عربي ودولي

العالم يحارب الإرهابيين ولا يحارب الإرهاب

«إننا نحارب الإرهابيين ولا نحارب الإرهاب، فتجفيف منابع تمويل الإرهاب مهم جداً، بالإضافة إلى الموارد البشرية التي تقنعهم بالقدوم لتنفيذ تلك الأفعال والينابيع الفكرية».. هكذا بدأ حميد الهاشمي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العالمية في لندن والباحث في جامعة «إيست لندن» حديثه مع «الاتحاد»، مؤكداً أن هناك ضرورة ملحة لمعاقبة الدولة التي تؤوي وتحتضن إرهابيين دولياً، ويتم معاملتها كمحور للشر، وقال: «إن هناك قنوات فضائية تجعل منابرها مركزاً لفتاوى المتطرفين». ورأى أنه بالإضافة إلى أهمية مراقبة المدارس والتدريس الخاطئ للدين وتربية الأجيال الصاعدة على كراهية الآخر وإجازة القتل على الهوية، يجب تعديل العديد من المناهج الغريبة، وقال: «هناك اتفاقية دولية لحظر استخدام الأسلحة الجرثومية واتفاقية أخرى لحظر الاتجار بالبشر، ولا توجد اتفاقية تدين القتل على الهوية وهو الأخطر على الإطلاق، كما لا توجد اتفاقية واضحة لمكافحة الإرهاب، ولكن هناك مصالح مع بلدان راديكالية تمنع مكافحة هذا الفكر، وهذه الدول ما زالت تدرس مناهج تشجع على الكراهية، وبالتالي المصالح الاقتصادية.

وقال هاشمي: «إن هناك العديد من الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من انتقال المتشددين ودخول كل بلد مثل البصمة الوراثية وكشف المراقبة، بالإضافة إلى تشديد الإجراءات». وأشار إلى أن استخدام سيارة أو سلاح أبيض في العمليات الإرهابية الآن له مدلول كبير، فهذه الأهداف السهلة في المناطق الرخوة يمكن الهجوم عليها. وأضاف أنه يجب استخدام التكنولوجيا في تعزيز النظم الأمنية حول العالم. فأنظمة المراقبة الآن يتم استخدامها للحد من تحركات الإرهابيين. ورصد حركة انتقالهم وتمرير الوسائل الإرهابية التي معهم من سلاح وغيره ناهيك عن العمليات الذكية، مثل زرع كاميرات تسجيل وأجهزة صوتية في مساكنهم في ممتلكاتهم بمجرد الشك في سلوكياتهم.

وقال: «إن القيود قبل ذلك كانت أكثر اختراقاً، فكان استهداف الأشخاص يتم بسلاح ناري أو تفجير أو غيره ولكن عن طريق التكنولوجيا تم الحد أو تقنين هذه الأمور، فتأمين المباني الآن أكثر أمناً من ذي قبل». ورأى أن هذه الإجراءات الأمنية جعلت الإرهابيين يتجهون إلى أساليب بسيطة ولكنها أكثر وحشية من ذي قبل، واستهداف أبرياء في أماكن مختلفة حول العالم.

وقال الهاشمي: «يتم صناعة الإرهاب بأسلوبين، «الأول الشخص الذي لديه استعداد سابق، وهذا الشخص قد يكون يميل للعنف في حياته العادية، وبالتالي من السهل إقناعه، والثاني هو الشخص العادي الذي يتم استمالته بأي وسائل سواء كانت فكرية أو عاطفية أو مادية حتى يتحول إلى إرهابي».

من يصنع الإرهابي؟

أكد الدكتور سامي رمضاني، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة لندن ميتروبوليتان، أن العمليات الإرهابية شهدت تغيراً نوعياً في نمط العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين بالأخص مع انهيار داعش في العراق وسوريا، وتنظيمات إرهابية أخرى لها مراكز قوى وتشجع العمليات التي تتظاهر بفرديتها، والتي تكون في الغالب منظمة من تلك المجموعات الإرهابية على شكل عمليات انتحارية، وهناك نوع آخر مرتبط فكرياً وعقائدياً وهو فكر تكفيري دموي يحل دماء من سواهم ويختلفون معهم في الأفكار، وهو يكون بشكل فردي غير منظم بهذه المنظمات من ناحية دعوات التكفير والعمليات الدموية، ويدعي أنه حلال في الشارع. وانتشار هذا النوع من الفكر التكفيري العدمي الإرهابي هو العنصر الأساسي في الارتباط الفكري بين من ينشرون الفكر ومن ينتمون إلى رسالته، وهذا نمط خطير بسبب انتشار هذا النوع من الفكر في العالم العربي والإسلامي وبين الجاليات المسلمة في أوروبا والولايات المتحدة». وقال: «إن هناك نمطاً إرهابياً آخر أيضاً لكن دوافعه بسبب الأمراض النفسية الخطيرة التي تستهدف الآخرين وقتلهم لنشر الفزع والرعب، وهذا النوع يكون منفذوه غالباً ذوي السوابق الإجرامية وأعمال عنف».

ورجح أن تكون الأمراض النفسية عاملاً مهماً في العديد من الحوادث. وقال: «إن العامل الآخر أجهزة الاستخبارات التي تدفعها دول ومآرب سياسية مختلفة، دولة تناهض دولة، منظمة سياسية تناهض منظمة أخرى، وتستخدم أصحاب الأمراض النفسية كسبب ظاهري فقط. والأمر أوضح في الشرق الأوسط، فهناك دول إقليمية تمول الإرهاب وتدعمه وتمنحه الدعم اللوجيستي إلى آخره». ورأى أن حادث مانشستر على سبيل المثال نفذه شخص مرتبط بمنظمة إرهابية لقلب نظام الحكم في ليبيا، وأبوه كادر من كوادر هذه المنظمة، وهو نفسه تلقى تدريباً على مرأى ومسمع من أجهزة الشرطة والمخابرات.

وأكد أن هناك انتشاراً لهذا الفكر المتطرف بشكل منفرد، فالفرد يرغب في الارتماء الفكري لهذا النوع من الفكر وصعب مكافحته، لأنه يجب أن نحاربها بشكل فكري أيضاً، ولا تُستثنى الأمراض النفسية لأنه سفك لدماء الأبرياء وقتل الأطفال، خاصة أنه يقوم بهذا العمل وهو يراهم ويسيل دماءهم ومعناه أن هناك تعاملاً نفسياً مع الموضوع، وهذا خطره على المجتمع أكبر. وأضاف أن من الصعب التعرف إلى الذئاب المنفردة بشكل مباشر إلا إذا كان عن طريق خبراء في علم النفس إلا أن وجودهم قائم عبر التاريخ سواء قتل أفراد عائلات أو قتل أبرياء، فهناك عمليات إرهابية لعشرات السنين، إما لأمراض نفسية أو مرض اجتماعي معين أو حب الشهرة، وهذا صعب معالجته لأن السبب قد يكون التعامل معهم بعنف منذ الصغر أو ممارسته هو نفسه للعنف وتدريبه على ذلك. وبالتالي فالعنف موجود بقوة في جميع المجتمعات.

وذكر أن الإعلام الغربي مسؤول بشكل مباشر عن رسم صورة الإرهابي، فالدوافع السياسية المباشرة للإعلام الغربي الذي ظل على مدى أكثر من عشر سنوات يحاول دمج الإرهاب بالإسلام، وحان الوقت للإعلام الغربي أن يتوقف عن ربط الإسلام بالإرهاب. ورأى أن هناك صعوداً لليمين المتطرف في العشر سنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، فالمنظمات العنيفة تصب جام غضبها على المسلمين، ويعتمد فكرها العديد من الشباب حتى أصبح الدين مستهدف في المجتمعات الأوروبية والغربية، فالشخص الذي قتل عضوة بالبرلمان البريطاني قبل أكثر من عام كان هدفه سياسي وأعلن ذلك قبل أن يقتلها، فهو يريد أن تكون لبريطانيا اليد العليا، وكان هدفه سياسياً وعملية إرهابية واضحة، واضطر الإعلام أن يسميه «إرهابي» بعد إدانة المحكمة له ووصفه بالإرهابي، والمجتمعات الغربية لا تريد ربط الإرهاب بصعود المنظمات اليمينية المتطرفة التي أصبحت تستهدف المسلمين والسود في بعض المجتمعات الأوروبية والأميركية.

وأضاف رمضاني أن هناك العديد من الإجراءات التي يمكنها مكافحة هذه الظاهرة، وأهم إجراء عدم تشجيع المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط.