف إيران. ويبدو أن ترامب قد غفل عن طلبات الرئيس الفلسطيني والحلفاء العرب المقربين الذين طالبوه جميعاً بعدم الإقدام على هذه الخطوة المستفزة.
والأكثر غرابة، أن ترامب يبدو عازماً على إجهاض أي اتفاق سلام من الممكن أن يتوصل إليه كوشنر حتى قبل أن يولد هذا الاتفاق. وربما لا يفهم الرئيس -في تصميمه على إرضاء داعميه من المسيحيين الإنجيليين- جغرافية القدس. وإنني على يقين أنه قد اطلع على خرائط المدينة، ولكن ربما لم يكن لديه الصبر الكافي لدراستها. ولذا، ففيما يلي نقدم خلفية صغيرة عن الأسباب التي تجعل هذه المسألة مؤججة للصراع -والأسباب التي تجعل سلوك ترامب المتسرع غريباً للغاية.
لقد كانت القدس دائماً مقدسة بالنسبة للشعب اليهودي، ولكن عندما وافقت الأمم المتحدة على خطة لتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطينية ودولة يهودية -دعت إلى تدويل القدس- بسبب قدسيتها بالنسبة لثلاثة مليارات شخص من ثلاث ديانات.
وخلال حرب 1967، تمكنت إسرائيل من السيطرة على مدينة القدس كلها. ولكن منذ عام 1967، قامت بضم المناطق العربية من القدس الشرقية وكذلك المدينة القديمة -بمواقعها المقدسة، كما قامت بضم أجزاء من المناطق الفلسطينية المتاخمة للضفة الغربية، وكلها الآن مدرجة في المدينة.
وإذا تم التوصل إلى أي اتفاق سلام إسرائيلي- فلسطيني، فسيرغب الفلسطينيون في أن تكون عاصمتهم في الأجزاء العربية من القدس، ولذا فإنه يتعين التوصل إلى ترتيب ما بشأن السيطرة على الأماكن المقدسة في القدس، على نحو يرضي اليهود والعرب على حد السواء.

*محللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»